البيان الوزاري لدولة حلم بها افلاطون
اذا كان هناك من لا يزال يتمتع بنعمة الايمان، فيؤمن ان زمن العجائب ما زال موجوداً، فانه من دون شك سوف ينام قرير العين بعد سماعه البيان الوزاري الذي تلاه رئيس الحكومة سعد الحريري، بأن دولة لبنان قائمة لا محالة، وانها ستكون الدولة التي حلم بها افلاطون.
بيان كامل شامل متقدم عصري، لم يترك شاردة ولا واردة في جميع الوزارات والمؤسسات الاّ واشار اليها ووصف لها العلاج الآني السريع، وايضا العلاج على المدى الطويل حتى الوصول الى العام 2020، ولو ان الوزراء الذين تلقى على كواهلهم مسؤولية وواجب تنفيذ ما وعد به البيان الوزاري، او حتى نفذوا نصف ما وعد به، فان لبنان يكون فعلاً قد دخل بعمق، مرحلة العبور الى الدولة، التي دعا اليها تكتل 14 آذار، والرئيس الحريري وتياره وجمهوره قطب اساسي في هذا التكتل، ويصحّ في هذا المجال القول، بأن الحكومة الحالية، لو كانت من لون سياسي واحد، وأطلّت على اللبنانيين، بهذا البيان الوزاري، لكانت حصلت على ثقة جماعية من مجلس النواب ومن الناس، خصوصا لو انها حيّدت البيان عن التطرّق الى المقاومة وسلاح حزب الله، وهو موضوع خلافي بين اللبنانيين، ودفع ببعض النواب الى الاعتراض او التحفظ او حجب الثقة عن الحكومة، امّا وان الاصرار على ادراج موضوع المقاومة في البيان الوزاري، قد انتصر على المنطق والواقعية، فان المطلوب الآن من حزب الله، ولتتمكن الحكومة من القيام بالمهام والمسؤوليات التي الزمت ذاتها بها، توفير اجواء من الهدوء والاستقرار والسلام طويلة المدى، وعدم الانزلاق الى استفزازات قد تلجأ اليها اسرائيل، وترك الدولة تأخذ المواقف والقرارات والمبادرات الواجب اتخاذها في بسط سيطرتها وسيادتها على كامل اراضيها، وتلبية طلب الدولة، للاستعانة بقدرات المقاومة العسكرية والبشرية عندما تدعو الحاجة الى ذلك، وعندها يصبح صحيحاً القول ان جميع الاطراف يفكرون ويتصرفون وطنياً لبنانياً وليس خلاف ذلك.
من البديهي القول ان حكومة الرئيس سعد الدين رفيق الحريري الاولى، ستنال ربما ثقة شبه اجماعية، وذلك من منطلق ما يمثله رئيس الحكومة الشاب، من قدرات شخصية، وشعبية، وهو الآتي من جمهور مليوني، دفع الغالي والرخيص من اجل حريته وسيادته واستقلاله وكرامته، واعاد مرة اخرى الى مجلس النواب اكثرية نيابية، يحق لها دستورياً وديموقراطياً وبرلمانياً ان تحكم وحيدة، ولكن الانتصار لم يعطّل تفكير الرئيس الحريري، ورؤيته لحقيقة الامور لبنانياً واقليمياً، فمدّ يده للآخر لتشكيل شراكة حقيقية، لكن هذه الخطوة، على ما قاله الرئيس الأسبق نجيب ميقاتي، لم تلاقها خطوة مماثلة بل كانت مجال مساومة وفرض شروط، وقفز فوق الدستور، واساءة الى مقام الرئاسة الثالثة، والتطرق الى ذكر هذه الحالات الشاذة، ليس القصد منه سوى التنبيه الى انها عابرة في حياتنا السياسية ويجب عدم العودة اليها حفاظاً على السلوك السياسي السليم وعلى نصوص الدستور.
* * * * * *
من ناحية ثانية، يثير موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري من اصراره واصرار نوابه والمحيطين به، على طرح انشاء الهيئة المولجة بوضع اسس الغاء الطائفية السياسية، تساؤلات كبيرة، وعلامات استفهام اكبر، ليس لانه فاجأ الجميع بهذا الطرح دون التشاور مع احد، باستثناء التطرق اليه عرضاً مع رئيس الجمهورية، بل لتكرار القول انه لن يتراجع عن هذا الموقف، على الرغم من التحفظات والاعتراضات الصادرة عن رموز الطائفة المسيحية سياسياً وروحياً، بالاضافة الى الملاحظات والمواقف الواضحة التي اعلنها رئيس البلاد العماد ميشال سليمان، حول هذا الموضوع، والشروط التي حدّدها ليصبح بالامكان انشاء مثل هذه الهيئة، وجاء بالامس العرض الذي قدّمه حليف حليفه النائب ميشال عون حول معضلة الغاء الطائفية السياسية، وما يجب ان يسبق ويرافق ويلحق الغاءها، ليكمل الخط الاحمر الذي رسمه المسيحيون، ووافقهم عليه فريق كبير من القيادات الروحية والسياسية الاسلامية، التي تعيد طرح الرئيس برّي الى سبب لم يتوضّح بعد، لكنه مثير للتساؤل المقرون بالدهشة، لأن هناك اموراً وقضايا اقل اهمية بكثير مما يطرحه برّي، ومع ذلك كان رئيس المجلس في طليعة من ينادون بوجوب تحقيق الاجماع او شبه الاجماع قبل الاقدام على اخذ اي خطوة تناقض شرعية العيش المشترك التي ركّز عليها الدستور.