
تظهر إسرائيل تخوفها من وجود “حزب الله” في سوريا، كذلك الحرس الثوري الإيراني، وتنبري روسيا لطمأنتها بأنّ هؤلاء المسلحين سينسحبون فور الانتهاء من الحرب هناك، كذلك تضمن روسيا لإسرائيل بألا تتعرّض لأيّ اعتداء عبر الأراضي السوريّة من قبل “حزب الله” أو الحرس الثوري. في المقابل لم يتردّد سلاح الجوّ الإسرائيلي لحظة في ضرب القوافل التي تنقل السلاح الخطير من سوريا إلى مغاور السلسلة الشرقيّة في لبنان بعد رصدها من راداراته. فهل هذا التناغم بالمواقف يخفي تحالفات سرّيّة لضمان أمن المنطقة وضبط إيقاعها للإستفادة من ثرواتها؟ أو قد تكون لخدمة مخطّطٍ ما يتقاطع مع مخطّطات الأسد والرّوس والإيرانيّين؟
كذلك “حزب الله”، فهو على لسان أمينه العام ما فتئ يُطلق التهديدات بضرب مفاعل ديمونة وخزانات الأمونيوم في حيفا. فهل إسرائيل ما زالت تحتفظ بهذه الترسانة في كلّ من ديمونة وحيفا؟ من يضمن أنّها لم تُنهِ صناعة قنابلها النّوويّة وهي تحتفظ بها في مخازن بعيدًا من مرمى سلاح الحزب؟ واليوم صدر أمر قضائيّ بإخلاء هذه الخزّانات ليؤكّد المؤكّد. قد تصبح الضربة لمفاعلات اسرائيل هولوكست جديدة تقبض عليها دولارات الغرب طوال المئة عام القادمة، بينما ينشغل لبنان بإعادة إعمار تعيده إلى زمن الحروب وزمن الـ ” لو كنت أعلم”.
وفي الجهة الأخرى من هذه المشهديّة، إيران تدفع بـ”حزب الله” للردّ على تصريحات ترامب الأخيرة فينعته بـ”الأحمق”، ويستعيد هجومه، الذي لم يوقفه أصلاً، على المملكة العربيّة السعوديّة. وإيران ما زالت تسعى جاهدة لنسب التطرّف والإرهاب الى السنّة في حين أنّ ممارسات إيران وميليشياتها وجيش بشار، هي الأفظع بحق الشعب السوري ولا سيِما الأطفال منهم. هذا من دون إغفال الذين عادوا من جهنّم في سجن تدمر وغيره من المعتقلات السوريّة. وما الخسارة التي منيت بها ميليشيات إيران في اليمن إلا حافزًا آخرًا للضغط على الجبهة السوريّة. أو حتى لدفع الحزب إلى إعادة فتح جبهة الجنوب من جديد.
لكن لا “حزب الله” يملك الجرأة على تكرار مغامرة الـ ٢٠٠٦، ولا إسرائيل متفرّغة لجبهة الشمال لإنشغالها بتفريغ حدودها الدّاخليّة من غير اليهود وبناء المستوطنات لهم فقط بغرض الوصول في المدى البعيد إلى دولة قومية لهم.
أمّا “حزب الله” فمنهمك بفكّ ارتباطات الرئيس القوي في لبنان لإضعافه ليتمكّن من إعادة إحكام قبضته على كلّ قرارات الدولة.
لكن للتاريخ، يُشهدُ لرئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون رفضه توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وتلويحه بالفراغ، وهذا ما سيدفع الحزب الى التّخلّي عن تعنّته وتمسّكه بالنسبيّة المطلقة الا في حال كان هذا الأخير غير راغب بالعودة إلى لبنان من جديد.
فالإنتخابات حاصلة وعلى أساس قانون انتخابيّ جديد، قد يكون المختلط أو أحد أشكاله، لكن ليس الستين، وحتمًا ليس أحد أشكاله. وما تراجع النّائب جنبلاط عن تأييده للستّين وتقديمه مشروعًا مختلطًا جديدًا إلا تأكيدًا على صحّة خيارات “القوّات اللبنانيّة”.
ويبقى هدف “حزب الله” غير المعلن، تقويض الرئيس القوي وتطويقه من خلال الوصول إلى مجلس نيابيّ جديد لا يملك فيه أكثريّة، أو قد يكون الهدف عمليّة انتحار له على حساب الدولة والوطن بعدما أيقن أنّ فخامته، لئن صرّح بحاجة الجيش إلى سلاح المقاومة، قد حزم موقفه الذي لن يقبل النقاش به، الدولة وحدها تملك شرعية السلاح والدفاع عن الوطن، فإمّا أن ينضوي الكلّ تحت لوائها، وإمّا أن يصبحوا بحكم الفصائل المتمرّدة مهما أطلقوا على أنفسهم من تسميات. فهل سينقلب الحزب على من ادّعى التحالف معه ورشّحه وما انتخبه؟ وهل عمل الحزب في سوريا وعلى جبهة الجنوب هو تحت مظلّة تقاطع المصالح والمخطّطات الإسرائيليّة – الإيرانيّة والسّوريّة للمنطقة؟