
كتبت لينا غانم في “المسيرة” – العدد 1595
“نحن نورس الإعلام، والصيادون هم نواب الأمة وسياسيوها”. بهذه العبارة المضحكة ـ المبكية وصف أحد الصحافيين “المتعاقدين” منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا مع وزارة الإعلام حاله وحال نحو 506 من المتعاقدين مع الوزارة خلال اعتصام نفذوه في ساحة النجمة، الأسبوع الفائت، تزامناً مع انعقاد جلستين تشريعيتين لمجلس النواب للمطالبة بإدراج اقتراح تثبيتهم على جدول أعمال الجلسة بعد أن سحب البند الذي حمل الرقم 31 من التداول بناء على طلب من رئيس الحكومة سعد الحريري لمزيد من الدرس خلال مهلة عشرة أيام.
ما هو مشروع تثبيت المتعاقدين في وزارة الإعلام؟ ولماذا نزل “أهل القلم” الى الشارع للمطالبة بحقوقهم؟ ولماذا لجأوا الى التصعيد السلبي من خلال توقيف العمل في الوكالة الوطنية للإعلام وإذاعة لبنان ومركز الدراسات ودوائر الوزارة كافة؟ متعاقدو وزارة الإعلام وجدوا أنفسهم مدفوعين دفعًا الى اعتماد الخيار السلبي في نهاية المطاف، وعلى وقع اعتصامهم حاز مشروع القانون الخاص بالمتعاقدين في الإدارات العامة على مساحة واسعة من النقاش في مجلسي الوزراء والنواب، وتحديدًا في لجنتي الإدارة والعدل والإعلام والاتصالات واللجان المشتركة ولمرات متكررة، وكان رئيس المجلس وعد بفصل موضوع متعاقدي وزارة الإعلام عن متعاقدي الإدارات العامة كافة إذا لم يتم الاتفاق عليه كاملاً.
مطالب إعلاميي الوزارة وإدارييها تتلخص في أمرين إثنين: منح المتعاقدين راتبًا تقاعديًا وضمهم الى تعاونية موظفي الدولة لكي يستفيدوا من الطبابة والاستشفاء بعد إحالتهم الى التقاعد، علمًا أنه يتم حسم رسوم انتسابهم الى الضمان الصحي والى تعاونية موظفي الدولة في الوقت ذاته، وهو أمر بحد ذاته مخالف للقانون.
متوسط المدة الوظيفية لهؤلاء المتعاقدين هو بين عشرين الى أربعين سنة غالبيتهم برواتب زهيدة، “لقد قبلنا بصيغة هذا الاقتراح كما هو، على مضض، على الرغم من أننا ندرك تمام الإدراك أنه لن يفينا حقنا. قبلنا بالواقع لنضمن شيخوختنا مقابل حصولنا على معاش تقاعدي وطبابة بعد بلوغنا السن القانونية”، على ما يقول أحد المتعاقدين الذي يستدرك قائلاً: “لقد أشبع المشروع درسًا في اللجان النيابية ولا حاجة الى إعادة درسه مجددًا في الحكومة، لا سيما وأن الحكم استمرارية خصوصًا وأن المشروع لا يحمّل الدولة أعباء مالية إضافية، بل على العكس سيدفع المتعاقدون تعويضاتهم للدولة لضم خدماتهم على أن يستفيدوا من المعاش التقاعدي عند بلوغ السن القانونية”. والجدير ذكره أنه في حال إقرار القانون لن يستفيد متعاقدو وزارة الإعلام من حقوق الموظفين في الملاك كاملة بل فقط من المعاش التقاعدي وخدمات تعاونية الموظفين.
ماذا عن المسار الزمني لهذا الملف الذي يقبع في أدراج المجلس النيابي منذ أكثر من عشر سنوات؟
في الواقع بدأت اللجان النيابية المشتركة بدراسة الملف منذ العام 2007 وقدم كمشروع قانون من قبل الحكومة، لكنه عاد وتحول الى اقتراح قانون. مرّ المشروع بداية منفردًا قبل أن يُضم إليه مشروع تثبيت آلاف المتعاقدين مع الإدارات الرسمية، هذا الضم هو ما يرتب حكمًا الأعباء على الخزينة بالنظر الى وجود آلاف المتعاقدين في الإدارات من بينهم على سبيل المثال لا الحصر، آلاف المتعاقدين في السلكين العسكري والأمني. ضم الملف تم على قاعدة “التمرير الثنائي”، بمعنى الموافقة على حل قضية متعاقدي وزارة الإعلام مقابل الموافقة على حل قضية متعاقدين آخرين في إدارات أخرى، علمًا بأن التفاصيل التي طلبها رئيس الحكومة، عند سحب الاقتراح، غير متوافرة بدقة ومن ضمنها عدد المتعاقدين في كافة الإدارات والوزارات والكلفة الإجمالية على خزينة الدولة، مما دفع برئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة الى القول إن تمرير هذا الاقتراح هو بمثابة إطلاق الرصاص على الرأس. فهناك العديد من المتعاقدين في القطاع العام بطرق التفافية متعددة، ما يجعل إحصاء تكاليف تثبيتهم غير دقيق. وهو ما لا ينطبق على متعاقدي وزارة الإعلام المحددي العدد والصيغة التعاقدية الموافق عليها من قبل مجلس الخدمة المدنية.
يدرك المتعاقدون مع وزارة الإعلام أن المحسوبيات هي التي عرقلت حتى الآن إقرار القانون المتعلق بهم، فيما خصوم الرئيس نبيه بري يتهمونه بحماية هؤلاء المتعاقدين لأن غالبيتهم “من أهل بيت عين التينة”، علمًا بأن مطالب هؤلاء المتعاقدين حظيت بدعم واسع من كتل نيابية مختلفة. فمنذ الشروع بدراسة القانون، حاز الملف على تأييد سياسي من معظم الكتل بالنظر الى النواب الذين تقدموا به ومن بينهم ممثل عن حزب “القوات اللبنانية” النائب أنطوان زهرا وممثل عن حزب “الكتائب” النائب إيلي ماروني وممثل عن كتلة “التنمية والتحرير” النائب قاسم هاشم، فضلاً عن أنه نال تأييدًا من كتلة “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، خصوصًا من النائب ابراهيم كنعان، وبعض النواب في “تيار المستقبل”، واليوم يحظى الملف بدفع من وزير الإعلام ملحم الرياشي ومدير عام وزارة الإعلام حسان فلحة وآخرين من بينهم نقابة المحررين التي طالبت بإعادة طرح اقتراح القانون منفصلاً على مجلس النواب وإقراره.
.jpg)
وزير الإعلام ملحم الرياشي الذي وصفه كثر يوم تولى منصبه الوزاري بأنه “الرجل المناسب في المكان المناسب” أدرى بشعاب العمل الإعلامي ومشقاته، وهو تابع عن كثب تحرك المتعاقدين الميداني خلال البحث داخل المجلس النيابي والاعتصام وخارجه، وهو طالب الحكومة والمجلس بتصحيح هذا الوضع المجحف بحقهم انطلاقاً من وعده بحراسة هيكل الحرية وحقوق الإعلاميين، وتحويل وزارة الأعلام الى وزارة “حوار وتواصل”. “أريد أن أطمئن متعاقدي وزارة الإعلام بأن ملفهم يتجه الى خواتيمه السعيدة”، يقول الرياشي الذي التقى مع وزير المال علي حسن خليل ورئيس لجنة الإعلام النائب حسن فضل الله مع الرئيس نبيه بري. “النقاشات مستمرة ومن الممكن أن نصل الى نتيجة فصل متعاقدي وزارة الإعلام عن باقي المتعاقدين، والرئيس الحريري يتريث لدراسة بعض الأرقام وهذا الموضوع سيبت نهائيًا، فإما المتعاقدون كلهم بشكل عام أو كامل أو وزارة الإعلام وحدها”.
ما حصل مع متعاقدي وزارة الإعلام خلال انعقاد الجلستين التشريعيتين يعود الى “ضياع الحكومة” بعد دمج ملفات كل المتعاقدين بسبب غياب الإحصاءات اللازمة التي توضح التكلفة الفعلية لمشروع تثبيت المتعاقدين في جميع الإدارات، علمًا بأن هناك أصواتاً ارتفعت مطالبة بإخضاع المتعاقدين لامتحانات عبر مجلس الخدمة المدنية، علمًا بأن هؤلاء اجتازوا امتحاناً شفهيًا أمام لجنة متخصصة في المجلس في العام 2001، ليطرح السؤال المحيِّر: كيف يعقل أن يكون هناك أشخاص مكلفين القيام بمهام معينة ومحددة في وزارة الإعلام منذ أكثر من عشرين عامًا، وعندما وصل بعضهم الى سن التقاعد، بدأ “التشاطر” عليهم؟ فهل كانوا مؤهلين أم لا؟ علمًا بأن المباراة كان يفترض أن تجرى لهؤلاء منذ أكثر من عشرين عامًا، أي قبل أن يكلفوا بكل هذه المهام والمسؤوليات. فهل يعقل إجراء مباراة لمثل هؤلاء بعد أن أداروا مرفقاً عامًا على مدى 25 سنة أو أكثر؟
المتعاقدون في وزارة الإعلام أكدوا تضامنهم مع زملائهم في مختلف الإدارات، لكنهم أشاروا الى أن تقسيم الملف وفصله قد يساعد في إقراره على نحو أسرع. فهل يصل المشروع الى خواتيمه السعيدة؟ إن الجلسات التشريعية لناظرها قريبة.
وفي حين حسم النائب روبير غانم بأن المسألة باتت منتهية لناحية فصل قانون الإعلام عن سائر المتعاقدين واعدًا بإقراره في أقرب جلسة، تبقى الخشية قائمة لدى المتعاقدين من عرقلة ما كون التجارب السابقة لم تكن مشجعة.
توزيع الفائض
في ملف المتعاقدين في وزارة الإعلام، برزت خلال سنوات الدراسة نقطة تطلبت بحثاً مطولاً وتتعلق بالفائض الذي تم توزيع عدد كبير منه وصل الى 1400 متعاقد على الإدارات والوزارات والمؤسسات العامة والبلديات، وفقاً لمرسوم صدر عام 2001، ليتبيّن لاحقاً أن هناك من شكك واعترف بخطأ آلية التوزيع، علمًا بأن مجلس الخدمة المدنية يقول إنه بالفعل لم يكن هناك احترام لمبدأ العدالة والإنصاف في هذه الآلية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]