#adsense

يا دولة الرئيس: هذه مخاوفنا…

حجم الخط

 يا دولة الرئيس: هذه مخاوفنا…

يا دولة الرئيس؛ أن تنال حكومتك ثقة المجلس النيابي وبأكثرية غير مسبوقة فهذا أمر توفرت له معطيات واتفاقات سياسية، وقبل ثقة المجلس نلت ثقة ساحقة من الشعب اللبناني حصدها الشعار الذي خضت تحته الانتخابات ثم أصبح اسماً لكتلتك "لبنان أولاً"؛ وهذا ما يريده الشعب اللبناني لا أكثر ولا أقل؛ ولأننا نثق بك وبصدق هذا العنوان وبصدق خوضك "أقذار مستنقعات شياطين السياسية" من أجل لبنان أولاً، ومن أجل شعب لبنان، ولثقتنا بأنك ابن أبيك، وأنك مؤتمن على خطه وإرثه السياسي، ومؤتمن على دماء شهادته ورفاقه، وعلى قافلة شهداء لبنان من أجل حريته واستقلاله وسيادته، هذه مخاوفنا، بصدق وأمانة، هذا ما نقوله بين بعضنا البعض وبين أنفسنا، هذا ما نتخوّف منه على لبنان ومسيرة السنوات الأربع الماضية التي دفع فيها لبنان خيرة شبابه شهداء وقرابين من أجل استقلال لم يكتمل بعد..

وأوّل مخاوفنا: أننا نسمع اليوم كلاماً مريباً يقول لنا وبثقة شديدة "طيّ صفحة السنوات الأربع الماضية" ويترك هذا الكلام الكثير من علامات الاستفهام في عقولنا ووجداننا… يحتاج هذا الكلام إلى توضيح فثمة ألسنة خبيثة تقول هذا الكلام وهي تعني به العودة بالزمن إلى ما قبل 14 شباط 2005، ولأننا ائتمناك على "لبنان أولاً" وعلى "دماء الشهداء"، يحتاج اللبنانيون إلى إجابة واضحة على كلام خبيث كثير يُثار ليقول لهم بصيغة مهذبة:"أقفل ملفّ الشهادات والدماء وملف السيادة والاستقلال" ويعود الحال إلى ما كان عليه سياسياً في هذه المرحلة وبعدها نرى سُبل العودات الأخرى.. ونقول لهم : لن نسمح ولو قيد أنملة بعودة الزمن إلى الوراء…

وثاني مخاوفنا: والصراحة والذهاب مباشرة إلى قول ما نريد قوله بوضوح هو أقصر الطرق؛ نحن نريد أفضل العلاقات مع الدولة السوريّة وأوثقها وأقواها انطلاقاً من كوننا دولتين مستقلتيْن عربيتين جارتين وبيننا جوار جغرافي نريده "جيرة رضا" لا "جيرة جور" وبيننا تاريخ مشترك ووشائج إنسانية ولنا فيهم ولهم فينا نسباً وصهراً ورحماً وخؤولة وعمومة، ولكن: هل تريد سورية ذلك؟ وهل الذين يستقوون في الداخل اللبناني على اللبنانيين بسورية يريدون ذلك؟

نريدك أن تتأمل معنا على الأقل في أحداث الأيام القليلة الماضية: ترويج وتحديد لمواعيد الزيارة، قبل نيل الحكومة الثقة.. استنابات قضائية في توقيت مثول الحكومة أمام المجلس لنيل الثقة.. زيارة مفاجئة لميشال عون إلى سورية ردّاً على زيارة رئيس لبنان العماد ميشال سليمان إلى الولايات المتحدة الأميركية، مع هجوم غير مسبوق وفظّ ووقح من صحيفة.

وفيما تسعى سورية جاهدة لاستعادة السفير الأميركي إلى أرضها وتحسين علاقتها بأميركا، وبعدما هلل وطبّل وزُمّر لأوباما الآتي زاحفاً تائباً، ها هي صحيفة لبنانية تتهم رئيس جمهورية لبنان بشتى التهم وبأنه يقف "على حافة الهاوية" وبأن المحيطين به مصابون بـ"عمى الألوان"، وتوجّه له إهانات تسبق زيارته الأميركيّة، وتوحي للبنانيين بأنه استجدى الموعد مع جملة تقول:"من يريد الجلوس مع رئيس أميركا يجب أن يكون لديه ما يقوله، أو أن يستمع للائحة مطالب أميركيّة"، بل وتهز له عصا تهديد التوافق والانحياز، وتروج لتعليمات سوريّة على شكل نصائح قيلت له ولم يفهمها وبأنه لم يتعلم من تجربة الرئيسين الراحل الياس الهراوي والسيئ الذكر إميل لحود، فإذا كانت العلاقة بين الدولتين ستظل تجري على هذا المنوال، فخوفنا الكبير أن يكون ما ينتظرك أسوأ بكثير من ذلك، وإذا كان استدعاء عون "نكاية" برئيس الجمهورية ومحاولة قول له أن الممثل الرسمي للمسيحيين ليس أنت بل "حصان طراودة العجوز"، فإنهم لن يترددوا في اختراع منافس لك ومن أدنى المراتب والمستويات ويدّعون له تمثيل السُنّة في لبنان!!

وثالث مخاوفنا: "فتّش عن المحكمة" يا دولة الرئيس، هذه التي يظنّ كثيرون أنهم مازال بمقدورهم تشكيك اللبنانيين بها أو بالقرار الظنّي الذي سيصدر عنها، والتي "هاجت خبريّة استدعاء سياسيين لبنانيين وصحافيين وقضاة ومدّعين عامّين" – هكذا فجأة – ليمثلوا أمام قضاء يحقّ له فقط محاكمة مواطنيه أو مواطنين من دول أخرى ارتكبوا جرائم على أرضه، لا أن يستدعي قضاة دولة أخرى للتحقيق معهم، وكلّ هذه الهمروجة، ألم يلفتكم أنها تزامنت مع زيارة مدّعي عام المحكمة الدولية دانيال بلمار لأيام إلى بيروت فدبّ الذعر مجدداً بسبب تفاؤل بلمار المعلن!! من جديد إنها المحكمة، وما زال اللبنانيون بانتظارها، وخوفنا الثالث هو من "تضييع دماء الشهداء"… كلّ الذين سقطوا استشهدوا عن لبنان، ودماؤهم أمانة في أعناق الشعب اللبناني لا في عنق السياسة والسياسيين…

ورابع مخاوفنا: أن همومنا يا دولة الرئيس تتجاوز موضوع الماء والكهرباء والبيئة والهاتف والعيش الكريم، نحن شعبٌ حيّ تجاوز حرباً طيلة عشرين عاماً واخترع وتكيّف وحلّ مشكلاته بقدراته الشخصيّة وفي غياب الدولة، خوفنا الأساسي والكبير، من سلاح بيد فريق يدين بالولاء لدولة أخرى لا للبنان وقد تقرر الدولة "وليّة الأمر" أن تخوض حرباً مجنونة ضد المنطقة، خوفنا الحقيقي أن نُساق رغم إرادتنا لنكون دروعاً بشريّة تدافع عن مشروع إيران النووي، ما يريده اللبنانيون قبل لقمة العيش أن يقال لهم وبصراحة:لن يُزجّ بكم وبلبنان في حروب من أجل الآخرين…

وخامس مخاوفنا يا دولة الرئيس لا آخرها؛ أن تتكرر تجربة تعطيل الحكومة وشلّها تحت عنوان التوافق، لأن المثل الشعبي يقول:"من جرّب الجرّب كان عقلو مخرّب" ومرّة تلو المرة تعيدون تجريب المجرّب وتصلون إلى نفس النتيجة….

دولة الرئيس: بعد نيلك ثقة المجلس، وثقتنا قبله، أنت مؤتمن أمامنا على: "دماء الشهداء" و"المحكمة الدولية" وعلى "أن لا تتنازل مهما كانت الضغوطات ولك في أبيك قدوة ومثلاً" وأن يكون لبنان أولاً مسيرة حكومتك الأولى، وأن تثق أن شعب لبنان العظيم الذي هبّ يوم 14 شباط وتوحّد لجلالة استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وهبّ يوم 14 آذار ليصرخ في وجه من رفع الصوت لتخويفه في 8 آذار فنادى بأعلى صوته:"حريّة سيادة استقلال"، أن تثق أن هذا الشعب ما زال كما هو بنفس العزيمة والإرادة وأنه معك وخلفك وأنه سندك الأول والأخير بعد الله ورسوله وجميع أنبيائه وقديسيه وأوليائه، وكل الصالحين من اللبنانيين، لبنان العيش المشترك معك يؤازرك ويدعمك ويدفع عنك..

وثق أن ما يقولون عنه اليوم 8 و14 ليس انقساماً مستجداً، لطالما كان قائماً وقديماً منذ فضّل البعض مصلحة منظمة التحرير الفلسطينية على لبنان، ومصلحة سورية على لبنان، ومصلحة إسرائيل على لبنان، والآن هناك من يفضّل ـ مكرراً التجربة ـ مصلحة إيران على لبنان، لأنه لم يتعلم من تجربة كل الطوائف التي سبقته، وكلّهم ذهبوا، وسيذهبون، وسيبقى لبنان، ومن لا يصدّق عليه أن يتأمل جيداً في صخور حفظت لنا تواريخ مجيء الغزاة الذين دخلوا واستقروا ثم رحلوا.. وبقي لبنان… هذه مخاوفنا، يا دولة الرئيس…أما ثباتنا وتمسكنا بلبنان السيد الحر المستقل، وفاء للبنان ووفاء لدماء شهدائه، واليوم الذكرى الثانية لسقوط عملاق منهم خاض معركة حماية لبنان من تلطيخ اسمه ووجهه بالإرهاب وداعميه، عسى ولعلّ…

مخاوفنا أمانة بين يديك، وسيادة لبنان واستقلاله ودماء شهدائه أمانة نطوّق بها عنقك، تحديداً في ذكرى استشهاد اللواء فرانسوا الحاج، وجبران تويني، ومخاوفنا لا تعني أننا "خائفون" أبداً فجدار الخوف حررتنا منه دماء رفيق الحريري فحطمناه، نحن فقط متخوفون لأن الشعب اللبناني له باع طويل وهو خبير في تكرار المشاهد المملة من السيناريوهات الرديئة لرواية يتوارث أبطالها نفس الأدوار ولا يملّوا من الفشل الذريع في تمثيل أدوارهم الرديئة…

المصدر:
الشرق

خبر عاجل