
كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1605
لم تكن معركة زحلة في 2 نيسان 1981 الأولى التي تخوضها “القوات اللبنانية”. قبلها كانت معارك وبعدها كانت معارك. ولم تكن تلك المعركة هي الأولى التي تخوضها زحلة. أهمية تلك المعركة أنها غيّرت في المعادلات الإستراتيجية داخل لبنان ووضعت “القوات اللبنانية” بقيادة بشير الجميل في رأس القوى المؤثرة في السياسة اللبنانية. وهي أيضا لم تكن معركة زحلة وحدها ولا معركة “القوات اللبنانية” وحدها بل المعركة التي توحد فيها المسيحيون عسكريا وسياسيا من أجل تثبيت وجودهم داخل المعادلة اللبنانية. وربما هذا ما يحصل اليوم من خلال التفاهم بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، ذلك أن معركة تثبيت الحضور المسيحي لا تقل أهمية عن تلك المعركة وهي مسألة نضال مستمر عبر الزمن وعبر التاريخ وإن كانت تتمثل اليوم في موضوع قانون الإنتخاب.
أهمية معركة زحلة أنها كانت المعركة الأولى بهذا الحجم وبهذه الخلفيات التي خاضتها “القوات اللبنانية” بعد توحيد البندقية وصعود نجم بشير الجميل على طريق المواجهة نحو معركة رئاسة الجمهورية.
بكلمات قليلة حشد قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل كل ما يلزم من أجل تأمين صمود زحلة تحت راية “القوات اللبنانية”. ولولا صمود أهالي زحلة في المعركة لما كان بالإمكان صناعة ذلك الإنتصار الذي جعل المدينة وأهلها و”القوات اللبنانية” أمثولة في الصمود الذي تحقق في مواجهة الجيش السوري الذي دك المدينة بكل أنواع الأسلحة محاولا كسر إرادتها وتدميرها إذا لم يكن باستطاعته احتلالها.
قبل زحلة خاضت “القوات اللبنانية” بأحزابها معارك حرب السنتين من عين الرمانة إلى الأسواق التجارية وتل الزعتر. وفي العام 1978 خاضت شبه موحدة أيضا معارك حرب المئة يوم في الأشرفية وعين الرمانة والحدت والحازمية وفرن الشباك. في تلك الحرب برز بشير الجميل قائدا عسكريا كبيرا وكميل شمعون قائدا سياسيا في مواجهة جيش النظام السوري بقيادة حافظ الأسد، وبرز أكثر دور “الجبهة اللبنانية” كهيئة سياسية تمثل الوجدان المسيحي التاريخي والمقاومة المسيحية.
بعد حرب المئة يوم وقبل حرب زحلة كانت معارك قنات معمودية الدم التي خاضتها “القوات اللبنانية” في شباط 1980 أيضا في مواجهة جيش النظام السوري ولكنها بقيت محدودة في الزمان والمكان وإن كانت ثبتت “القوات اللبنانية” تنظيما عسكريا يحمل وجدان القضية المسيحية في لبنان.
في أواخر العام 1980 كانت زحلة على موعد مع تجربة واختبار أراده النظام السوري لقياس مدى جاهزية المدينة للدفاع عن نفسها. كان هذا الإستحقاق بدأ يصير كأسا لا بد منه وكانت “القوات اللبنانية” سارت على طريق التوحيد الكامل العسكري والسياسي بعد أحداث 7 تموز. برز بشير الجميل قائدا عسكريا يحمل مشروعا سياسيا تحت راية “القوات اللبنانية” وبرز كميل شمعون رئيسا للجبهة اللبنانية حاملا مشروعا سياسيا تشكل “القوات اللبنانية” القوة الرئيسية الدافعة له.
لم تقع زحلة في تجربة المعركة المحدودة في نهاية العام 1980. ولم تكن “القوات اللبنانية” في وارد أن تتعرض زحلة لما كانت تعرضت له الدامور والقبيات والقاع ودير الأحمر وغيرها من البلدات المسيحية التي عانت من الحصار والتهجير في حرب السنتين، ولذلك كان قرار الصمود في زحلة وخوض المعركة في حال أراد النظام السوري أن يكسر شوكة “القوات اللبنانية” ومدينة زحلة. ومن هنا كانت البداية من خلال خطة ممنهجة لتحويل زحلة إلى مدينة مقاومة وإرسال وحدات من “القوات اللبنانية” إليها لتدريب شبابها المندفعين لأنه من دون ذلك لا يتحقق هدف الصمود. وبدأت أيضا عمليات تدريب خارج زحلة عبر طريق الجرد.
في التوقيت الإستراتيجي كانت معركة زحلة تسبق موعد استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية في مرحلة ما بعد الرئيس الياس سركيس. لم يكن واردا على الإطلاق لدى “القوات اللبنانية” أن تعرّض زحلة للخطر. كان يهمها أن تبقى المدينة بأمان وأن تبقى حرة وأن تكون هي القوة التي تحافظ على صمود المدينة وهي كانت تدرك أن المعركة العسكرية صعبة في ظل عدم التوازن العسكري مع جيش النظام السوري القادر على فرض الحصار عليها، وبالتالي كانت تعرف مسبقا أن الدفاع عن زحلة سيكون مكلفا. ولكن عندما فرض الجيش السوري المعركة لم يعد بالإمكان إلا المواجهة.
بدلت معركة زحلة الموازين العسكرية والسياسية في لبنان والمنطقة أيضا. عندما استخدم جيش النظام السوري سلاح الطوافات تخطى اتفاقات الخطوط الحمر التي رعت دخوله إلى لبنان وهذا ما جعل إسرائيل ترد وتتدخل. وعندما أدخلت سوريا صواريخ سام 6 إلى لبنان تبدلت المعطيات العالمية واتجهت أنظار العالم إلى زحلة وأرسل الرئيس الأميركي رونالد ريغن مبعوثه الخاص السفير فيليب حبيب إلى لبنان من أجل منع حصول صدام واسع بين سوريا وإسرائيل.
على الأرض وحدت معركة زحلة المسيحيين عسكريا وسياسيا. ومن أجل زحلة تحقق التضامن العالمي معها ومع لبنان ومع “القوات اللبنانية” وبات من الضروري وضع حد لهذه الحرب. كل أهالي زحلة كانوا في المعركة من الذين صمدوا في الملاجئ تحت القصف والحصار وخطر الموت إلى الذين حملوا السلاح على مختلف الجبهات دفاعا عن المدينة. إلى الرهبان والراهبات الذين اعتصموا على طريق القصر الجمهوري في بعبدا، إلى المقاتلين الذي عبروا جرود صنين وتوجهوا إلى المدينة للدفاع عنها. تلك كانت صورة “القوات اللبنانية” ومدينة زحلة والمسيحيين في تلك المعركة التي حولت زحلة إلى رمز.
بين 2 نيسان و30 حزيران 1981 عاشت زحلة قصة صمود رائع في ما يمكن تسميته أيضا حرب المئة يوم الثانية بعد حرب المئة يوم الأولى في الأشرفية.
في المجلس الحربي في الكرنتينا كان بشير الجميل ينتظر عودة المقاتلين من زحلة بعدما نفذوا المهمة. من أجل أن تنطلق بعدها المعركة نحو رئاسة الجمهورية. قبل معركة زحلة كانت طريق واشنطن مقفلة في وجه بشير الجميل و”القوات”. بعد هذه المعركة صارت واشنطن تعتمد بشير الجميل مفاوضا في لبنان وبات فيليب حبيب حريصا على لقائه والتشاور معه ليصبح بعد الإجتياح الإسرائيلي في العام 1982 المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية وطريق الخلاص الوحيد لاستعادة الجمهورية التي ضاعت في حروب الشوارع والخلافات. كان بشير الجميل الرئيس قادرا على أن يجمع أشلاء تلك الجمهورية وقد أثبت ذلك في خلال الأيام التي فصلت بين انتخابه وبين استشهاده.
بعد 36 عاما على حرب زحلة يخوض المسيحيون اليوم مواجهة من نوع آخر. ثمة تفاهم تحقق بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” أيده أكثر من 90 في المئة من المسيحيين. هذا التفاهم ساهم في فتح الطريق أمام العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا وأمام عودة الرئيس سعد الحريري إلى السراي. وهذا التفاهم يواجه اليوم مسألة الوصول إلى قانون انتخابات يؤمن التمثيل الصحيح لكل المكوّنات اللبنانية، وخصوصا المسيحيين الذين كانت القوانين الإنتخابية السابقة تأتي على حسابهم. وكما ثبتت معركة زحلة المسيحيين في داخل المعادلة الداخلية فإن التوصل إلى قانون انتخاب جديد هو الذي يكمل الحضور المسيحي في الدولة ويثبتهم أيضا داخل المعادلة. ومن هنا أهمية تفاهم “القوات” و”التيار” وثباتهما في التمسك بالقانون الذي يضمن صحة هذا التمثيل حتى لا يسقط التوازن بشكل كامل بحيث يكون هذا التفاهم جسر العبور إلى الدولة القوية كما كانت معركة زحلة جسر العبور إلى الصمود في مواجهة جيش النظام السوري بعدما تحطمت على ذلك الجسر دبابات ذلك النظام.








الصور خاص أرشيف “المسيرة” (حقوق النشر محفوظة)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]