انتقادات حلفاء دمشق لزيارة سليمان عنوان الرسالة
لبنان مجدداً ساحة الحسابات السورية حيال واشنطن
اذا صح ان رئيس الحكومة سعد الحريري يزور العاصمة السورية مطلع الاسبوع المقبل، وعلى الارجح الاثنين، اي في اليوم نفسه لاستقبال الرئيس الاميركي باراك اوباما نظيره اللبناني ميشال سليمان، او حتى لو تمت الزيارتان الرسميتان اللبنانيتان لدمشق وواشنطن في وقت متقارب، فان الامر ينطوي في رمزيته على ما ينبغي ان يكون عليه لبنان من حيث الامساك بالعصا من وسطها وفق مصادر سياسية معنية، مع انه ثمة انزعاج من ان يكون للبنان هذا الطابع المتوازن والرغبة في تحول ارجحيته السياسية كليا نحو الارتماء في حضن سوريا مجددا وفق ما يوحي كثر في المرحلة الحالية. وهناك حلفاء لسوريا ممن دأبوا اخيرا على مهاجمة الرئيس سليمان وانتقاد زيارته لواشنطن وفق ما قالوا به علنا وفي المجالس الخاصة، يأملون ان تطغى الزيارة المرتقبة للحريري سياسيا واعلاميا من حيث رمزيتها الكبيرة بالنسبة الى دمشق، على زيارة واشنطن، وان تفرغها من مضمونها المحلي على الاقل والعملاني في المديين القريب والبعيد نسبيا.
فالعاصمة السورية في ظل إحباطها من تباطؤ الانفتاح الاميركي عليها وعدم إرسال سفير أميركي جديد اليها حتى الآن، وفق ما تكشف مصادر ديبلوماسية رفيعة في بيروت قالت ان الرئيس السوري تحدث عن ذلك امام نظراء له. وسعت دمشق الى توجيه رسائل الى واشنطن اولا عبر مهاجمة حلفائها الرئيس سليمان وانتقاده علنا لاسباب عدة في مقدمها الزيارة لواشنطن، علما ان دمشق مستعجلة لاعادة العلاقات مع العاصمة الاميركية، ثم عبر تحديد مواعيد لمسؤولين لبنانيين لزيارتها كزيارة العماد ميشال عون والزيارات المرتقبة لرئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، وقبل الجميع الرئيس سليمان، من أجل ان تقول للعاصمة الاميركية انه فيما تضع واشنطن لبنان بندا اول في جدول اعمالها مع سوريا لجهة مطالبة الاخيرة بترسيم الحدود ونزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات واحترام سيادة لبنان واستقلاله، فان المسؤولين اللبنانيين باتوا يتعجلون زيارة دمشق وهم لا يفاتحونها في هذه المسائل بل يتجاوزون حتى الاصول الديبلوماسية عبر سفارتي البلدين، والتي كانت شرطا من شروط واشنطن. وتاليا لا داعي لاهتمام واشنطن المبالغ فيه احيانا، رغم تراجعه الى حد كبير عما كان في الاعوام الاخيرة، أقله في وجه سوريا. ثم ان زيارات السياسيين اللبنانيين توحي أن صدقية هؤلاء تسقط ازاء الغرب اذا كانت هذه الزيارات ترمي مجددا الى السعي للاحتكام الى سوريا في الخلافات الداخلية.
ويقول زوار لدمشق اخيرا انه يسوء سوريا جدا ان يزور سليمان واشنطن في حين انها لم تحقق بعد الشيء الكثير في تجدد علاقاتها مع العاصمة الاميركية، وتطمح الى أن تستعيد موقع المرجعية بالنيابة عن لبنان في اي حوار لها مع الولايات المتحدة، وهذا الاستياء ذريعته وفق ما فهم ان الولايات المتحدة بعيدة وهناك مشاكل اكثر اهمية في المحيط المباشر تتطلب المعالجة. وهي تستقوي بما بات يعتبره حلفاؤها في لبنان أرجحية في الميزان الاقليمي لمصلحتها نتيجة اعتبارات متعددة، تحاول أن تكسب بالنقاط وعلى الارض ايضا.
ودمشق كانت دوما تستخدم الساحة اللبنانية لمخاطبة الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة، وتحاول العودة الى الاسلوب نفسه، وقد اعطى النظام السوري اخيرا، بالنسبة الى عارفيه عن كثب وزواره، نماذج عدة تشير الى انه لم يتغير اطلاقا وان غيّر بعض اساليبه في التعامل مع متطلبات الدول الغربية من اجل فك العزلة الدولية عنه او سياسته الخارجية من دون طريقته في تعاطي الامور. وقد كانت الاستنابات القضائية جزءا من هذا الاسلوب الذي يتجدد. ومع ان دمشق تدرك جيدا ان انتقاداتها عبر حلفائها لن تمنع زيارة سليمان لواشنطن لانها ربما تزيد امكان التباعد بدلا من تقليصه، فهي تحاول فرض منع التوازن السياسي الذي يجريه لبنان ومحاولة فرض احادية مرجعيتها او اولويتها كما كان الامر في السابق. وهذا الامر برز في ادائها لدى انتخاب لبنان عضوا غير دائم في مجلس الامن، ولم تخف ان الرئيس بشار الاسد بحث مع الرئيس سليمان ابان زيارته المفاجئة له قبل شهر تماما، في عضوية لبنان في المجلس على نحو فاجأ كثراً، باعتبار ان هذه النقطة كانت نافرة في سياق الكلام الرسمي المعتاد الذي لا يكشف شيئا.
وينبغي الاقرار بأن الانتقادات التي وجهت الى رئيس الجمهورية أخيرا قد اربكته وفق ما تقول مصادر معنية. لكن ذلك يجب ألا يدفعه الى اقفال الابواب التي كانت فتحت امام لبنان على الصعيد الدولي او الاقليمي. ففي ذلك مخاطرة سيتحمل شخصيا مسؤوليتها التاريخية أكانت زيارة واشنطن مثمرة في نتائجها المباشرة او الفورية أم غير مثمرة، علما انه يعتقد ان إثارة المواضيع التقليدية التي لا جدوى من اثارتها مع الادارة الاميركية تجعل نتائجها عقيمة. ومن المهم ابقاء تواصل لبنان مع كل دول العالم خصوصا الدول المؤثرة، فلا يقفل ابوابها، في حين يسعى آخرون، بل يستميتون في محاولة فتح هذه الابواب امامهم، اكانت اميركية ام غير اميركية. فحملة الانتقادات، الى جانب الزيارات اللبنانية لدمشق وتوظيفها سياسيا، ترمي الى اعادة لبنان الى ما قبل عام 2005 بكل المعايير. ويتوقع ان تتكرر المحاولات المماثلة عند كل مناسبة تشي بممارسة لبنان لعبة سياسية مستقلة بمعزل عن دمشق وخارج إطارها.