#adsense

سجن صيدنايا: مسلخ بشري و13 ألف إعدام إبادة

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في العدد 1598 الصادر من مجلة المسيرة:

صدر التقرير، طنطنت مواقع التواصل الاجتماعي، تصدّرت الفضيحة عناوين المواقع الإلكترونية والصحف المحلية والعربية، يوم، يومان، ثلاثة… وعبر الخبر الى أرشيف الدولة اللبنانية وكأن شيئا ما عبر أو كُتب، أو الأصح، فُضح!! أساسا وماذا يعني أن تصدر منظمة العفو الدولية تقريرا مدويا عن انتهاكات النظام السوري في سجونه التي تحولت الى قبور الإنسانية، وتحديدا انتهاكات مرعبة بحق 13 ألف سجين، سوريون بغالبيتهم، لبنانيون من بينهم، في معتقل الإنسانية ذاك سجن صيدنايا؟!

حقق بشار الأسد رقمه القياسي ودخل موسوعة “غينيس بوك” الشهيرة من أبوابه المشرّعة على الإجرام. فنون الاسد في تعذيب معتقليه تضاهي أمثلة ضاربة في تاريخ المجازر. تفوّق الرجل الوحش على ذاته وعبر حدود الإنسانية الى نوع جديد من البشرية في القرن الواحد والعشرين، نوع إنسان يلبس ثوب ووجه البشر ويفعل ما تفعله وحوش الغاب حين تصاب بالجوع، ثم يخرج الى الإعلام بوقاحة ويعلن حبه لسوريا وحربه على الإرهاب لأجلها!!

للمرة الأولى بهذا التفصيل المخيف، يكشف تقرير منظمة العفو الدولية، عن بعض مما يجري وجرى في معتقلات النظام السوري بحق المعتقلين، أكثر من 13 ألف سجين، شنقهم في أقل من خمس سنوات في سجن صيدنايا الذي يبعد 300 كيلومتر عن دمشق، ذاك المعتقل الذي يفوق معتقل تدمر فظاعة وهولا “انسوا انو الله موجود، هون ما في الله هيك بيقلكن سيادة الرئيس، شو فهمتو؟” يخبر المعتقل السابق علي أبو الدهن عن رسالة “السيد” الرئيس الى المعتقلين في سجونه.

يتحدث التقرير عن فعل إبادة جماعية منظمة مبرمجة بحسب شهور السنة بحق المعتقلين، لا مكان هناك لما يسمى “بالإنسانية”، هناك أرقام لحيوانات بشرية مسجونة في أقفاص طافت بقذارات ساكنيها، تُعذّب بأبشع وأشنع أنواع التعذيب المنقرضة، وفي النهاية تشنق جماعيا.

“مسلخ بشري: شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا” هكذاعنونت منظمة العفو الدولية تقريرها المروّع، الذي تضمّن شهادات حيّة من 84 شاهدا على تلك الإبادة، من بينهم من عملوا سابقا كحراس، وأيضا من قضاة، إضافة الى شهادات حية من معتقلين سابقين. “كنا نفقد شخصين أو ثلاثة يوميا بجناحنا، وكل يوم يطل الحارس يسألنا عن العدد المتبقي منا بالزنزانة، وذات يوم أعدموا من بيناتنا 13 سجين دفعة واحدة”، يقول سجين سابق.

يذكر التقرير ان  المسؤولين عن سجن صيدنايا كانوا يعمدون أسبوعياً إلى أخذ مجموعة بشرية لا يقل عديدها عن 50 سجيناً، وغالبيتهم من المعارضين للنظام، يعذّبون بشكل لا يوصف ويلزمون على أكل القوارض الحية أو العصافير الميتة، ويعلّقون على البلانكو وتبتر أطرافهم  ثم يشنقون، وذلك في سرية تامة وخصوصا بين عامي 2011 و 2015. والأكثر ترويعا بعد ما ورد في التقرير عن أنّ المشانق لم تكن كافية لتقتل الصغار بسبب أوزانهم الخفيفة، فكان يعمد السجانون إلى شدّهم بقوة للأسفل وكسر رقابهم، وذلك بحسب شهادة جندي معتقل سابق قال إنّهم كانوا يسمعون غرغرة السجناء وهم يعدمون، وهي غرغرة تسبق الموت بلحظات.

من يقرأ التقرير يظن لوهلة انه سيناريو خيالي لفيلم رعب، إذ إن الرعب الممارس داخل أسوار سجون السفّاح تخطى واقع الجريمة، وإرهاب “داعش”، هؤلاء الذين يدّعي النظام أنه يحاربهم في حين تبيّن أنهم  تربية آل الأسد الأوفياء لنهجهم وإبداعم “الإنساني” على مر السنين!

في التقرير أيضا ما فيه الكثير عن مواصفات سجن صيدنايا الذي يتسع لأكثر من 15 ألف سجين، ويخبر عن المجزرة التي ارتكبتها الشرطة العسكرية العام 2008 إثر احتجاج قام به بعض السجناء وراح ضحيته عشرات القتلى في يوم واحد. ويخبر شهود ان قرب سجن صيدنايا أرض فسيحة تحولت الى مقبرة جماعية لآلاف السجناء منذ ما لا يقل عن ثلاثين عاما حتى اليوم، وهناك تحت التراب دفنت حقائق وحشية نظام احتل سوريا وحوّلها الى مقبرة جماعية للمعارضين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين أيضا.

طبعا وعلى أثر صدور تقرير منظمة العفو الدولية، سارع الأسد الى نفي كل ما ورد فيه من حقائق “مزورة” على أساس ان هؤلاء ليسوا إلا مجموعة هواة سينما وكتّاب أفلام رعب ابتدعوا كل تلك الحقائق للترويج لأفلامهم ربما، وبلغته الخشبية البائدة المعهودة أعلن ان “التقرير يضع مصداقية المنظمة موضع الشك ويتضح أنها منظمة مسيسة ولا تملك أي دلائل على ما نشرته بخصوص السجون السورية، وأن الوضع الذي مرت به سوريا جعل العالم يعيش حقبة أخبار مزيفة”!!

نُشر إذن التقرير ودوّت بعض من تلك الحقائق لأصعب الملفات وأكثرها خطورة وتعقيدا، علما أن التقرير يؤكد على وجود بعد الآلاف من السجناء في معتقل الموت ذاك، ومع ذلك لم تتحرك الدولة اللبنانية لتسأل ما اذا كان من بين الضحايا مواطنون لها، شباب اعتقلوا بعمر الورود وذبلت بهم الحياة وصاروا هم المجهول، ألا يجوز أن يكون من بين هؤلاء لبنانيون مثلا؟ أما كان يجب السؤال والتقصي عنهم بأي طريقة وأولها عبر التواصل مع منظمة العفو الدولية؟!

لا تندهي ما في حدا، في ملف المعتقلين في سوريا دائما ما في حدا، يختفي حسّ الدولة، تصمت، ترقد في السبات العميق كمن لا يجرؤ على الكلام حتى همسا كي لا يأكلها البعبع!! أي بعبع بعد أخطر مما جرى مع هؤلاء، أي بعبع بعد أبشع من التعذيب والاحتلال والانتهاك المروع للإنسانية، استيقظي ماما، ألستِ أمنا جميعا؟ استيقظي واسألي لنا عن أهلنا وشبابنا الذين ما عادوا شبابا، صاروا على الأقل في منتصف العمر، في الأفول القريب وأنت نائمة في الخوف، ممَّ الخوف لا أفهم؟ أنت الدولة وليست أي دويلة أخرى هي كذلك، اسالي عن أهلنا، افعلي ولو لمرة المستحيل لتصلي الى خيط رفيع ما، ماتوا؟ نريد رفاتهم  ليدفنوا بكرامة وكما تليق بهم السماوات، أحياء” طالبوا بهم كما تفعل دول العالم حين تبادل الأسرى او ما شابه…!!! هذا كلام سخيف، نتكلم عن سوريا ونظامها، ما ينفي جود أي تعاطي من دولة لدولة، من إنسان لإنسان، علينا ان نتدرّب إذن كيف تتعاطى الدول الكريمة مع الأنظمة المتوحشة وفي العادة يصعب الحوار معها إلا إذا اتقنا بعضا من “لغتها”، ربما ما عاد لنا إلا هذا السلاح لاسترجاع أبنائنا… ربما، وفي انتظار أي تحرّك من الدولة في هذا الملف، نبقى نحن في الانتظار ويبدو انه طويل وطويل جدا…

سجن تدمر درة تاج النظام…

ضهروا يا حيوانات… وتخرج “الحيوانات” من وكر الظلام  مطأطأة الرؤوس منحنية الظهر تحمل غالونات فارغة، يملأونها بالمياه تحت وابل ضربات السجان من جيش الـ الأسد في سجن تدمر، “أرموا المي بالأرض يا حيوانات” وتهرق المياة فوق أرض متسخة “انبطح ولاههه بدك تشرب يا حيوان؟” ينبطح “الحيوان” ويحاول كما رفاقه وبثوان قليلة ان يلعق بعضا من المياه ولا يلحق فتنهال العصي فوق رأسه وجسمه، ويعود المعتقلون الحيوانات الى أوكارهم… مشهد صغير من فيلم “تدمر”، واقعة بسيطة من وقائع كثيرة لا توصف صوّرها الفيلم بأبطال حقيقيين عاشوا كل تلك التفاصيل، والأبطال “الحيوانات” في لغة ذاك النظام الوحشي، هم اللبنانيون القلة المحررون من سجن تدمر الرهيب.

“تدمر” اسم الفيلم الذي فجّر فيه هؤلاء المحررون بعضا مما عاشوه في مقابر الأسد، فيلم حمل توقيع المخرجين مونيكا بورغمان ولقمان سليم، قررت من خلاله  مجموعة من المعتقلين اللبنانيين السابقين كسر أسوار الصمت الذي كبلهم لفترة بعد خروجهم من السجن، فأعاد المخرجان بناء سجن تدمر المفترض، أكثر السجون رعبا في معتقلات الأسد، في مدرسة مهجورة في محي بيروت، وتوزعوا أدوار الضحايا وكذلك الجلادين الذين أهانوهم وعذبوهم وحطموا كبرياءهم وكرامتهم لأعوام طويلة ومن دون رحمة، كما تضمن الفيلم شهادات حية من هؤلاء المحررين.

تدخل الكاميرا السجن المفترض، أصوات أنين المعذبين تترد أصداؤها في المكان، الذي اتقن رسم ديكور بدا واقعيا لأبعد الحدود، ما أضفى حالا من التوتر الشديد في قلب المشاهد، أبواب الحديد الصدأة تعكس حديد الإنسانية التي انتحرت على أبواب تدمر، ديكور مخيف نقل الإحساس من خارج السجن الى داخله، ثم  تبدأ المشاهد التمثيلية المرفقة بشهادات مروعة من لبنانيين أمضوا في تلك الجهنم ما بين تسعة واربعة عشر عاما. أبو الدهن يخبر كيف أرغموه على ابتلاع جرذان وعصافير حية، سيف الدين يروي كيف كفّن بيديه مئات الضحايا ماتوا تعذيبا ولا يعرف متى يأتي دوره، موسى صعب يروي فصول دولاب التعذيب، وآخر وآخر وآخر، في جو متوتر مرعب يروي ذل الإنسانية على يد من سميوا زورا بشرا وهم صورة ومثالا عن أسيادهم القابعين في وحشية النظام في قصر الشعب. في مقدمة الفيلم يصف المخرجان سجن تدمر بأنه “درة تاج” النظام الذي قام على القمع والقهر، وعرض الفيلم في مهرجانات دولية وأحرز جوائز هامة في مهرجان “رؤى الواقع” في مدينة نيون السويسرية، وجائزة أفضل فيلم سياسي من مهرجان “الحرب على الشاشة” في ألمانيا في العام 2016. وسيكمل الفيلم دورته في العالم ليخبر عن أسوأ الأنظمة على الإطلاق في القرن الواحد والعشرين، وعن تقاعس الإنسانية في معاقبة حاكم سوريا، خصوصا بعد خروج منظمة العفو الدولية عن صمتها وفضيحة التقرير المروع عن مجازر سجن صيدنايا… لكل ظالم في هذه الأرض نهاية لا بد ان نؤمن.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل