#adsense

الرئيس القوي

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” ــ العدد 1597

قدم الرئيس ميشال عون في الأشهر الأولى لعهده نموذجاً عملياً لمعنى الرئيس القوي الذي يستند في رئاسته إلى حيثية شعبية وكتلة نيابية وتحالفات وطنية. ولم يكن القصد من هذا الشعار الإساءة إلى اي شخصية لديها المواصفات الرئاسية، إنما التأكيد على الآتي:

أولاً، أثبتت الممارسة منذ العام 1990 ان دور رئيس الجمهورية هامشي وثانوي مقارنة مع دور رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، والسبب في ذلك مرده بشكل أساسي إلى ان رئيس الجمهورية لم يكن يمثل بيئته خلافا لرئيسي مجلس النواب والحكومة.

ثانياً، الحجج التي كانت تعطى من قبيل ان دور رئيس الجمهورية يختلف عن دور رئيس الحكومة او المجلس لجهة انه المؤتمن على الدستور، وبالتالي يجب ان يحافظ على دوره، او انه على كل من الرئاسة الثانية والثالثة ان تحذو حذو رئاسة الجمهورية لا العكس، كلها حجج ساقطة والهدف منها استبعاد الحيثيات التمثيلية عن المقعد الأول في الجمهورية.

ثالثاً، استبعاد الحيثيات المسيحية التمثيلية عن الرئاسة الأولى وحتى عن الندوة البرلمانية شكل هدفاً سورياً أساسياً، الأمر الذي ولّد إحباطا لم تنته مفاعيله بعد، كما أدى إلى تراجع الدور الوطني المسيحي، فيما لم يعد من مبرر لاستمرار مفاعيل السياسة السورية.

رابعاً، الأوضاع التي تعيشها البلاد اليوم اختلفت عن حقبة الجمهورية الأولى، وبالتالي يجدر الكف عن إعطاء الأمثلة التي تعود إلى تلك الحقبة التي لم يكن التمثيل الإسلامي فيها محصورا بقيادات أحادية، ولم يكن التمثيل الرئاسي المسيحي يشكل مطلبا او هاجسا في ظل صلاحيات الرئاسة الأولى، ولكن الأهم من كل ذلك يبقى في ان المسيحي لا يمكن ان يقبل بأن تكون الرئاسات الإسلامية ممسوكة من قبل الأكثر تمثيلاً داخل البيئة الإسلامية، فيما الرئاسة المسيحية تخضع لاعتبارات غير مسيحية، وذلك احتراماً لقاعدة المساواة والعدالة.

خامساً، ارتبط وزن الرئاسات ودورها ببعدها التمثيلي لا الدستوري، وإذا كان البعض يعتبر ان هذا الواقع ليس صحياً ونؤيده، ربما، في ذلك، إنما لا يمكن تجاوز هذا الواقع من جانب فئة من اللبنانيين، بل التجاوز يكون من قبل كل اللبنانيين، وبانتظار الوصول إلى تلك اللحظة فإن تبديد هواجس كل الجماعات وإعادة الاعتبار للتوازن والشراكة يشكل المدخل الصحيح لتطوير النظام السياسي.

سادساً، تصويب الشق التمثيلي رئاسياً يستدعي استكمال هذا المسار بتصحيح الشق التمثيلي نيابياً، وقد تكون الممانعة التي ظهرت رئاسيا وتظهر نيابياً مفهومة بمعنى ان دخول قوة جديدة على المعادلة الوطنية بعد 26 سنة من التغييب القسري يؤدي إلى إعادة تصحيح الأحجام السياسية، ولكن هذا المسار لا بد منه وطنيا من أجل إعادة الاعتبار للشراكة والميثاق، ويكفي كسر هذا الحاجز على غرار ما حصل رئاسيا بغية ان تستقيم الأمور مجددا.ً

ويبقى ان الرئيس عون أثبت منذ انتخابه إلى اليوم انه على مسافة واحدة من المحاور الخارجية والداخلية، ولكنه في الوقت نفسه يتمسك بمواقف مبدئية يرفض التراجع عنها من قبيل إقرار قانون جديد للانتخابات، وهذا الموقف هو موقف حق وموقف وطني بامتياز، والفارق بينه، اي الرئيس القوي، وبين رئيس غير تمثيلي، ان الاصطدام مع عون يعني الاصطدام مع الشريحة المسيحية الأوسع، الأمر الذي تتجنبه القوى السياسية، فيما حدود الاصطدام مع الرئيس غير التمثيلي لا تتجاوز قصر بعبدا، ما يضطره إلى تجنب المواجهة ولو كانت محقة، هذا إذا كانت لديه نية المواجهة.

ويبقى أيضاً ان معظم القوى السياسية، وعن حق، لا تريد العودة إلى الاصطفاف الطائفي والمذهبي، بل تبحث عن اصطفافات عابرة للطوائف، والكلام عن الجانب التمثيلي المسيحي هو من باب تصحيح الخلل في التوازنات الوطنية، كما تصحيح الخلل الميثاقي وفي اتفاق الطائف.

ويبقى أيضاً وأيضاً إذا كان الدور الوطني المسيحي يشكل مطلباً إسلامياً، فإن هذا الدور يجب ان يكون مؤثراً وفاعلاً في صلب المعادلة الوطنية، الأمر غير الممكن استعادته بأبيات الزجل التي اعتدنا عليها عن أدوار وهمية لا تستند إلى أرضية فعلية، بل اي دور يجب ان يرتكز إلى بيئة قوية يحسب لها ألف حساب على غرار تحالف الرئيس عون مع الدكتور سمير جعجع، وحرص كل منهما على تحالفات وطنية تجسد معنى لبنان وفلسفته.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل