
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1595
الصفة الحزبية: “قوات” الإنتشار. لكن ولا مرة كانت المسافات حاجزاً أمام نبض “قوات” الإنتشار والداخل، وعصب القضية الذي يسري في عروقهم. من هناك، من على بعد مئات آلاف الكيلومترات كان هاجسهم ولا يزال “كيف ممكن نساعد القضية، أهلنا، ولاد مجتمعنا؟”. السؤال وصل إلى آذان المعنيين في قطاع الإنتشار، وكان لا يزال يرتب أوراق تأسيسه. لكن كان لا بد من وضعه على بساط البحث خصوصاً أن الأفكار التي وصلت من الخارج كانت في مجملها ترتكز على المساعدات المادية ولو بحجم فلس الأرملة. لكن كانت تكفي النية ولا تزال. إلى أن تبلورت الفكرة وجاء الجواب: “الأفضل أن نذهب إلى مساعدات عينية عبر الأدوية والمعدات الطبية للمستوصفات التي تنضوي تحت راية “جمعية الأرز الطبية” في حزب “القوات اللبنانية”. وانطلقت سبحة المساعدات لتتحول إلى أيقونة عطاء لشفاء الجسد وتثبيت مفهوم النضال الحزبي.
هو ذاك السؤال الذي فتح كوة صغيرة في مسار الألف ميل. “كيف بدنا نساعد”؟ صحيح أن المسافات الجغرافية والظروف الحياتية القاسية فرضت نفسها على غالبية القواتيين الذين انفصلوا جغرافيا عن القضية، لكن هاجس النضال والمثابرة بقي يطاردهم حتى أقاصي الغربة. من هنا كان الإصرار على أخذ المبادرة بالمساعدة وفق ما تقتضيه الحاجة، لاستعادة ربط الجسور مع “قوات” الداخل وأبناء المجتمع ولو بما توافر وتيسر من مساعدات مادية.
“عندما طرح قواتيو الإنتشار السؤال كان قطاع الإنتشار في طور تأسيس هيكليته” يقول رئيسه الدكتور أنطوان بارد. “وبعد مواءمة النوايا والجهود ارتأينا تقييم فكرة المساعدات الإجتماعية ودراسة حاجات المجتمع مع مسؤولي المصالح في حزب “القوات اللبنانية”. وتبين ان المساعدات المادية لن تكفي لسد حاجة المجتمع الذي تعيش غالبية فئاته أوضاعاً إجتماعية ومعيشية صعبة. من هنا كانت فكرة التوجه نحو مساعدات تساهم في تخفيف آلام النفس والجسد فكانت انطلاقة مشروع المساعدات الطبية (أدوية ومعدات طبية) للمستوصفات التابعة لجمعية الأرز الطبية”.
بعد دراسة الفكرة وتقييمها مع المسؤولين عن المصالح في حزب “القوات” انطلقت عجلة المساعدات والبداية من الولايات المتحدة الأميركية حيث أقام مركز تامبا في ولاية فلوريدا الذي يرأسه غسان منسى عام 2013 عشاء وخصص ريعه لمساعدة المعوقين في جمعية “كروس رود”. ولأن العمل في حزب “القوات” يرتكز على مفهوم التنظيم عمد قطاع الإنتشار إلى جدولة المساعدات المطلوبة للمعوقين في الجمعية وحددت حاجة كل معوق مع الأسماء. ووصلت قيمة المساعدات العينية التي تضمنت معدات طبية حديثة جداً، إلى 70 ألف دولار.
هذه المبادرة التي لاقت استحساناً لجهة جدواها، فتحت الباب أمام باقي قواتيي الإنتشار وحمّستهم على توسيع رقعة المساعدات وكذلك الهامش. وفي العام 2014 كانت المبادرة الثانية من مركز تورنتو في كندا حيث تم تأمين 60 كيلوغراماً من الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة. لكن الحراك على خط “قوات” الإنتشار والداخل كان يحتاج إلى وضعه تحت الضوء لنشر الفكرة في المقاطعات الست التي توجد فيها “قوات” الإنتشار ويتفاعلون مع مجتمعاتها على كافة المستويات، وهذا لا يتم إلا من خلال الإعلان عن المساعدات. وحصل ذلك.
أولى نتائج أصداء المساعدات الطبية تُرجمت في مقاطعة أوروبا والبداية من سويسرا حيث أدرجت المبادرة ضمن حملة وتم تكليف المنسق جورج عيسى الخوري بمهام رئاسة جهاز الشؤون الإجتماعية في مقاطعة أوروبا. عن طبيعة هذه الحملة يقول الخوري: “وجهنا إلى الرفاق في فرنسا وبلجيكا والسويد وسويسرا وبريطانيا والدانمارك رسائل إلكترونية وطلبنا منهم جمع فائض الأدوية الموجودة في صيدلية البيت وتوجيه هذه الرسالة إما مباشرة أو عبر البريد الإلكتروني إلى أصدقائهم الذين يعملون في مجال الطب والصيدلة. وأثمرت هذه الحملة التي انطلقت نهاية العام 2015 واستمرت حتى منتصف العام 2016 عن جمع ما يقارب الـ2000 كرتونة دواء بقيمة 45 ألف دولار وتم ارسالها بواسطة الرفاق إلى جمعية الأرز الطبية حيث كان يتم تسليمها باليد إلى رئيسها زاهي الهيبي”.

هامش الحراك في مراكز أوروبا لجمع المساعدات وإرسالها إلى المستوصفات التابعة لجمعية الأرز استمرت. ففي نهاية العام 2015 أقام مركز بريطانيا ترويقة نسائية خُصِصَ ريعها لجهاز الشؤون الإجتماعية في لبنان. ولاحقاً تمكن منسق بلجيكا الدكتور كارلوس كيروز ومن خلال اتصالات أجراها مع عدد من الجمعيات وأصدقاء يعملون في مجال الطب من تأمين معدات طبية متطورة بقيمة تقارب الـ100 ألف دولار وإرسالها في نهاية العام 2016 إلى لبنان.

كرة الثلج التي بدأت تتدحرج وصلت إلى مركز جنيف في سويسرا برئاسة يوسف كرباج. لكن التحرك هذه المرة استوجب طرق أبواب مراجع رسمية وتحديداً النائب في البرلمان جان فرنسوا جيراردي الذي أوصل كرباج إلى إحدى الجمعيات المسيحية التي تعنى في تقديم الأدوية والمعدات الطبية حيث قدمت تبرعات بقيمة 300 ألف دولار تم شحنها إلى لبنان على 4 مراحل وسلمت إلى مستوصفات الأرز الطبية. كرباج وفي اتصال هاتفي معه في منسقية جنيف أوضح أن الطريق للوصول إلى قلب المجتمع السويسري وطرق أبواب الجمعيات للحصول على مساعدات عينية لم تكن سهلة “فالمجتمع السويسري مجتمع محايد وعندما انطلقت الحملة منذ نحو العامين كان من المستحيل تأمين علبة دواء واحدة بغض النظر عن حزب “القوات اللبنانية” الذي ننتمي إليه ونعمل من أجله. اليوم تغيّرت النظرة بعدما تمكنا من تعريف أبناء المجتمع على حقيقة ما يدور من حولنا لأن الجميع يفكر بأن الحرب انتهت في لبنان ويجب تجيير المساعدات إلى الدول التي تشهد حروباً على غرار العراق وسوريا والسودان وأفغانستان وفلسطين.
يضيف كرباج “في البداية طرقنا باب الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقات شخصية وبدأنا في نشر مفهوم “جمعية الأرز الطبية” داخل الجمعيات المنتشرة في جنيف وفي أوساط إجتماعية وإنسانية وكنسية. وبعدما لمسوا تقارباً كبيراً في القيم الإنسانية والمبادئ مع أهداف الجمعية وثقافتهم الإجتماعية والإنسانية أجريت اتصالاً بالنائب في البرلمان جان- فرنسوا جيراردي الذي تربطه بلبنان وحزب “القوات” علاقة صداقة فعرّفنا إلى جمعية مسيحية يرأسها جاك إيردونير وتمكنا في نهاية المطاف من جمع كميات من الأدوية والمعدات الطبية المتطورة التي أرسلت إلى لبنان والمساعي لن تتوقف عند هذه الحملة وحسب لأن نضالنا مستمر”.

آخر دفعة مساعدات وصلت إلى لبنان كانت من منسقية السويد وتضمنت معدات طبية متقدمة جدا منها كراسي نقالة متطورة وأسرّة كهربائية وأجهزة تصوير أشعة بقيمة لا تقل عن 300 ألف دولار. وفي اتصال هاتفي مع منسق السويد الياس سركيس أوضح “ان التزام المجتمع الغربي بالمساعدات محدد ضمن شروط أبرزها أن تكون موجهة نحو جمعيات وليس أحزاب. من هنا وجدنا صعوبة في البداية من جمع المساعدات الطبية. ومع تسلم جورج عيسى الخوري مهام الشؤون الإجتماعية في مقاطعة أوروبا بدأ الحراك على مستوى رسمي بحيث طرقنا أبواب جمعيات في السويد وكنا نطلب المساعدة بإسم مستوصفات “جمعية الأرز الطبية” من دون أن ننزع عنا صفتنا الحزبية”. وكشف سركيس أن حماسة الجمعيات السويدية شجعت قواتيي المنسقية على تطوير فكرة المساعدات لافتاً إلى التنسيق القائم في هذا المجال مع رئيس مركز فيستروس سمير صوايا ومنسقة الشؤون الإجتماعية في السويد ليليان ميسو. ونسعى لإرسال مستوعب جديد يضم تجهيزات طبية إضافية بنفس المعايير والتطور، بالإضافة إلى العمل على مشروع إرسال عيادة طبية نقالة لمعالجة العجزة في القرى والبلدات الجبلية النائية وفحص الدم”.

خلال عقد مؤتمري الإنتشار عام 2016 (مؤتمر أوروبا الذي عقد في أيار في فرنسا والإنتشار في تشرين الثاني في بلجيكا) تم وضع خطة لتفعيل عمل الشؤون الإجتماعية في قطاع الإنتشار وتأمين مساعدات عينية لا سيما في مقاطعة أوروبا حيث أظهر الحراك في هذا المجال تجاوباً كبيراً نتيجة وجود عدد كبير من الجمعيات التي تعنى بمساعدة الشعوب وفق الحاجة وبناء على دراسات تقدم من قبل الجهات التي تتقدم بطلب المساعدة، بالإضافة إلى تحرك الرفاق على كافة المستويات لجمع المساعدات الطبية وإرسالها إلى لبنان. وانطلاقا من هذه النتائج كشف رئيس قطاع الإنتشار د. أنطوان بارد عن تكليف أحد الرفاق في مقاطعة أوروبا لمتابعة كل نشاطات الشؤون الإجتماعية في مقاطعات الإنتشار الست لدعم القسم الأكبر من المستوصفات التابعة لـ”جمعية الأرز الطبية” وتعزيز صمود أبناء مجتمعنا في أرضهم. ولفت الى أن شبكة المساعدات ستشمل دعم بعض الجمعيات اللبنانية بالمستلزمات الطبية التي تصل كهبات “لنكون على تواصل مع كل المجتمع اللبناني وليس الحزبي وحسب تماما كما كنا في زمن الحرب”. هذه هي “القوات” وهكذا نستمر.
- للإشتراك في “المسيرة” Online:http://www.almassira.com/subscription/signup/indexfrom Australia: 0415311113 or: [email protected]
