#adsense

نحن هنا ــ ماذا بقي من 14 آذار وهل تعود يوما؟

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1601

لم تنجح 14 آذار بالخروج من موقع رد الفعل إلى الفعل السياسي، ولكنها نجحت على أكمل وجه في دورها من مربع رد الفعل، حيث أخرجت الجيش السوري من لبنان، ومنعت “حزب الله” من إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الخروج السوري، وحافظت على التوازن بين الدولة والدويلة، وقامت بربط نزاع حقيقي مع الحزب.

وهذا الدور ليس بالقليل إطلاقا، لأنه لولا الممانعة القوية التي أظهرتها 14 آذار لكان لبنان يرزح اليوم تحت الهيمنة الإيرانية، وبالتالي لا يجوز التقليل من الدور الوطني لهذا المكون الذي استهدف بالاغتيال السياسي واستخدام السلاح والتلويح بالحرب الأهلية.

وقد لا يكون الوقت مناسبا للكلام عن الأسباب التي حالت دون انتقال 14 آذار إلى الفعل السياسي واستطرادا عدم تمكنها من تطوير بنيتها الإدارية على رغم ميل البعض إلى تعميم المسؤولية إما تهربا من قول الحقيقة وإما لغايات مصلحية، ولكن ما يهمنا اليوم تجاوز هذه الإشكالية من أجل التأكيد ان 14 آذار أنجزت مهمتها وما بقي منها وسيستمر يتمثل بالآتي:

أولا، بدلت 14 آذار في العلاقة بين اللبنانيين والنظرة إلى بعضهم البعض، هذه النظرة التي تطلبت 15 سنة على انتهاء الحرب، فيما كان يفترض، لولا الاحتلال السوري، ان تتحقق المصالحة في العام 1990 لا 2005. فـ14 آذار أزالت الخوف من الآخر وقربت المسافات وطوت صفحة الماضي وفتحت صفحات نحو المستقبل.

ثانيا، أظهرت 14 آذار ان الشعب اللبناني ليس شعوبا، وانه قادر، وقت اللزوم، ان يثور وينتفض دفاعا عن كرامته ونمط عيشه وقيمه ومثله العليا، كما أظهرت ان حبه للحياة أقوى من كل محتل وطاغية ومجرم.

ثالثا، بيّنت 14 آذار ان نجاح اي فكرة او قضية تستدعي لبننتها، اي نقلها من الهاجس المحق، ولكن الفئوي، إلى الهاجس العام، اي الوطني، وبالتالي المعبر لتحقيق اي مطلب إخراجه من الخاص إلى العام.

رابعا، بقي من 14 آذار وسيبقى ذكرى جميلة وصورة معبرة وما بينهما فكرة او رسالة فحواها ان العيش المشترك يشكل قيمة لبنان وفرادته، ولكن العيش المشترك ليس شعارا نرفعه لإظهار “وطنيتنا” و”عدم طائفيتنا”، إنما مساواة حقيقية في الشراكة والقرار والمصير، ومحاولة البعض تجاهل هذه القاعدة يشكل مساهمة عن غير قصد بضرب كل فكرة العيش المشترك.

فإذا كانت السيادة ليست مسألة نظرية بل فعلية، وهي كذلك، لأنه إما تكون الدولة ممسكة بالقرار الاستراتيجي او لا تكون، فإن العيش المشترك إما يكون فعليا او لا يكون، لأن المقصود ليس عيشا اجتماعيا بل عيشا سياسيا-اجتماعيا بانتظار تطوير نظامنا السياسي وفقا لاتفاق الطائف وإنشاء المجلسين، وأما محاولة البعض القفز فوق الواقع السياسي، ولو عن حسن نية، فتؤدي إلى تعميق الخلل في العيش المشترك، لا العكس.

وإذا كان الاستقرار يشكل مطلبا للجميع، فهذا الاستقرار المنشود لا يمكن تحقيقه سوى على قاعدة المساواة بين اللبنانيين ورفع الظلم وتطبيق الدستور والالتزام بالقوانين المرعية.

ويبقى من أهم إنجازات 14 آذار وحدة المواقف المسيحية-الإسلامية التي قادت إلى إخراج الجيش السوري من لبنان، ووقفت في مواجهة سلاح “حزب الله”، وأكدت على خيار الدولة كخيار أوحد لنجاح الفكرة اللبنانية وقيام لبنان.

ويبقى السؤال: هل تعود 14 آذار يوما؟ لا شك ان الظروف السياسية التي قادت إلى ولادة 14 آذار واستمرارها لم تتبدل، ما يجعل ولادتها المتجددة بأشكال مختلفة ممكنة في أي لحظة، لان كل العوامل التي أنتجتها ما زالت قائمة، ولكنها اليوم بحكم المجمدة إراديا بفعل تجميد الخصم هجومه عليها وعلى البلد، وبفعل التطورات التي استجدت مع انتخاب الرئيس ميشال عون وانتقال الحالة العونية إلى المنطقة الوسطية، ولكن في اللحظة التي يعاود فيها الخصم الاستراتيجي هجومه تعود 14 آذار إلى مربع رد الفعل دفاعا عن لبنان ومشروع الدولة، ولا بأس، في الوقت الضائع بانتظار التسوية الإقليمية واستطرادا المحلية، من الاستثمار في الاستقرار القائم لتحصين مشروع الدولة.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل