لا تضيّعوهـا
كان متوقعاً أن تنال حكومة الرئيس سعد الحريري ثقة عالية وغالية، لكنها سجلت حدثاً استثنائياً عندما حظيت بثقة مئة واثنين وعشرين صوتاً. الآن، ينتظر اللبنانيون من هذه الحكومة أن تكون مستحقة بأفعالها هذه الثقة، وأن تقول للبنانيين وللنواب ها أنا عند حسن ظنكم. وبالأفعال، والانجازات، وبالانسجام التام داخل مجلس الوزراء وخارجه.
لا يحتاج الرئيس الحريري إلى التوصية، فهو يعلم أكثر من الجميع ما ينتظره من مهمات، لبنانياً وعربياً واقليمياً، وما ينتظره منه اللبنانيون على كل الصعد…
إلا أن المناقشات النيابية الطويلة جداً جداً تدعونا إلى القول إذا كان بعضهم أو أحدهم يريد أن يقتل الناطور ويحمي السلاح ويفتح الأبواب لتدخل منه الريح برفقة بند إلغاء الطائفية السياسية، فاللبنانيون بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم يريدون ان يأكلوا عنبا وخبزا، وان يناموا ملء جفونهم من دون حبوب وحقن ومهدئات.
لقد أُتيحت الفرصة ليقول الجميع ما يودون التعبير عنه وطرحه، ومناقشته، عبر النقل التلفزيوني المباشر، وبالالوان. وبكامل الاناقة والقيافة.
وحان الوقت لإعطاء لبنان اجازة ولو بحجم استراحة المحارب، لينصرف الى معالجة قضاياه وهمومه وجروحه وما اكثرها، وخصوصا بعدما لاحت في افق المنطقة سانحة اقليمية، يصح فيها القول انها هدية وصلت في وقتها.
لاحقون على الاختلاف وفتح عكاظات السجالات والاشتباكات السياسية ليل نهار. سواء من حيث المقاومة و"حركتها" وسلاحها وقراراتها، ام من حيث الطائفية السياسية ودوي سلاحها ذي الحدين.
لاحقون ايضا على فتح الملفات التي تفرّق لا تجمع، وتشتت لا توحّد، وتخرّب لا تعمّر. فكل القضايا الخلافية متوافرة بغزارة ومحفوظة بأمانة ودقة الى ان تدعو الحاجة، او يشاء الآمر الناهي.
وليس اسهل من استنباط مشكلة "ميثاقية" سيادية، دستورية، وبأسرع من لمح البصر. فنحن نعيش في وطن الثماني عشرة طائفة، وحيث لكل طائفة موّالها ومشروعها وقرارها وارتباطها ومرجعها ونبعها وحامي ظهرها.
ومن هذه الناحية تقول لنا التجارب المريرة حدّثوا ولا حرج…
ولكن، قبل المضي قدما في فتح الملفات والدفاتر القديمة التي تثير غبارا وجدالا كثيرا وكثيفا وتعيد الاعتبار الى الاشتباك السياسي الطوائفي، لا بد ان نلتفت حولنا، ونلتفت تاليا الى هذا اللبنان الذي لا يعرف الهدوء والامان والاستقرار منذ سنوات ودهور.
حتى الاشقاء والاصدقاء الغيارى ومحبو وطن النجوم واكبر صحن حمص وصحن تبولة وصحن كبة نية وصحن فراكي، يقولون لنا بالفم الملآن اغتنموا الفرصة. انتبهوا قليلا على بلدكم. ساعدوا دولتكم لتعبر بكم وتعبروا بها ومعها الى ردهة الاستقرار والاعمار ودورة الحياة الطبيعية.
فالاولويات التي اصر الرئيس سعد الحريري على تتويج البيان الوزاري بها، لا يمكن وضعها قيد التنفيذ ما لم يتوافر لها الحد الادنى من الهدوء السياسي والهدوء الامني وهدوء الاعصاب.
جرّبنا الحروب بكل انواعها واسلحتها، وجربنا الانقسامات بكل بشاعاتها، فلنجرّب العيش المشترك الذي فلقنا المعمورة بالحديث عنه… من غير ان نعرفه.
… أما بالنسبة إلى الثقة العالية والغالية، فلا تضيّعوها.