.jpg)
أكد البطريرك الماروني الكردينال مار بشاره بطرس الراعي، أن لبنان أوجد بالميثاق الوطني عام 1943 شكلا تطبيقيا للمواطنة المنبثقة من العروبة، وهو العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين، الذي جددت أسسه وثيقة الوفاق الوطني الصادرة عن اتفاق الطائف (1989) ونظمه الدستور المعدل على ضوئها بحيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات، ويتشاركون مناصفة في الحكم والإدارة، حتى نصت مقدمته على أن “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك””.
وخلال كلمة له في مؤتمر الأزهر ومجلس حكماء المسلمين الذي عقد في القاهرة بعنوان “الحرية والمواطنة… التنوع والتكامل”، اضاف الراعي: “العيش المشترك هو لب التجربة اللبنانية التي “تحل الوطنية السياسية محل الوطنية الدينية”. وفي شرعة العمل السياسي أكدت كنيستنا أنه: “بفضل الميثاق الوطني القائم على حرية الأفراد والجماعات والمساواة في ما بينهم وإرادة العيش معا بين المسيحيين والمسلمين، يتميز نظام لبنان بأنه متوسط بين النظام التيوقراطي الذي يجمع بين الدين والدولة والنظام العلماني الذي يفصل تماما بينهما”.
واكد “ان التجربة اللبنانية للعيش المشترك تسهم في إغناء الحضارة الإنسانية، في حقبة من التاريخ تشهد مخاضا صعباً. نحن نعتبر أن التجربة اللبنانية، في صيغتها المتجددة والمنقاة من سلبياتها المعروفة “بالطائفيات السياسية”، التي تقدم الخاص على العام، تشكل نموذجا يمكن الإفادة منه في العالم العربي، كنمط حضاري للعيش معا والترقي في مجتمعات تتميز بالتنوع والتكامل؛ وتشكل أيضا مدخلا لإعادة تعريف العروبة بوصفها رابطة حضارية تقرب بين العرب، لا مشروعا سياسيا يباعد في ما بينهم، وتمكنهم من الإسهام في الحضارة العالمية. “إن العالم العربي يبحث حاليا عن ذاته، وعن صيغة لوجوده، وعن موقع له في عالم اليوم، يستطيع من خلاله أن يكون عنصرا إيجابيا في صنع الحضارة الإنسانية والمساهمة في تثبيت دعائم الإستقرار والسلام، إنطلاقا من أصالة هويته وفرادة تراثه. نحن نأمل أن يتبنى هذا المؤتمر التجربة اللبنانية كإحدى ثماره”.
واشار الى التراجع في مبدأ العروبة والأمل باستعادته، وقال: “لا أحد منا إلا ويرى اليوم تراجعا خطيرا في مبدأ العروبة، إذ نشهد في بعض من دولنا العربية مظاهر إقصاء أو محو أو طمس لحق أحد مكوناتها بالوجود والمشاركة الفاعلة. فالتطرف السائد اليوم دفع بالدين والعروبة إلى اتخاذ شكل إتني أو جيوسياسي تنتفي معه التعددية والمشاركة والتعايش، وتتوطد الأحادية. وهذا هو الخطر الأكبر على العالم العربي. فنرى مجموعات تتنكر لعروبة غيرها، وترفض مواطنيتهم. فلا بد من تجديد مفهوم العروبة، بإدخالها في صلب التكوين الدستوري للدول العربية، من دون خوف من التنوع كأساس للتكامل”.
وقال: “لكي تكتمل هذه الجهود وتحقق نتائجها المرجوة، ينبغي أن تصبح عملا مشتركا على مستوى المرجعيات المدنية والدينية. إننا نرى دور المرجعيات الدينية وعملها المشترك على صعيدين: الأول، خطاب ديني يتمسك بالقيم والأسس الدينية الواضحة التي تتعلق بالاعتراف بالآخر، وبعلاقة الجماعات بعضها ببعض، وبحقها في الحرية وخصوصا الحرية الدينية، خطاب يعلي شأن الإنسان على كل اعتبارات أخرى؛ والثاني إعطاء هذا الخطاب شكل شرعة إسلامية – مسيحية تعلن مبادئ صريحة وواضحة في مسائل الحرية والمواطنة والتنوع والتكامل. هكذا يسهم الدين في مواجهة التعصب والتطرف والإرهاب، ويكون في الوقت عينه رافعة مجتمعية، لأن خطابا دينيا على مستوى المؤسسة الخاصة بكل دين، وشرعة مشتركة، إنما يرفعان الغطاء عن أي فرد أو جهة تتلحف بالدين، أو تتستر به، أو تستغله مادة مشتعلة بهدف الإرهاب أو التطرف أو التعصب، وفي الوقت عينه يسهلان قيام مواطنة حقة في إطار دولة ترعى الحقوق وتحقق المشاركة. هذا الأمر يحفز الدولة على حفظ السلم والأمن في مجتمعاتها، فلا هي تشعر بأنها متروكة لقدرها أمام مجموعات تتخفى وراء الدين وتحرجها، ولا تستطيع هي بدورها أن تستثمر الفوضى الحاصلة في الدين. هكذا تحفظ استقلالية كل من الدين والدولة، وفي الوقت عينه تنكشف مساحات العمل المشترك بينهما، فيظهر أن الدين لا يشكل عائقا، بل يكون عاملا مساعدا ومؤسسا لانطلاقة المجتمع”.