#adsense

المطران نصار الفصل الأخير… الفاتيكان يقرّر

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1595

كشف المطران الياس نصار المستور كما وعد “رعيته”. وليته لم يفعل. كان يتوقع حتى اللحظة الأخيرة ان يحصل شيء ما، أن يتغير شيء ما في القرار الصادر عن الفاتيكان على رغم يقينه بأنه غير قابل للإستئناف. سافر إلى روما بعدما أبلغه السفير البابوي غبريال كاتشا منذ نحو الأسبوعين بتقديم  استقالته في مهلة أقصاها ظهر الأربعاء 25 كانون الثاني 2017 وتعيينه زائرا رسوليا على أوروبا. لكنه رفض الإذعان له.

فعلها المطران نصار وكشف المستور. وهذه المرة تحت الأضواء الإعلامية. وافق على التنحي محاولاً أن يجعل نفسه ضحية ملفات مفبركة من قبل جهات سياسية وكنسية. رضخ لقرار الإستقالة قبل أن يصدر قرار الإقالة في حقه ويسقط عليه الحرم الكنسي.

ماذا بعد؟ كان يمكن القول أنه وضع نفسه بتصرف بكركي بطريقة إيجابية لو لم يكشف هذا الفيض من الغيض من المخالفات التي كوّن على أساسها الفاتيكان حكمه. والمستور الذي أدمى قلوب المؤمنين تمثل في تضليل مجموعة من رعية صيدا ودير القمر. مجموعة كفرت ولعنت الكنيسة في داخل حرم المطرانية”.

هي سابقة تسجل في تاريخ الكنيسة المارونية. في الأعوام الماضية، شهدت الكنيسة الكاثوليكية في الشرق حالتين مماثلتين او ثلاثاً في الأردن وسوريا والأراضي المقدسة لكن وضع راعي أبرشية صيدا ودير القمر المطران الياس نصار يبقى “شبه استثنائي ونادرا جدا” في تاريخ الكنيسة المارونية!…

ثمة مطارنة كاثوليك قليلون أقيلوا، وعدد قليل آخر ممن نُقلِوا من أبرشياتهم الأساسية الى أخرى، تجنبا لتفاقم الأوضاع فيها. لكن أن يطلب الفاتيكان من راعي أبرشية التنحي وتقديم استقالته في مهلة حددها باليوم والساعة فهذا يعني ان الحجة التي بني عليها القرار ما عادت تحتمل التريث. فكان القرار إما الإقالة أو الإستقالة. لكن القرار الصادر عن الفاتيكان في حق المطران نصار ليس الأول وقد لا يكون قرار طلب تنحيه الأخير فيما لو فتحت الملفات والدعاوى التي رفعها كهنة رعايا الأبرشية وأبنائها في حقه.

ففي شباط 2016 أصدر الفاتيكان قراراً بـ”كف يد” المطران نصار عن التدبير او السياسة والحكم فقط في الأبرشية، وتم تعيين المطران بولس مطر مدبرا رسوليا على الأبرشية. سبق ذلك عدة محاولات على مستوى البطريركية المارونية لإبقاء الملف في أطره الداخلية منها إحالة المطران نصار عام 2013 على محكمة مختصة (سينودس المطارنة) واتخذت قرارات عديدة لكن شيئا لم ينفذ منها، وبقي العصيان على كل القرارات التي تصدر سيد الموقف في الأبرشية. عندها اتخذ البطريرك مار بشارة بطرس الراعي قرارا عيّن بموجبه مطران بيروت بولس مطر زائرا بطريركيا على الأبرشية وعندما لم تنجح المحاولات في وقف ممارسات التمرد والعصيان التي كان يطبقها المطران نصار داخل الأبرشية كان القرار الرسولي في تعيين المطران مطر زائرا رسوليا. لكن حتى هذه المحاولة باءت بالفشل واستمرت المخالفات إلى أن دقت ساعة “الحقيقة”.

بعد رفع كهنة رعايا الأبرشية وأبنائها الشكاوى إلى البطريركية المارونية ومنها إلى الكرسي الرسولي، طرق المطران نصار أبواب الفاتيكان اكثر من مرة لتبرير ارتكاباته، مخالفاته. وعشية تنفيذ قرار استقالته كانت المحاولة الأخيرة. كان يدرك ان القرار غير قابل للإستئناف، لكنه أصر أن يطرق باب الفاتيكان وعاد من دون “أن يُفتح له”. فكان الرد والتهديد بعقد مؤتمر صحافي. وليته لم يفعل.

“سأطيع قرار قداسة البابا القاضي بانسحابي من أبرشية صيدا ولو وجدته ظالما بحقي. قرار إقصائي عن أبرشية صيدا ودير القمر قرار إداري صرف وليس صادرا عن محاكمة قانونية وفق الأصول”. قالها المطران نصار قبل أن يسترسل في سرد “أفعاله” التي وضعها في خانة “الحفاظ على الوجود المسيحي في الجبل” معتبرا أن “سياسيين ورجال دين حاربوه وعطلوا مشاريعه وحجبوا الأموال عن أبرشيته ما عرّضه للفشل في محطات عديدة”.

نعم، بالمخالفات المالية والإدارية أراد المطران نصارأن يحافظ على الوجود المسيحي، هكذا قال. لكن هل غاب عنه أن الوجود المسيحي في الجبل مصان بفضل دماء آلاف الشهداء وحكمة “الحكماء”، والأهم الأهم أنه تكرس بالمصالحة التاريخية مع زيارة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير إلى الجبل عام 2001. ومن قال أن تكريس الوجود المسيحي في الجبل يتحقق من خلال زرع الخلافات بين الراعي والرعية وإغلاق مطرانية صيدا في وجه أبناء الرعية ومطرانية بيت الدين في وجه الكهنة والرعايا؟

أكثر من مرة حاول المطران نصار أن يغطي قضيته بشعارات سياسية وشعبوية لتبرير غيابه كراعٍ للأبرشية. ونجح في ضياع القطيع وتشتت الإكليروس، ووسع هامش الصدام ليس بين المؤيدين أو الرافضين لنهجه السياسي (الذي يصر على المجاهرة به) وحسب، انما أيضا الرافضين للنهج الرعوي. وحتى اللحظة الأخيرة أراد ان يستمر في سياسة التضليل لكنه كشف المستور في المؤتمر الصحافي الذي تضمن الكثير من التناقضات وطرح أكثر من علامة استفهام أبرزها: لماذا بعد 12 عاما على خدمة المطران نصار الأبرشية لم يحضر كاهن واحد المؤتمر. حتى على مستوى الرعايا لم يكن هناك حضور  علما أن أبرشية صيدا تضم 100 رعية؟ لماذا أقر بصفقة بيع الذهب علما أنه أنكر ذلك أول الأمر ولم يكشف عنه إلا بعدما أثبتت التحقيقات التي أجراها المطران مطر حقيقة ذلك؟ كيف سمح لسكريترته نانسي الحاج بتحويل الأبرشية إلى غرفة عمليات عشية انعقاد المؤتمر وكيف يفسر إداريا تحويل 3 رواتب شهرية لها بصفة سكرتيرة في الأبرشية وموظفة في التعاونية السكنية ومسؤولة عن قسم تنظيم الأفراح في بيت الدين؟ لماذا أصر على شن هجوم على البطريرك الراعي على رغم الدعم المعنوي الذي قدمه له وآخر فصوله زيارة الأبرشية في صيف 2016 وتبريك المشاريع السكنية؟

كثيرون تمنوا لو أن  المستور الذي أراد المطران نصار كشفه في مؤتمره الصحافي بقي مستورا لأنه لم يكشف إلا عن مخالفاته. ثمة من يقول: “ليته التزم الصمت ونفذ القرار الصادر عن الفاتيكان مع الموافقة على تعيينه زائرا رسوليا لأنه في ذلك كان سيؤدي الطاعة والغفران. لكن المشكلة ترتبط بمصالح مالية ومشاريع تجارية”… وعلى رغم محاولات البطريرك بشارة الراعي وقبله البطريرك مار نصرالله بطرس صفير استيعاب الوضع داخل الأبرشية ونصحه، كان آخرها تعيين البطريرك الراعي المطران بولس مطر زائرا بطريركيا على الأبرشية لتفادي الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم، لم يرتد نصار وبقي عاصيا على كل القرارات التي كان يتخذها المطران مطر إلى ان وصل الملف إلى الفاتيكان فكان القرار بتعيين المطران مطر زائرا رسوليا على أبرشية صيدا ودير القمر. لكن الصدام بقي محتدما بين الطرفين على خلفية تمرده على المهام الموكلة الى الزائر الرسولي ومن أبرزها الموافقة والتوقيع على كل قرار إداري او رعوي يصدره المطران نصار.

آخر الفصول الصدامية التي بدأت منذ 8 أعوام كانت في عملية تشكيلات الكهنة واختيار الكوريا (النائب العام والنواب الأسقفيين الخاصين) في أيلول 2016. وكان يفترض أن يناقش المطران نصار ورقة التشكيلات مع الزائر الرسولي. لكنه انتظر حتى نهاية شهر أيلول وحاول أن يفرضها مع الكوريا على المطران مطر. فكان القرار في رفع تقرير إلى الكاردينال ليوناردو ساندري الذي اتخذ قرارا بالإبقاء على الكوريا وإلغاء التشكيلات حتى يتم تقديمها من قبل المطران نصار ودراستها والموافقة عليها من قبل المطران مطر. لكن المطران نصار لم يلتزم بالقرار ورفض حتى تحمل مسؤولياته.

الأربعاء 25 كانون الثاني أصبح مركز أبرشية صيدا ودير القمر شاغرا بعدما وضع المطران نصار استقالته بتصرف البطريركية المارونية بناء على القرار الصادر عن الفاتيكان. ويلي ذلك تعيين مدبر من داخل الأبرشية توكل إليه مهام التدبير والتعليم والصلاة في الأبرشية إلى حين انعقاد موعد عقد سينودس في الكنيسة المارونية لانتخاب مطران أصيل للأبرشية. مرجع كنسي أوضح أنه  لمجرد وضع المطران نصار استقالته بتصرف البطريركية المارونية فهذا يعني بقاءه في مجلس الأساقفة او ما يعرف بالشراكة السينودسية من دون أن تسند إليه أية مهام أسقفية. وسيقيم في منزله إلى حين الإنتهاء من دراسة ملفه.

في الكلام القانوني الكنسي، “أسباب خطيرة وخاصة” تدفع الحبر الروماني الى ان “يعهد أحيانا الى مدبر رسولي في سياسة أبرشية، أكانت شاغرة أم غير شاغرة” (ق 234). والظاهر أن الأسباب كانت أكثر من خطيرة وخاصة لاتخاذ الفاتيكان قرارا بتنحية أسقف عن رعاية أبرشيته. هذه السابقة التاريخية سجلت في لبنان مع المطران الياس نصار الذي أنهى فصله الأخير في أبرشية صيدا ودير القمر بقرار فصل صادر عن الفاتيكان. فهل يطوى الملف على هذا الفصل ويعود القطيع الضال إلى رعيته، أم تفتح فصول جديدة على ملفات وقضايا إدارية ومالية جديدة؟

ذاك المساء في المؤتمر الصحافي تمنى كثيرون من أبناء الكنيسة لو بقي المستور فعل غفران في سجلات المطران نصار. لكنه أصر على الكلام. وليته لم يفعل.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل