أليعــــازر
سمير عطاالله
“في 9 أيار قرر المفوض السامي في لبنان هنري بونسو تعليق العمل بالدستور وحل المجلس النيابي وتأجيل انتخاب رئيس للجمهورية الى أجل غير مسمى، وذلك لعدم اطمئنان السلطات الفرنسية الى سلوك السياسيين اللبنانيين، فبراعتهم في المناورات الحزبية واستغلال النفوذ السياسي تفوق وعيهم المشاكل التي كانت تعانيها البلاد واهتمامهم بمعالجتها”.
(كمال الصليبي، “تاريخ لبنان الحديث”، ص 222)
منذ فترة اقمت هنا مقارنة بيننا وبين الكونغو: وفدان الى كل قمة، موفدان الى كل مؤتمر. ادارتان. واحدة تداوم في الايام المنفردة واخرى في الايام المزدوجة. وكان في ذهني ايضا آنذاك الجنرال جوزف موبوتو، سيسي سيكو، الذي خلع الرئيس كازافوبو وعيّن نفسه رئيسا لخمس سنوات. ثم مدد خمسا اخرى. ثم ضربها بعشرة. وعندما توفي ترك الكونغو مفلسا وممزقا. لكنه كان رئيسا وطنيا على نحو نادر. فقد غيّر اسم الكونغو الى زائير. وليوبولدفيل الى كينشاسا. واسمه الى سيسي سيكو. ادينغو. الخ.
كلما تمادت الازمة اضطر الى اعادة النظر في المقارنات. مع اقتراب القمة العربية، اعتقد اننا صرنا اقرب الى بنين. وعاصمتها كوتونو. وكوتونو هي المطار الذي فقدنا فيه طائرة وركابا وضحايا. وقد وُعدنا يومها بتحقيق سريع. لكن الملف ضم الى القضايا اللبنانية الاخرى حيث يسمح للقتيل بان يموت شرط الا يتغالظ علينا، مرة بتسييس القضية، ومرة بتذكير قاضي التحقيق بعدد الضحايا. بلد مليء بالثقلاء واللجوجين. لم يتعلموا بعد ان لدى القضاء مسؤوليات اكبر من مسائل الموت الجماعي. هناك تهريب الماعز والمازوت. كل تهريب آخر خضع للعفو العام. بلد آمن وشعب يكاد يطق فرحا وسعادة.
حدث ذلك في كوتونو منذ زمن طويل. منتصف الستينات. شل البلد بسبب خلاف بين الرئيس سورو ميغان ابيتي ونائبه رئيس الحكومة جوستان اهاهوما دغبي على تعيين احد القضاة: من يحق له تعيين قاض في المحكمة العليا. اي من عائلة مَن؟ ومن جماعة مَن؟ ومن قبيلة ما؟ يجب ان نضع نصب اعيننا دائما ان دول القانون تحرص، قبل اي شيء، على نوعية القضاة.
تطور الخلاف الوطني بين الرئيس ورئيس الوزراء حتى توقفا عن اللقاء وراحا يتحاوران بالمراسلة. ثم توقفت المراسلة، وبدأت الشتائم. وشلت البلاد. وبدأ البحث عن تسويات. وحوار وطني. وقاض لي، قاض لك. وزير منا، وزير منكم. حرية الدوام مفتوحة. مجوز، مفرد، دوام وطني دوام اميركي.
في الازمات الوطنية الكبرى يرتفع مستوى النقاش: لا حياة للوطن ولا استقرار ولا استقلال ولا سيادة الا اذا توزعت الاسرة الوطنية ثلاثة اثلاث. عشرة عشرة عشرة. عشرة للرئيس، عشرة للاربتعش، وعشرة للثمانية.
المفاجآت الجميلة تُخفى حبا بالناس. العقيد هواري بومدين كان يقول “الثورة الجزائرية ثورة مفاجآت”. ادخل فرح سيدك.
اعادنا الى افريقيا قول العماد عون ان عبيد الامس لا يستطيعون ان يكونوا احرار اليوم. لا ادري كيف وصل العماد عون الى هذه المعادلة. فالمعروف ان جميع عبيد الامس، منذ حركة سبارتاكوس، اصبحوا احرارا حول العالم. هل يعقل انه لم يعد هناك رق في الارض الا عبيد 14 آذار، نصف الشعب اللبناني غير الشرعي؟
كانت مناسبة الاحتفال ولذا جاز فيها ان نذكّر اللبنانيين بحقيقتين تاريخيتين ساطعتين: الاولى، كيف حررتهم حرب التحرير، والثانية كيف استعبدتهم 14 آذار. مساكين الآذاريون. كانوا ارانب وزواحف فصاروا عبيدا.
كانت القسمة بين شرعيين وزنادقة، وبين وطنيين وخونة، فصارت بين عبيد واحرار. وعندما يتأمل اللبناني الحضور في القاعات هذه الايام. يتساءل: هل الى هذه الدرجة وصل مستوى البطالة؟ وهل حقا ليس لدينا شيء آخر نفعله سوى الانتقال من تجمع خطابي الى آخر؟ وهل يعقل ان تتجمع كل هذه الآلاف من الناس ولا تقدر على الحياة في بلد يستحق رئيسا للجمهورية؟ رئيسا توافقيا اجماعيا على غرار الرئيس الاخير؟ هل نحن جديون حقا عندما نأمل في خلف للرئيس العماد اميل لحود الذي تسلم اليمين الدستورية على باب القصر حول قالب من الكاتو عليه علم الجمهورية، وخرج من القصر وحيدا عند منتصف الليل، من اجل دقة المواعيد والحرص على الدستور ووحدة الارض والناس؟
عندما تسلم الرئيس احمد بن بلة الحكم في الجزائر اكتشف ان ثمة منطقة في وسط البلاد لا تزال تعمل بالعبودية. ليس عبودية الاستعمار الذي انقضى، بل عبودية الاهل والوطن. واصدر الامر فورا بتحرير الناس قائلا: لا اقبل ان اكون مواطنا في بلد فيه عبيد. فكيف رئيسا.
لا يحتمل المرء فكرة وطن يكون فيه كل هذا العدد من العبيد، وهو الذي كان، على صغره وضعفه، من واضعي شرعة حقوق الانسان. ليس بسبب حجمه، بل بسبب علاقته العميقة بالحرية. ليس لان شارل مالك كان يحمل دكتوراه في الفلسفة (بالاضافة الى 28 دكتوراه اخرى)، بل لانه كان مندوب لبنان. ولبنان كان بلدا صغيراً علقت له المشانق التركية وكان بلدا نال استقلاله قبل نصف بلدان العالم العربي، ثم انه كان اكثر بلدان العالم معرفة بالحرية الانسانية، اذ جعله قدره موئلا لمنكوبي الظلامات الكبرى، من الارمن الى الفلسطينيين، ومن السريان الى الكلدان.
لا شك في ان مقتل المطران رحّو في العراق الاسبوع الماضي قد ذكّر الكثيرين هنا بمعنى لبنان، وبأنه بلد للاحرار يأتون اليه من حيث يُظلمون، مسيحيين ومسلمين. فأهله لا يطلبون الحرية لأنفسهم فحسب. لم يقتل كامل مروة وجبران تويني وكمال جنبلاط من اجل الحرية كفكرة محلية، بل كدعوة انشئوا على اتباعها.
قد يكون في لبنان خونة كثيرون. فهذه مسألة نسبية وقضية مواقع خاضعة لقاعدة البقائيات السياسية والتجارية. وكان من اسهل الاشياء على السيد عبد الحليم خدام تعريف الخونة والقوميين وتحديدهم. اما العبودية فمسألة مطلقة واهانة عظيمة للافراد فكيف للجماعات. لقطاء غير شرعيين، ربما. اما عبيد، فالارجح ان الجنرال، على غير عادة في حال غضب.
في عز الشتائم في كوتونو، لم يستخدم احد مسبة العبودية. فالمسألة شديدة الحساسية هناك، ولها معان ومغاز وتاريخ آخر. عندنا لا تعدو المسألة قضية نفاد التعابير المناسبة في قاموس الحريات. خلق مفشوش في انتظار الاتفاق الوطني والطائف الوطني مجرد تناقض في التعبير. “طائف” من جبال الحجاز المعدنية واتفاق “محلي”. هنا يجب ان تسمى بحمدون او سوق الغرب او اي نسيم عليل آخر. ودعوا الطائف وعنبه ورمانه لأهله. ولزبيدة، ملكة الرشيد التي كانت هوايتها بناء العيون وسبل المياه، فبنت واحدة في الطائف على مشارف مكة، وواحدة عندنا هنا لا نزال نعرفها بـ”قناطر زبيدة”. كم هو ضالع هذا البلد في روافد التاريخ. بلا جدوى. بلا اتعاظ.
يشبه الكونغو. يشبه الداهومي (بنين لاحقا) هذا البلد ويشبه، عشية الفصح، اليعازر الذي كان ميتا نصف ميتة فأقيم قيامة كاملة. في مثل هذه الايام مر المسيح بهذه البلاد فركب جحشا ابن أتان، من اجل التواضع ودفع الراجمين عن الزانية لمعرفته بحجم خطاياهم، وبارك الفريسيين والعشارين لانهم اكثر صدقا، ورأى صفرة الموت على اليعازر فقال له: قم. انك وطن تستحق اكثر مما انت فيه. تستحق الحياة. والحرية.