كتب د. فادي الأحمر في مجلة “المسيرة” – العدد 1596
قرار المحكمة الإدارية العليا الصادر في السادس عشر من شهر كانون الثاني الماضي لم يثلج صدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. بل على العكس، نزل كالمياه المثلّجة على رأس النظام. في ذاك اليوم أصدرت المحكمة الإدارية العليا في القاهرة حكمها في شأن جزيرتي تيران وصنافير، اللتين غدتا شهيرتين منذ زيارة العاهل السعودي الى القاهرة، وقضى الحكمت الحكم بأن “الجزيرتين المتنازع عليهما بين مصر والسعودية مصريتان”. الرئاسة والحكومة في مصر التزمتا الصمت! لقد أدركا انهما أمام حائط مسدود. تنفيذ الحكم المبرم يخلق أزمة مع الرياض تُضاف الى سلسة الأزمات التي تشوب العلاقة بين الدولتين. وعدم تنفيذه يعرّض المخالف للمساءلة القانونية رئيساً كان أو وزيراً أو نائباً. ما العمل؟ هذا هو السؤال المطروح اليوم. فهل ورّط النظام المصري نفسه في مسألة كان بغنى عنها في هذا الظرف الصعب؟ وهل أوقع نفسه في أزمة؟
ما هي هذه الأزمة؟

القصة بدأت في نيسان 2016. خلال زيارة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز الى مصر وقّع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع الملك اتفاقية ترسيم الحدود بين الدولتين. بموجبها اعترفت مصر بسعودية جزيرتي تيران وصنافير. على الأثر قامت الدنيا ولم تقعد في مصر. انهالت الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الشاشات والإذاعات… ضد الرئيس والحكومة والوزراء والنظام. اتُّهم النظام بأنه “باع” أرض مصر مقابل حفنة من الدولارات (في إشارة الى المساعدات المالية التي قدّمتها المملكة لمصر). فوجئ النظام ورئيسه بحجم رد فعل الشارع المصري. حاول السيسي تهدئته بقوله إن الجزيرتين حق للسعودية، بالتالي إن مصر “أعادت الجزيرتين الى السعودية. وأضاف بأنه لم يخرج عن “القرار الجمهوري الصادر عام 1990، والذي تم إيداعه في الأمم المتحدة”. تنازل ام إعادة؟ كلمتان يختلف عليهما الشارع المصري.
ناشطون مصريون اعتبروا أنه تنازل. فتقدّموا بدعوى بطلان الاتفاقية أمام محكمة القضاء الإداري. صدر الحكم في حزيران 2016 ببطلان الاتفاقية. عندها تقدّمت “هيئة قضايا الدولة” – وهي الجهة الممثّلة للحكومة المصرية – بطعن في الحكم أمام المحكمتين الدستورية والإدارية العليا. بعد عدّة جلسات استمع خلالها القضاة الى وجهة نظر الطرفين واطّلعوا على المستندات المقدّمة والخرائط، أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها برفض الطعن وتأكيد حكم محكمة القضاء الإداري القائل بمصرية الجزيرتين.
بالنسبة الى النظام الجزيرتان تعودان الى السعودية. لكن لماذا لا تتبعان للسيادة السعودية؟ المسألة تعود الى مرحلة إعلان دولة إسرائيل. فمنذ العام 1950 تربض قوات عسكرية مصرية في الجزيرتين اللتين لهما موقع استراتيجي على مدخل خليج العقبة. بحسب الرواية السعودية، التي وردت في رسالة وجهها وزير الخارجية الأسبق سعود الفيصل الى نظيره المصري في العام 1988، إن المملكة تغاضت عن المسألة لتقوية الدفاعات المصرية بوجه إسرائيل. خلال الاحتلال الإسرائيلي لصحراء سيناء لم تطالب المملكة بهما. بعد توقيع اتفاقية السلام في كامب دايفيد “خرجت” مصر من المجموعة العربية ومن “الجامعة العربية”. خلال سعيها للعودة الى “الحضن العربي” وإعادة مقرّ الجامعة الى القاهرة، أثارت المملكة قضية تيران وصنافير. ضمن هذا الإطار أتى “الاعتراف” المصري بسعودية الجزيرتين الذي ارتكز إليه الرئيس السيسي ليبرهن صوابية اتفاقية ترسيم الحدود التي وقّع عليها في نيسان 2016. ولكن السؤال لماذا لم “يُعِد” نظام حسني مبارك الجزيرتين الى المملكة؟ البعض يعتبر ان الإقرار المصري، إذا كان صحيحاً، أتى في إطار سياسي معيّن، وأنه لا يبدو ان شيئاً قد قدّم الى الأمم المتحدة لإعادة ترسيم الحدود بين مصر والسعودية.

تنازل ام إعادة؟ هنا جوهر الخلاف اليوم بين الرئيس المصري والحكومة من جهة والمعارضين لاتفاقية ترسيم الحدود من جهة أخرى. في كل الأحوال، إن الجزيرتين اليوم جزء من أرض مصر وتتبعان للسيادة المصرية. بالتالي فهما يخضعان للمادة 151 من الدستور التي تقول إنه “وفي جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة”. هذه المادة في دستور “الحكماء الخمسين” الذي صدر في العام 2014، وضعت تحديداً لمنع الرئيس السابق محمد مرسي من التنازل للسودان عن منطقتي “حلايب” و”شلاتين” في إطار سياسة التقارب التي كان ينتهجها تجاه الخرطوم. كما للوقوف في وجه أي مشروع للتنازل عن جزء من صحراء سيناء ليتم توطين فلسطينيي قطاع غزّه فيها. وهو مشروع تم التداول فيه حينها ولو بشكل غير رسمي.
وإذا أراد النظام الارتكاز الى القسم الأول من المادة 151 الذي يقول بأن “يمثّل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدّق عليها بعد موافقة مجلس النواب وتكون لها قوّة القانون بعد نشرها وفقاً لأحكام الدستور”. فإن المادة نفسها تكمل بأنه “يجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلّق بحقوق السيادة…”. بالتالي، اتفاقية ترسيم الحدود التي وقّعها السيسي في نيسان الماضي لم تكن لتكون نافذة من دون تصويت البرلمان وإخضاعها لاستفتاء شعبي. وفي ظل الأوضاع الداخلية التي تمرّ بها مصر لا يمكن للنظام ان يربح مثل هذا الاستفتاء. لماذا؟
تمرّ مصر بظروف اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية. فمنذ أشهر خسر الجنيه المصري ثلاثة أضعاف قيمته مقابل الدولار الأميركي، ما أدى الى زيادة الأسعار وتفاقم الأزمة الاجتماعية، خصوصًا وان الأجور بقيت كما هي. وازدادت نسبة الفقراء التي هي أصلاً مرتفعة في المجتمع المصري. في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني، تمكّن النظام من تحاشي “ثورة الغلابة” التي كانت تؤرقه. ولكنه اليوم، وبحسب مصادر مصرية مطّلعة، لديه خشية كبيرة وجدّية من ثورة اجتماعية تقلب المعادلة رأساً على عقب، خصوصًا وأن هذه القضية ستخلق أزمة جديدة مع المملكة العربية السعودية تُضاف الى الخلافات في ملفات عربية أخرى أبرزها الحرب على اليمن والأزمة السورية.
ولكن كيف السبيل للخروج من هذه الأزمة وتحاشي أزمة أخرى مع المملكة؟ المصادر المصرية تؤكد ان النظام أمام حائط مسدود. فبعد صدور حكم المحكمة الإدارية العليا لا يمكنه إخضاع اتفاقية ترسيم الحدود للتصويت في البرلمان. انطلاقاً من مبدأ فصل السلطات، فتصويت البرلمان، حتى لو أتى إيجابياً، لا يمكنه نقض الحكم الصادر عن المحكمة. أما الاستفتاء الشعبي، فهو غير مضمون أبداً في ظل الظروف التي تم ذكرها آنفاً. وفي كل الأحوال لا يمكنه نقض حكم المحكمة.
ولكن ما هو موقف الطرف الآخر، المملكة العربية السعودية؟ بالنسبة الى المملكة هناك اتفاقية وقّعها رئيس البلاد. أما قرار القضاء المصري المناقض لها فهو شأن مصري داخلي لا علاقة لها به. وعلى النظام حلّ هذه القضية لتطبيق الاتفاقية و”إعادة” الجزيرتين الى السيادة السعودية. وإذا لم يفعل يمكن للممكلة اللجوء الى التحكيم الدولي. وفي هذه الحال سيكون النظام المصري في موقف محرج للغاية. فهل سيدافع عن توقيع رئيسه؟ أم أنه سيدافع عن السيادة المصرية؟ والخياران صعبان ومكلفان.
خلاصة القول، إن توقيت حلّ قضية جزيرتي تيران وصنافير أتى من دون تحضير مسبق للرأي العام المصري. لذلك تحوّلت القضية الى أزمة داخلية ولها تداعيات إقليمية. ولا يبدو ان الخروج منها سيكون سهلاً.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]