
في موازاة انصرافها الى معالجة الشؤون السياسية والاقتصادية والحياتية والاجتماعية وانكبابها على تهيئة المناخ المناسب لدخول مدار الانتخابات النيابية العتيد عبر الحث على انجاز قانون جديد، تبدو حكومة “إعادة الثقة” عازمة على مقاربة ملف النزوح السوري من زاوية مختلفة لكل المقاربات التي ارستها الحكومات السابقة. ذلك ان تداعيات النزوح المتراكمة على مدى خمسة اعوام بلغت حدها الاقصى ولم يعد لبنان قادراً على الاستمرار بالوتيرة نفسها في ظل انكفاء ملحوظ للمساعدات الدولية وشبه جفاف في موارد الاغاثة واقتصار المتيسر منها على النازحين من دون ان تحظى الدولة المضيفة ولو بفتات دعم يمكّنها من المضي في استيعاب هذا الكمّ من النازحين الذي فاق نصف عدد سكانها الاصليين.
فبعيد انشاء وزارة خاصة بشؤون النازحين وتكليف الوزير معين المرعبي مهامها وتشكيل لجنة خاصة برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري تتواصل مع الوزارة في كل ” شاردة وواردة”، وتعيين الحريري نديم المنلا مستشاراً خاصاً لشؤون النزوح، افادت مصادر مطلّعة “المركزية” بأن الحريري وبهدف تفعيل وتيرة العمل وارساء مقاربة دقيقة لواقع النزوح، اوعز الى الوزارات المعنية مباشرة او غير مباشرة بملف النزوح اعداد دراسات بالتفاصيل والارقام حول تداعيات النزوح وحجم الخسائر التي يتكبدها كل قطاع جراء النازحين بما فيها الصحة والعمل والتربية والبنى التحتية، ذلك ان مفاعيل وجود نحو ما يقارب مليوني نازح سوري يتوزعون بين مخيمات وشقق استأجرها بعض الميسورين لا يقتصر على التقديمات التي تؤمنها مفوضية شؤون اللاجئين وبعض منظمات الاغاثة الدولية، بل تنسحب على القدرة الاستيعابية للدولة التي تتحمل اعباء هذا الوجود على الصعد كافة.
وكشفت ان مسحاً امنياً دقيقاً انطلق منذ مدة لإحصاء العدد الفعلي للنازحين في لبنان لأن الارقام التي تقدمها مفوضية شؤون اللاجئين تقتصر على من يتقدم منهم لتسجيل نفسه بهدف الحصول على اعانات ومساعدات، وعدد المسجلين والحال هذه، لا يتعدى المليون وسبعة عشر نازحاً فيما الارقام الحقيقية تتخطى هذا العدد بأشواط، وهو ما تناوله وركز عليه الوزير المرعبي في كلمته في مؤتمر هلسنكي في النروج الاسبوع الماضي حيث طالب الدول التي تستقبل أعداداً قليلة من النازحين مقارنة مع مساحاتها الشاسعة وعدد سكانها القليل نسبياً بمدّ يد العون للبنان الذي يتحمّل ما يفوق قدراته وطاقاته الاستيعابية بعدما شرح واقع معاناة الدولة اللبنانية مع هذه الأزمة ومحاولاتها الجدية لمعالجتها بالقدر المتيسر، في ظل غياب لمساعدات الدول المانحة التي بقي معظم التزاماتها حبراً على ورق.
وفور انتهاء المسح وجهوزية الدراسات والتقارير سيعكف فريق مستشاري الحريري على جمعها ضمن ملف متكامل للانطلاق في جولة على الدول والمنظمات الدولية المعنية وعرضها بالتفصيل من أجل اتخاذ اللازم من اجراءات لتأمين المساعدات للدولة اللبنانية وليس فقط للنازحين من أجل ضمان استمرارها في استضافتهم لان خلاف ذلك سيدفع الى واقع بالغ المرارة على لبنان والنازحين في آن. والملف ايضا سيعرض على مؤتمر مجموعة الدعم الدولي المفترض عقده في باريس، علّه يساعد في توفير الدعم المادي بعدما بلغت كلفة النزوح نحو 15 مليار دولار، علماً ان كل الآمال المعقودة على عودة هؤلاء الى ديارهم في وقت قريب تلاشت بعدما تردد أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب عدل عن فكرة اقامة مناطق آمنة في سوريا الآن.