
كتبت تانيا حمصي في مجلة “المسيرة” – العدد1597:
لقد ارتبطت العناوين العريضة للتفلّت الأمني والغطاء السياسي بمنطقة البقاع، خصوصًا ببعض القرى التي أصبحت بسبب تجاوزات بعض أفرادها مادة دسمة للأقاويل وأصابع الإتهام من دون ان تقوم الجهات المعنية بعملية واسعة للحدّ من الوضع الأمني المتردّي في المنطقة. جرائم وتجاوزات، عمليات قتل، خطف، سلب، سرقة وتجارة مخدرات وغيرها من اعتداءات مختلفة وعشرات المطلوبين معروفين بالأسماء وأماكن الإقامة محددة. كل ذلك لم يكن كافيًا لإطلاق الخطة الأمنية المقررة منذ حوالي السنتين لمنطقة البقاع، خصوصًا بعد عمليات خطف عدة طالت أبناء المنطقة وتحديداً مدينة زحلة التي كان آخرها خطف المواطن سعد ريشا. وإذا كان تم إلقاء القبض على أحد المتهمين بهذه العملية، فما الذي يحول دون توقيف المطلوبين قبل حصول عمليات جديدة؟

عملية خطف سعد ريشا أتت بمثابة المنبّه والمُذكّر بخطة أمنية يُطالَب بها منذ سنوات ومن الواجب تنفيذها في منطقة البقاع، “التي يجب ان تنفذ بطريقة سريعة وسريّة، وفقاً لجدول القوى الأمنية التي تعتمد على وسائلها الخاصة بتنفيذ العملية منعاً لضرب عنصر المفاجأة.” حسب النائب جوزف المعلوف الذي اعتبر انه “بعد عدة عمليات خطف طالت مواطنين زحليين وبقاعيين بشكل عام، تابعنا الموضوع عن كثب لكن، يا للأسف، لم تلقَ طلباتنا الجدية المطلوبة لعدة أسباب منها الفراغ الرئاسي الذي تسبب بإبطاء عمل الحكومة، وبالتالي اتخاذ قررات جدية تختص بالخطة الأمنية. أملنا هو تنفيذ ما ورد في خطاب القسم في ما يختص بهذا الموضوع، بالإضافة الى النتيجة التي أسفر عنها إجتماع الرئيس سعد الحريري مع قادة الأجهزة الأمنية بعد نيل حكومته للثقة.” ويتابع المعلوف، “أملنا كبير هذه المرّة. لدينا تأكيد من قبل جميع التكتلات السياسية انه لا غطاء سياسي لهذه المجموعات بعد اليوم. فمنطقة البقاع لم تعد تحتمل الشلل الإقتصادي الذي أتى نتيجة الخلل الأمني المسيطر، خصوصًا أن بعض السفارات تحذّر رعاياها من التوجه الى البقاع تحديداً.” أمّا عن العناصر الموكلة بتنفيذ الخطة الأمنية فيقول المعلوف: “للأسف لدينا نقص واضح بالعديد والعتاد. ونأمل الجديّة بالتعامل مع هذا الملف من قبل الأجهزة الأمنية برعاية وزير الداخلية والجهات المعنية. ومن المفترض ان يكون هناك دعم من حيث العتاد والآليات التي تساعد في الخطة الأمنية التي نطالب بها أن تكون مستدامة أسوة ببعض المناطق كباب التبانة وجبل محسن وليست مرحلية فقط للتخفيف من ردات الفعل التي شهدناها إثر عملية خطف ريشا.”
وعن مدينة زحلة تحديداً والتعرض لأهلها فلدى النائب جوزف المعلوف رؤيته ايضاً إذ يرفض عمليات الخطف التي تطال أي موطن زحليّ أو لبنانيّ ويعتبر ان الأمن الذاتي والرد بالمثل لا يشبه مدينة زحلة ولا أهلها الذين هم من دعاة الفكر السيادي ويؤمنون بالدولة “ومن هنا مسعانا المستمر لإعادة بناء السلطات في الوطن، لكن للأسف الشديد ما حصل في الأسابيع الماضية دفع بنا لرفع الصوت الذي ترجم بتحركات في الشارع، على الرغم من أننا لسنا قطّاع طرق بل لأننا وجدنا ان هذا هو أفضل تعبير وردّة فعل على عمليات الخطف التي تشلّ المنطقة فتحركات أهالي زحلة على الأرض كانت تقول كلمة واحدة:كفى! وما يطبّق على أهالي مدينة زحلة يطبّق على أهالي البقاع ككل. ويختم المعلوف: “نطالب بحلّ نهائي للتفلت الأمني في البقاع كما إننا نرفض ان تعاد الكرّة، حتى لا يضطر أهالي زحلة الى اتخاذ تدابير من شأنها ان تشلّ البلد بأكمله، حتى يشعر الجميع بمعاناتهم وليتم السيطرةعلى الوضع بشكل حازم.”
من جهته اعتبر منسق زحلة في “القوات اللبنانية” ميشال تنوري ان هذه الظاهرة ليست محصورة ضمن فئة دون الأخرى. “سيتم تأليف لجنة ستقوم بمتابعة الموضوع الأمني مع رئيس الجمهورية وقائد الجيش ووزير الداخلية بالإضافة الى الجهات المعنية. وذلك من أجل متابعة الملف والعمل على تنفيذ الخطة الأمنية في البقاع. وليس مسموحا الإستخفاف بعمليات الخطف التي تؤثر سلباً على معنويات المواطن، والوضع الإقتصادي والسياحي ناهيك عن تشويه سمعة المنطقة والبلدات التي تنتمي اليها هذه العصابات. فأهالي تلك البلدات معروفة بطيبتها وكرمها وحسن سمعتها وغير مقبول ان يشوّه عدد قليل من الزعران سمعة المنطقة وان يتسببوا بتشنجها بشكل عام، الأمر الذي يدفع الكثيرين الى الإبتعاد عن البقاع.” ويتابع التنوري “ان الهدف وراء اختطاف سعد ريشا كان ماديا بامتياز، فقد سعى الخاطفون دون جدوى للحصول على فدية. ونطرح علامة استفهام كبيرة حول كيفية مرور سيارة الخاطفين على مراكز أمنية عدّة وصولاً الى عملية تسليم سعد ريشا الى الجيش اللبناني التي تمّت تحت تعتيم شديد من قبل السلطات.”
ويتابع التنوري “برأينا انه عندما يتخذ قرار سياسي من قبل جميع الأفرقاء بوقف هذه العلميات والقضاء عليها حينها فقط نستطيع الحصول على نتيجة ايجابية، وليس بالضرورة ان يترجم القضاء على هذه الآفة بالتصفية بل يكون عن طريق إنعاش المنطقة إقتصاديا من خلال مشاريع تخدم المنطقة وتحدّ من القلّة المادية، علماً ان تردّي الأوضاع الإقتصادية للأفراد والفقر ليس مبرراً للقيام بجرائم أو عمليات خطف أو سلب.”
لكن ماذا عن المواطن اللبناني الذي بالكاد يحتمل وزر الحياة الإقتصادية المتردية لتعاكسه الأوضاع الأمنية السيئة، وماذا عن العائلات التي فُرضَ عليها ان تعيش رُعب إختطاف أحد أبنائها؟ أيكفي هؤلاء تطمينات وبيانات استنكار ليحصلوا على حقهم بالعيش بأمان وكرامة؟
هل يتحوّل غضب العائلات الى شكر للجهات التي عملت على تحرير ابنهم عوضاً عن تحميل مسؤولية معاناتهم الى تقصير الجهات نفسها والتي من أولى واجباتها حمايتهم وحماية كل مواطن لبناني؟ فالشكر الذي وجهته عائلة ريشا على لسان نجله جميل (جيمي) الى جميع من ساهم بتحرير رأس العائلة من محنته لم يكن إلا تعبيراً عن إرادتهم بالعيش بسلام . ويقول جميي لـ”المسيرة”: “لقد تحركت الأجهزة الأمنية بشكل سريع ومحترف، والشكر موجّه الى جميع الجهات من رأس الهرم الى قاعدته، فالجميع كان له دور في تحرير والدي بدءا برئيس الجمهورية وصولاً الى الجندي الذي أمضى أيامه على الطرقات من أجل متابعة التحركات. حتى المجتمع المدني والأصدقاء والأقارب كان لهم دور في الضغط الشعبي الذي أثمر فعلاً. والفعاليات الروحية والسياسية والاجتماعية لها فضل ايضاً”. ويتابع جميي: “إننا عائلة متماسكة ومؤمنة وهذه قوتنا التي لطالما تسلّحنا بها خاصة خلال الأيام القاسية الماضية التي مررنا بها. وأردد ما يقوله ابي دائماً: ان ثروتي هي محبة واحترام العالم، فسعد ريشا لا أعداء له بل أحباب وأصدقاء كثر. إن عملية الخطف التي تعرض لها والدي قد اسرت المواطن اللبناني حيث شعر كل فرد بانه مهدد، وان الحذر واجب.” وعن التدابير الاحتياطية التي سيقوم بها آل ريشا خوفا من عمليات مشابهة في المستقبل فهو يعتبر انه لا من طريقة تحمي المواطن بشكل عام سوى الاتكال على الله وتغيير نمط العيش والحد من التنقلات غير الضرورية، ومندون استقرار الأمن وبسط سلطة الدولة على كافة الأراضي اللبنانية فجميع الوسائل الوقائية لن تجدي نفعاً. “كان كل همنّا عودة والدي سالماً، ولا يعنينا كيف تمت عملية تحريره ولا تفاصيل العملية، وكل ما علمناه ان الخاطفين قد اوصلوا والدي جوار منزل وطلبوا منه قرع الباب والطلب من القاطنين الإتصال بمخابرات الجيش الذين قاموا بنقله الى سكنة أبلح”. يتابع ريشا: “خلال فترة الخطف لم يعانِ والدي من اي مشاكل صحية على الرغم من وضعه الدقيق وأمراضه الكثيره وسنّه، وإيمان والدي الكبير كان مصدر قوته فهو لم يتناول أي من أدويته الكثيرة، فقد أخبرني انه كلما شعر بالضعف كانت يد خفية تربّت على كتفه وصوت يقول له: ما تخاف أنا حدّك ورح تتطلع من هون.” فسعد ريشا مشهور بإيمانه العميق وكل ما علم بذهاب أحدهم الى أحد دور العبادة البعيدة يرسله معه صندوق شمع “أمانة”، حتى الخيطان المقدسة لا تفارق جيبه، فهو قد وزع خلال السنوات الماضية ما لا يقل ثمانية آلاف خيط، حسب نجله جيمي. ” يفرحني جداً إيمان والدي وسعيه الدائم لنشر رسالة المحبة، وما أثر بي فعلاً هو عندما أراني أحد عناصر الأمن خيط في يده قائلاً: هذا الخيط قد البسني اياه والدك، ايعقل أن يتعرض رجل مثله لهذه المحنة!” حتى الخاطفون حصلوا على بركة الخيطان المقدّسة التي ربما كانت بمثابة رسالة من سعد ريشا لهم علهم يتعظون ويتذكرون الله وأفعال الخير التي أوصانا بها. ويختم جميل ريشا قائلاً: ” ان عودة والدي سالماً قد احتوت الغضب الشعبي العفوي الذي رافق عملية الخطف. وامنيتي ان يتفهم الجميع ان لكل منطقة زعرانها وأوادمها، فالعصابات التي شوهت سمعة بلدة بريتال لا تمثل جميع الأهالي الذين أشكرهم على تضامنهم معنا.”
أمّا لسان حال معظم أهالي مدينة زحلة فقد ترجمه ابراهيم الصقر الذي مسّته عملية الإختطاف بشكل مباشر فهو قد تعرّض لمحنة مشابهة قبل حوالي العامين والنصف إثر إختطاف طفله ميشال. الصقر اعتبر ان العملية الأمنية السابقة كانت عبارة عن “فولكلور” في ظلّ الغطاء السياسي الذي تتمتع به العصابات والجهات الخاطفة. وقد حذّر الصقر قبل حادثة إختطاف ريشا من عمليات مشابهة على إثر إطلاق سراح بعض الموقوفين المنتمين الى العصابات المذكورة ” الخاطفون معروفون بالأسماء والمطلوب من القضاء اللبناني أن يحكم قبضته على أمثالهم وأن يطبق أحكاما قاسية بحقهم ليكونوا عبرة لمن تخوله نفسه ارتكاب جرائم مماثلة. كما ان التواطؤ من قبل بعض العناصر الأمنية مع هؤلاء قد أصبح واضحاً جداً، لذلك نرى ان بعض علميات المداهمة تبوء بالفشل لأن الخبر يصل الى المطلوبين قبل وصول عناصر المكافحة اليهم.” وعن استهداف مدينة زحلة تحديداً فيعتبر الصقر ان غياب الحواجز الأمنية عن محيطها يسّهل عملية تنقل العصابات. ويتابع: “ان عمليات الخطف تعود بالزمن الى عشر سنوات وليست بالأمر الجديد وذلك تحت أعين الدولة اللبنانية وبتشجيع ودعم بعض الجهات التي لا بدّ ان لها حصة في تقاسم الغنائم. ولسنا بحاجة الى جميلة أحد بإعادة المخطوفين الى ذويهم، والمطلوب من الدولة اللبنانية ان تبسط سلطتها على أراضي البقاع بالكامل وان تحمي جميع المواطنين من خطر عمليات مشابهة. فإمّا ان يطبق القانون على الجميع وإمّا ان تكف الجهات الأمنية عن ملاحقة شباب زحلة لدى أي رد فعل يصدر عنهم. وإمّا ان نكون جميعنا تحت سقف القانون امّا العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم..”
لقد تشابهت عملية إختطاف ريشا مع عمليات خطف سابقة من حيث الشكل والتنفيذ والتعاطف الشعبي معها، لكن ما قد اختلف فعلاً هو غياب الغطاء الداعم للخاطفين الذين وجدوا أنفسهم في زاوية ضيقة صعب عليهم الخروج منها بالطريقة التي خططوا لها وفقاً لعوامل عدّة:
أولاً: انتهاء الفراغ الرئاسي والحضور القوي لرئيس الجمهورية اللبنانية.
ثانياً: تدخّل الرئيس نبيه برّي بشكل مباشر من خلال مبعوثه بسّام طليس الذي استطاع عقد مفاوضات سريّة أدت الى إطلاق سراح ريشا من دون فدية مالية، كما قيل.
ثالثاً: الضغط السياسي الذي مورس من قبل جميع الأفرقاء السياسية وإعلانهم ان الجهة الخاطفة لا تتمتع بغطاء سياسي لها.
رابعاً: التحركات الشعبية في مدينة زحلة وبعض القرى المجاورة وغضب الرأي العام الذي عوّل على العهد الجديد و”حكومة الثقة” ببسط سلطة الدولة على كافة الأراضي اللبنانية وكفّ يد الإرهاب.
فالمطلوب اذن خطة أمنية طويلة الأمد في منطقة البقاع، من شأنها ان تعيد ثقة المواطن اللبناني بدولته، التي من واجبها ان تبعده عن خيارات لا يريدها لنفسه تترجم إمّا بتغيير نمط عيشه وان يخضع لعملية إحتجاز ذاتي، أو ان يتحوّل بدوره الى مطلوب من قبل الأجهزة الأمنية بسبب إعتماده على الأمن الذاتي. فالعهد الجديد أمام تحدّ كبير وآمال اللبنانيين معلقّة بقشّة عساها ان تتحول الى ركيزة صلبةيستند عليها كل من يعيش على الأراضي اللبنانية…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]