#adsense

خواطر… مع جبران في رحلته الأخيرة

حجم الخط

خواطر… مع جبران في رحلته الأخيرة

في الرحلة الاخيرة… كنا معا في باريس. وكانت المناسبة حضور حفل تقليد غسان تويني وسام جوقة الشرف الفرنسي من رتبة ضابط عرفانا بمسيرته وخدماته الجلى للعلاقات اللبنانية – الفرنسية. وفي الحفل ليل الجمعة 9 كانون الاول في مقر رئاسة الحكومة الفرنسية في شارع فارين في الدائرة السابعة من باريس، وقف رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دو فيلبان يلقي كلمة جمع فيها ادبا رفيعا بالكثير من العاطفة الشخصية التي تربط الرجلين المحبين للاداب و"الثقافة الانسيكولبيدية". وهناك في الصف الخلفي وقف جبران متابعا بشغف كبير كلمتي والده ودوفيلبان، وحمل في يده آلة تصوير اراد من خلالها ان يسجل تلك اللحظات المؤثرة والتي ما كانت إلا لتزيده فخرا واعتزازا بوالده، ذلك الرجل الكبير الكبير. وطوال الحفل التقط جبران صورا لكل من حوله، وكأني به يتابع مسارا بدأه وهو في سن الثامنة او التاسعة عندما التقط مصادفة صورة لحادث سير مروع على الطريق وهبّ مسرعا الى الجريدة ليعطي الفيلم ولينشر الخبر في اليوم التالي مع الصورة التي التقطها.

يوم الاحد 11 كانون الاول، كانت لنا زيارة لمي شدياق التي كانت طريحة الفراش في المستشفى المتخصص بعلاج ذوي الاصابات الخطرة خارج باريس. وكانت بين جبران ومي مودة وصداقة وتواصل. وتشاء المصادفات ونحن نعود مي مع سهام، ان يجري تسجيل لقطات من الزيارة بعدسة زميل لنا مصور من "ال بي سي" كان هناك بجانب مي. وكانت لحظات مؤثرة فعلا، لأنها آخر مشاهد حية التقطت لجبران تويني قبل استشهاده صبيحة اليوم التالي. ولعل اهم ما في زيارة مي، ان الاخيرة كانت تعاني في تلك الايام احباطا شديدا بسبب الآلام المبرحة التي سببتها الجراحات المتتالية التي خضعت لها طوال الشهرين الفاصلين بين محاولة اغتيالها واغتيال جبران. وإنْ انس لا انسى ولا اظن مي تنسى كيف رفع جبران معنوياتها، وشد من همتها، وشجعها، وغمرها عاطفة وحنانا، وهي في ذروة الألم. لقد كان الحس الانساني والعاطفي في شخصية جبران مجهولا لدى الكثيرين، اما نحن فكنا نعرفه وندرك ان عاطفته تجاه محيطه العائلي او في دائرة الاصدقاء كانت تتفجر في الشدائد، وكان الرجل الحاد في مواقفه السياسية يتحول كتلة حنان والى حضن يتسع لاحزان محبيه واشجانهم.
لن اسرد الساعات الاخيرة في حياته، ولكني اتوقف قليلا عند نظرة جبران في المرحلة التي سقط فيها، ولم يقل فيها الكثير.

كان جبران في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان منخرطا في معركة الاستقلال والسيادة ركنا اساسيا من اركان ثورة الارز، وكان يعرف انه على رأس لائحة الاهداف للتصفية الجسدية. ولم تساوره لحظة شك في هوية الجهة الفاعلة. وكان مقتنعا بوجود رابط بين اول محاولة اغتيال في الاول من تشرين الاول 2004 التي استهدفت مروان حماده، واغتيال الرئيس رفيق الحريري وصولا الى آخر محاولة قبل استشهاده اي محاولة اغتيال مي شدياق في 25 تشرين ايلول 2005. وفي تلك الفترة كانت المعلومات الواردة من مصادر عربية واوروبية تشير الى ان الحكم في سوريا بدا يفقد توازنه بسبب الضغط الدولي والعربي الذي تعرض له في اعقاب اغتيال الرئيس الحريري واشتعال ثورة الارز في لبنان. في هذا المجال كان جبران تويني انضم الى المؤمنين، أسوة بزميله سمير قصير الذي سبقه الى الشهادة، بأن الديموقراطية لن تزهر حقيقة في لبنان ما لم تزهر في سوريا، وبأن ربيع بيروت لن يكون ما لم يكن ربيع العرب. في هذا الشأن انتقل جبران من موقف اللامبالي بما يحصل وراء الحدود، الى موقف الناظر بتمعن والمتابع بدقة بالغة لمآل التحولات التغييرية التي كانت تلوح في الاجواء السورية.

هذا لم يكن يعني ان جبران تويني ايد التدخل في الشأن السوري الداخلي. ولكنه ادرك ان لبنان لن يكون في مأمن من اطماع الجار المتعب ما لم يحصل تغيير جوهري في الذهنية السائدة على مستوى الحكم. وقد دلت التطورات اللاحقة ان شيئا لم يتغير الى اليوم، ولن يتغير. ولعل ابلغ الدلائل الاستنابات القضائية السورية التي يحاول حكام دمشق من خلالها فرض خريطة سياسية جديدة في البلاد، وذلك على مسافة ايام من زيارة رئيس الحكومة نجل رفيق الحريري. ومن المفيد ان يدرك هؤلاء الحكام ان الزيارة لن تلغي يقيناً بهوية الجهة التي ارتكبت هذا الكم من الجرائم السياسية في حق اركان الثورة الاستقلالية في لبنان.

سقط جسد جبران تويني على درب الاستقلال، كما سقطت قبله وبعده اجساد استقلاليين كبار. واليوم يحاولون اغتيالات من صنف آخر: الاغتيال السياسي والمعنوي. فحذار يا ابناء ثورة الارز ان تتراخوا، وحذار يا قادة ثورة الارز في اي موقع صرتم ان تديروا ظهوركم، او ان تدفنوا رؤوسكم في الرمال.

المصدر:
النهار

خبر عاجل