
صعود نجم "القوات اللبنانيّة"
كتب نادر فوز في صحيفة "الأخبار": يشعر القواتيون اليوم بأنهم باتوا يُحرزون تقدّماً واضحاً على صعيد توجّهات الشارع في «الشرقية». وهم كانوا قد عجزوا عن تحقيق أي مكتسبات شعبية يضيفونها إلى رصيد الجمهور المسيحي، حتى خلال فترة العزّ، أيام الحرب الأهلية. فمنذ انطلاق الوجه السياسي لهذا التنظيم العسكري، لم يبرع القواتيون في عملية استقطاب الأنصار، فارتكز المدّ القواتي على أبناء الشمال، وجرد الشمال خصوصاً. أما اليوم، فدخلت القوات الجامعات، الرسمية والخاصة، واخترقت الطبقات الاجتماعية، بعدما كانت الأكثرية الساحقة من جمهورها تنتمي إلى الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، في الأحياء الشعبية للشرقية كعين الرمانة وكرم الزيتون والنبعة.
تستفيد قيادة القوات اللبنانية من الأجواء السياسية الحالية لتمدّد فروعها في مناطق وجودها. فهي اليوم من الأطراف السياسية المعترضة على صيغة الحكم، ولو أنها مشاركة في السلطة. تثير الاحتجاجات السياسية التي يقوم بها النواب والمسؤولون القواتيون، الجمهور في «الشرقية»، فيصوّب القواتيون على مجموعة من الملفات: سلاح حزب الله، ندّية العلاقة مع سوريا، العودة إلى عنوان الخطر الفلسطيني والخوف من المثالثة في الحكم، وهي عناوين تشدّ عصب المسيحيين. فيطرح القواتيون أنفسهم بديلاً سياسياً جدياً ليس مستعداً للتنازل عن أي حق أو مطلب، قديم أو مستجدّ، مستفيدين من بعض الخطوات الانفتاحية التي يقوم بها عدد من الخصوم السياسيين.
وتثبت جملة المواقف الأخيرة لرئيس الهيئة التنفيذية، الأداء القواتي. فقد استبعد أمس إمكان زيارة سوريا لتقديم واجب العزاء لوفاة شقيق الرئيس السوري. واتّهم السوريين بالاستمرار في «الهروب إلى الأمام من خلال توتير الأجواء»، رغم بعض الجهود السعودية لتطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا. فأشار إلى الاستنابات القضائية السورية، وهي «استنابات سياسية بامتياز، لأنه لا فصل بين السلطات في سوريا، والسلطة الحقيقية الفعلية هي السلطة السياسية». وفي الحديث عن زيارة الرئيس سعد الحريري لسوريا، قال: «بزيارته لدمشق، يتجاوز الحريري مشاعره الخاصة ووجعه ووجع أوساطه وشارعه».
يحاول القواتيون تسويق فكرة أنّ المعادلة السياسية بين معراب والرابية قد تبدّلت. يرون أنّ الجمهور اتّخذ خياراته السياسية مع انطلاق مفاعيل اتّفاق الطائف، يوم دخلت القوات اللبنانية الحكم، فيما استمرّ العماد ميشال عون خارجه معترضاً على المعادلة السياسية. فارتفعت أسهم عون بين المسيحيين، وتدنّت نسبة تأييد القوات، لتعود وترتفع وتتجمّد بعد دخول قائدها، سمير جعجع، دهاليز وزارة الدفاع.
من هذا الوصف ينطلق القواتيون، للإشارة إلى أنّ المعادلة اليوم باتت معكوسة: أي إنّ العماد عون مشارك أساسي في السلطة ومساعد لحالة الغموض السياسي الذي يعيشه اللبنانيون. أما القوات، وإن شاركت في السلطة، فلا تزال تحافظ على مبدئية مواقفها ومستعدّة للتحفّظ على أي ملف أو موضوع يخرج عن إطار هذه الثوابت الراسخة في عقول مسؤوليها وجمهورها.
قد تكون هذه المعادلة الجديدة صائبة أو خاطئة، لكن لا بد من الإشارة إلى أنّ عصب الثبات السياسي للقواتيين اليوم هو عملية توزيع الأدوار السياسية الحاصلة بين القوات وحلفائها. في هذ الإطار يرفض مسؤولون قواتيون اعتبار أنّ أداءهم اليوم هو «الوجه الثاني للرئيس سعد الحريري»، فيشيرون إلى أنّ الواقع الأكثري اليوم بات يشبه «حلقة متكاملة، إذ إنّ للقوات هامشاً من التحرّك ليس موجوداً عند الحريري، والعكس صحيح».
وتثبت جلسات الثقة صوابية هذا الاعتبار القواتي، إذ إنّ أكثريّة النواب الأكثريين سجّلوا تحفظات على الفقرة السادسة المتعلّقة بسلاح المقاومة. كذلك، فإنّ ما يقارب نصفهم أبدوا اعتراضاً على النمط التوافقي في الحكم.
يكسب القواتيون المزيد من المؤيّدين، مهما كانت الأسباب والمنطلقات. ومن شأن الملفات والقضايا التي ستُطرح في المرحلة المقبلة أن توضح الموقف القواتي: فإما هم يحافظون على ثوابتهم، أو هم مجرّد قناع للرئيس الحريري المكبّل بالهدوء الإقليمي والتوافق الداخلي.