
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1605
2 نيسان 1981. الساعة كانت تقارب الحادية عشرة إلا ربعاً. وفتحت أبواب الجحيم على زحلة. راجمات جيش الإحتلال السوري تطحن البشر والحجر. التلامذة في المدارس خرجوا من صفوفهم. الأهالي في الشوارع يركضون يصرخون بهلع بخوف… كل يفتش عن ولده، عن ضنا قلبه الذي أرسله صباحاً إلى المدرسة إيماناً منه بأن عقارب الزمن لم ولن تتوقف على رغم كل الممارسات والمناوشات التي سبقت ساعة الصفر الجحيم. لكن جشع جيش الاحتلال السوري كان يمسك بتلك العقارب ولم يدرك بدوره أنه في المكان والزمان اللذين لا تنطحن فيهما كرامة الزحلاويين وصمود شبابها.
3 أشهر وزحلة مرقد الأسود تحت وابل القذائف والراجمات والمدفعية السورية التي كانت تدك فوق رؤوس الأهالي لتطحن عزتهم وتجبرهم على الرحيل ومغادرة أرضهم تحت شعار: “أمن البقاع من أمن دمشق”. لكن في المقابل كان مقاتلو “القوات اللبنانية” الذين قدموا من بيروت لمساندة شباب زحلة وتوزعوا على الجبهات بعدما كانوا انشأوا غرفة عمليات خاصة لإدارة المعركة. معركة زحلة التي بدأت تتظهر ملامحها بين عيد الميلاد 1980 وأول نيسان 1981. كانت المهمة صعبة لكن ليست مستحيلة.
من كانوا هناك شهدوا. وفي رواياتهم المجبولة بالعنفوان والوجع خلاصة واحد: أشهد أننا إنتصرنا عليكم وهزمناكم… وبقيت زحلة مرتع المقاومة الحرة”.
في سجلات الذاكرة لا يزال الشريط يكرج في كل 2 نيسان. وفي كل بيت زحلاوي تزنرت جدرانه وزواياه بصور شهداء لا تزال مشاهد الحصار والجوع والموت الذي تحول الى تعويذة صلاة يومية خلال أشهر الحصار والمعارك التي استفزت الرأي العام الدولي قبل أن تكتب نهاية الحصار في 30 حزيران 1981.
أن تسأل زحلاوياً اليوم عن تلك الأيام السوداء يبادرك بالقول: “كانت معركة قاسية. جهنم ومفتوحة، 15 قذيفة بالدقيقة والجريح مشروع شهيد والشهيد مدفون تحت التلج في انتظار يوم الإنتصار المكلل بالكرامة. بس زحلة بقيت مدينة العز والكرامة بفضل صمود أهلها وشباب المقاومة اللي ما كل زحلاوي بيشهد إنو لولا البطولات اللي سطروا بوج المحتل السوري كانت سقطت زحلة ومعا الهوية اللبنانية لأنو المخطط كان أكبر من طحن البشر والحجر بزحلة. كان المطلوب تحويلها لممر خصوصاً إنو البقاع كان يشكل الخاصرة الرخوة للنظام السوري”.
كيف بدأت حرب زحلة؟ ماذا كانت تريد سوريا من المدينة؟ كيف بدأت “القوات اللبنانية” تدرب المقاتلين وترسلهم إليها؟ وكيف أرسلت الوحدات المركزية؟
في زاوية “سجل الشرف” في مجلة المسيرة (العدد 1431) كتب نعمة الله القاعي الذي شارك في معركة زحلة وكان يتولى مهمات عسكرية: “كانت طريق صنين الجبلية الوعرة هي الوحيدة المفتوحة. ولكن على رغم كل الصعاب كان لا بد من الوصول لمساعدة أهل زحلة في الدفاع عن أنفسهم. بين عيد الميلاد 1980 وأول نيسان 1981 كانت مرحلة الاستعدادات السورية تكتمل. لكن في اليوم الأول من المعركة دفع السوريون الثمن. أنشأت “القوات اللبنانية” غرفة عمليات خاصة لإدارة معركة زحلة. كانت المهمة صعبة، لكنها لم تكن مستحيلة وإن استمرت المعركة طويلاً لتقلب بعض المعادلات في الشرق الأوسط بعدما حاول السوريون تجاوز الخطوط الحمراء واستخدام سلاح الطيران لاحتلال التلال. ماذا حصل في الأيام الأولى من الحرب؟ هنا بعض الرواية.
بعد تحرير المنطقة الشرقية من الوجود الفلسطيني وحلفائه ومن الجيش السوري فيما بعد، إثر حرب المئة يوم، بات من الضروري فتح المناطق المسيحية على بعضها في شكل يؤمّن التواصل الطبيعي بين أبنائها كزحلة والقبيات وبشري والبترون وغيرها من المناطق التي كانت لا تزال ترزح تحت نير الاحتلال السوري. من هنا جاءت فكرة إنشاء “مكتب المناطق المحتلة” ضمن هيكلية المجلس الحربي، وأوكلت مهام تأسيس هذا المكتب الى الرفيق جو إده الذي كان قائدًا للمغاوير في ذلك الوقت. كانت النية من هذا العمل تدريب مجموعات قتالية وخلايا مقاومة مزروعة في قراها ومناطقها لشن حرب عصابات على القوات السورية المتواجدة في تلك المناطق. أما نحن كمكتب تدريب فكانت مهمتنا تأمين أفضل التدريب لهم….
بدأنا نُعدّ التدريبات والدورات الخاصة لشباب زحلة، فتابع قسم منهم دورة كومندوس في ثكنة أدونيس لوحدات الدفاع وقد أشرفت على تدريبهم الشعبة الثالثة المركزية. وكانت هناك مجموعة نديم الشدياق التي جمعت عددًا كبيرًا من الشباب المتحمسين للقضية في جوار زحلة، بينما تم تدريب الشابات في مخيم خاص للنظاميات أنشأته جوسلين خويري، حيث تدربت شاباتنا على القتال الفردي والسلاح الفردي والمتوسط ودورات إشارة وطوبوغرافيا، وأصبحن جاهزات للقتال جنبًا الى جنب مع رجال المقاومة المسيحية. بعد ذلك تم تدريب مجموعة “أبو حلقة” على القتال والتحضير لعمليات قتالية داخل زحلة.في هذا الوقت كان السوريون يُعدّون العدّة لافتعال مشاكل مع “الكتائب” في زحلة بهدف خلق حجة للدخول إليها. وفي فترة عيد الميلاد من العام 1980 أدخلوا الى المدينة مجموعة مسلحة تابعة لـ الياس الحنش المسؤول السابق في “نمور الأحرار” بعد فراره من عين الرمانة الى المناطق الغربية، وقد تمركزت هذه المجموعة في مركز لحزب “الوطنيين الأحرار”. انكشفت المحاولة السورية وتعاطى أبناء زحلة مع هؤلاء كجسم غريب وعميل للمخابرات السورية…
مضت 4 أشهر من العام 1981 والكل يتحضّر من الجهتين لحرب شاملة. السوريون يحضّرون للدخول الى المدينة و”القوات” تحضر للدفاع عنها. في خلال هذا الوقت لم تنقطع الاتصالات بين المجلس الحربي وزحلة. فقد قام بطرس خوند المفوّض العام للقوى النظامية الكتائبية يرافقه فؤاد أبو ناضر رئيس الشعبة الثالثة في المجلس الحربي بزيارة الى زحلة لتفعيل عمل المقاومة والاضطلاع عن كثب على سير التحضيرات. وفي أواخر شهر آذار تم تبديل القيادة في زحلة، فتسلم جو إده القيادة فيها بدلاً من جوزف الياس الذي عاد الى بيروت. بسرعة قام إده ومعه فريق عمل من ضباط المغاوير باتخاذ تدابير جديدة للدفاع عن المدينة. فتوزع المغاوير على المناطق الزحلية لتقديم النصح والعمل جنبًا الى جنب مع المسؤولين الميدانيين المحليين. أما السوريون المتواجدون عند مدخل المدينة فكانوا بحجم سرية من سرايا الدفاع موزعة على 3 بنايات: بناية الرهبان، وبناية معلوف وبناية غُرّة عند مدخل المدينة الصناعية، إضافة الى انتشارهم حول تلال زحلة ما عدا خط الشير الأحمر ـ عرنطة ـ قاع الريم. أما قواتنا فكانت تسيطر على مرتفعات الجرد من الغرفة الفرنسية مرورًا بقواميع العبد وصولاً الى الشير الأحمر التي شكلت نقطة الانطلاق في اتجاه زحلة.
صبيحة 1 نيسان 1981 بدأت قوة من الجيش السوري ومعها جرافة تتقدم في اتجاه تلة حرقات لتحسين مواقعها القتالية، فقامت مجموعة من عناصرنا بقيادة الرفيق جوزف اسطفان بقصف الجرافة وتدميرها. وكان هذا الأمر كافيًا ليشعل السوريون الحرب، فقامت مجموعة من المدينة الصناعية بقيادة جان أوهانيان “Cobra” بتطويق القوة السورية على منطقة الجسر بينما قامت مجموعات أخرى بتطويقها من المعلقة وحوش الأمراء. سارع السوريون بإرسال دعم قوامه 4 دبابات نوع T55 وملالات نوع B.R.DM من الكرك في اتجاه الجسر لمساندة سرايا الدفاع فقام Cobra بإطلاق قذيفة B2 على دبابة المقدمة وأعطبها، بينما استهدفت الدبابات التي كانت خلفها بقذائف B7 من المعلقة والمدينة الصناعية على السواء حيث تم تدمير القوة السورية بكاملها وسقطت واحدة تحت الطريق وبقي محركها يعمل حتى فرغ خزانها من الوقود. منظر رهيب وانتصار عظيم لقواتنا. جثث الجنود السوريين خارجة من طاقات الدبابات المشتعلة. صرخات النصر بدأت تُسمع في الفضاء مع زخّات الرصاص. لقد حوصرت الدبابات بين نيران المعلقة ونيران المدينة الصناعية من جهة سكة الحديد. ودار قتال شرس بين مشاتنا ومدرعات العدو ما لبث أن أصبح اشتباكا بين مشاتنا ووحدات المغاوير والوحدات الخاصة السورية التي تقدمت في المعلقة باتجاه الدبابات المحترقة في محاولة لسحبها، فتصدت لها مجموعاتنا القتالية في زواريب المعلقة. سليمان الحاج موسى وحبيب نمّور ومجموعتاهما وجورج القزي مع جان أوهانيان والشباب المردينيين من المدينة الصناعية. واللافت كانت تلك الحادثة التي رواها لي سليمان الحويك أحد عناصر المغاوير المشاركين حين التقى وجهًا لوجه مع فصيلة سورية متقدمة قرب الدبابات حيث فوجئ الضابط السوري بخروج سليمان الحويك من أحد الشوارع ولم يستطع الاثنان رفع رشاشيهما على بعضهما لالتصاقهما، فأطلق السوري النار في الأرض وأصاب سليمان الحويك في رجله، فسارع سليمان الى الإمساك بالضابط السوري وسقطا معًا في حفرة للمجارير. بقي سليمان يتعارك مع الضابط السوري حتى قضى عليه، وعندما حاول أحد العناصر إنقاذ الضابط أطلقت عليه مجموعة المغاوير النار فسقط بدوره. نهض سليمان وهرول نحو رفاقه وهو يعرج من الإصابة.
بعد هذه الحادثة قام السوريون بنشر وحدات خاصة عند خزانات المعلقة ودبابات في تلة الحمّار وقرب تمثال السيدة العذراء وبدأوا القصف على الأحياء السكنية لحثّ السكان الى الاستسلام، بينما قامت دباباتهم بقصف بناية العبسي على مشارف مدخل زحلة وكانت تحوي في ملجأها عددًا من الأطفال والشيوخ والنساء والرجال بقصد تخويف السكان ودفعهم الى الاستسلام. ولكن الإرادة كانت قوية والصمود كبيرًا، قُصفت أعمدة البناية الواحد تلو الآخر حتى انهارت على ساكنيها واستشهد قسم منهم وجرح آخرون. كانت كارثة وجريمة حرب بشعة قامت بها القوات السورية، إذ لم يكن من موجب لقصف هذا البناء، خصوصًا أنه لم يكن مركزًا عسكريًا، ولم يكن يشكل أي تهديد للقوات السورية، مما يؤكد أن النية كانت فقط النيل من عزيمة المدنيين…
بيار صقر: قلّنا بشير الجميل أو بتفللوا او بتبقوا وبتموتوا أبطال
لم يكن بيار صقر المولود في زحلة المعلقة عام 1960 يخطط لمسار حياته العسكرية قبل اندلاع معركة زحلة هو الذي كان يتخصص في مجال إدارة الأعمال في جامعة اليسوعية في زحلة. في تموز 1980 لبى بيار إبن رينيه صقر الذي كان يرأس إقليم كتائب زحلة النداء والتحق بـ”القوات اللبنانية” وخضع لدورة تدريب قبل أن يتم فصله إلى سلاح الإشارة وأكمل دوراته التدريبية: “كل الأجواء كانت توحي وكأن المعركة واقعة. فالسوريون كانوا يقيمون تحصيناتهم ويتقدمون بها إلى تخوم المنازل عدا عن عمليات الإغتيال التي طالت عددا من المسؤولين في حزب الكتائب. ففي أيلول عام 1980 اغتيل المسؤول عن القوى النظامية في حزب الكتائب في البقاع جورج سعادة في غرفة المحولات الكهربائية في مستشفى تل شيحا حيث كان يعمل في قسم الصيانة وفي تشرين الثاني اغتيل مسؤول القوى النظامية في زحلة فوزي خزاقة على طريق كسارة أثناء عودته من قريته جديتا. ويروي بيار: “قبل بليلة كان فوزي سهران عنا بالبيت وقللو بيي لازم تخفف من تنقلاتك لأنو في مشروع لاغتيالنا كلنا. جاوبو: “بوكرا راح يكون آخر مشوار. راح روح ع الضيعة صفي أشعالي وإرجع… وكان فعلا آخر مشوار للشهيد فوزي”.
تسلم بيار المحور الشمالي الذي كان يضم جبهة حرقات حيث كانت تتمركز هناك قوات جيش الإحتلال السوري وجبهة تلة جحا التي كان يتمركز فيها مقاتلو “القوات اللبنانية” وتلة الحمار – المعلقة حيث دارت أشرس المعارك وكان بيار مسؤولا عن الإشارة في غرفة العمليات. ويروي بيار ساعات المعركة الأولى: “بعدني بتذكر تفاصيلا وبحس حالي راح إختنق. كان في جرافة سورية عم تتقدم على حي البربارة وتم قصفا بقذيفة صاروخية وانفجر الوضع”.
لا يخفي بيار الصراع مع الوقت الذي كان يدور في أرض المعركة لا سيما بعد سقوط الجرد مما اضطر شباب القوات إلى سلوك طريق عيون السيمان للوصول إلى زحلة مرورا بالشير الأحمر وعرنطا وصولا إلى وادي العرايش . ومع سقوط الغرفة الفرنسية التي كانت تشكل نقطة استراتيجية (بعلو 2540 عن سطح البحر) بعد عملية إنزال نفذها السوريون بواسطة طائرات الهيليكوبتر تغير مسار المعركة. وما قبل 15 نيسان لم يعد كما قبله خصوصا مع اشتداد الحصار على زحلة. “يومها أطلق الشيخ بشير نداءه الشهير. قلّنا: أنا ما راح قرر عنكن. أو بتفللوا من زحلة أو بتبقوا وبتموتوا أبطال”.
كثيرة هي الروايات التي تكتب عن معركة زحلة والأكثر من ذلك التفاصيل الموجعة والمحطات التي عاشها المقاتلون والأهالي الذين كانوا يسرقون لحظات وقف إطلاق النار للخروج وتأمين ما توافر من المواد الغذائية والماء. لكن تبقى محطات وجع مغمسة بالبطولة محفورة في الذاكرة لتصير حكاية وعبرة للأولاد والأحفاد: “ما بنسى كيف استشهد سليمان صوايا الملقب بـ”شلومو”. كان آمر مجموعة .وصل على موقع قلعة عرنطا المشرفة على جرد زحلة. وبلش القصف ع المجموعة. استشهد شلومو وبسبب كثافة النيران ما قدرو الشباب يسحبو الجثة. وبقيت مطمورة بالثلج على كعب صخرة. بعد 3 أشهر طلعت فرقة من عناصر قوى الأمن الداخلي مع ضابط سوري من الوحدات الخاصة وسحبو جثة شلومو بس ما كانت مشوهة لأنا كانت مطمورة بالثلج”.
المواجهات في شوارع زحلة كانت الأشد عنفا وقساوة: “كانت المعارك تدور من شارع لشارع وأحيانا يصير في التحام خصوصا في المعلقة لأنو كان هدف المحتل السوري يفك الطوق ويخترق المحور تا يوصل على الجسر عند مدخل زحلة ويفك الحصار عن سرية القوات الخاصة التابعة لجيش الإحتلال السوري المتمركزة ببنايات غرة ومعلوف والرهبان”. وهل تمكن من فك الطوق واختراق الجبهة؟ يجيب بيار: “طويلة ع رقبتو”.
عند سقوط تلة جحا المشرفة على حي الميدان كان بيار في غرفة العمليات في مقر قيادة المحور الشمالي. “كان الهجوم عنيفا وسقطت التلة في ايدي السوريين مما أدى إلى حصول بلبلة بين الأهالي لا سيما وانها تقع على مسافة أمتار معدودة من المنازل ويومها صدرت أوامر بضرورة توجه كل رجل لا يتجاوز عمره ال60 سنة إلى الجبهة للمشاركة في حفر خنادق جديدة وتشييد المتاريس وأذكر أن قائد المحور الملقب ب”تيتو” توجه شخصيا وشارك في العملية. وبفضل مساندة مدفعية جبهة عيون السيمان خفت حدة الهجوم لكن المساندة كانت خطيرة جدا لأن المدفعية كانت من نوع 155 وعند سقوط كل قذيفة كانت الحجارة تتساقط علينا لأن مواقع السوريين كانت متاخمة ولا تبعد أكثر من 100 متر”.
30 حزيران 1981 تم إخلاء شباب “القوات اللبنانية” من زحلة. بيار صقر بقي في أرضه في عرينه. كان المشهد موجعا. اليوم وبعد 36 عاما يتذكر بيار”كل جريح كان يسقط كان مشروع شهيد. لقد قصفت المستشفيات وأماكن الصليب الأحمر. وبات متعذرًا نقل الجرحى في النهار. كانت تجري عمليات بتر ساق أو يد أو تقطيب جرح من دون بنج في المستشفى الميداني في بناية خوري. أذكر حادثة مهمة في هذا السياق حيث قامت مدفعية المدرعات السورية المتمركزة بجوار تمثال العذراء في صبيحة أحد الأيام بقصف تلة جحا حيث كان شبابنا متمركزين فأصيب عدد منهم بجروح ولكن لم يستطع أحد الوصول إليهم وكانت استغاثاتهم تصلنا عبر الأجهزة اللاسلكية وكانت الطرقات المؤدية الى مركزهم عرضة للقنص والقصف المباشر بالدبابات. كان بقربي شاب من المنطقة صديق للشباب المصابين. قال لي: سأذهب في سيارتي لإنقاذهم.
أخذ السيارة وقادها على الطرقات بين القذائف والقنص، وعندما وصل الى المركز بدأ بإخلاء الجرحى أولاً ونقلهم بالطريقة نفسها الى المستشفى الميداني ثم عاد مرة أخرى وأخلى الباقين من دون أن تلحق به أية إصابة. أخبرني بعد عودته بأن القذائف كانت تسقط أمامه أو خلفه من دون أن يُصاب بشظية. لقد رسم إشارة الصليب على وجهه ونظر الى السيدة العذراء التي كانت تبسط يديها فوق تلة شيحا وطلب منها مساعدته لإنقاذ رفاقه. عجيبة أخرى من عجائب تلك المعركة. كان الله معنا ومع قضيتنا. ويختم بيار: “أشهد أن معركة زحلة حولت كل المسيحيين إلى مقاومين”.
عن يوم الوداع كتب نعمة الله القاعي:
“كنا نودع أيامًا قضيناها هناك بكل فخر واعتزاز ونترك في المدينة ذكريات كتبناها مع أبناء زحلة ونحن نعرف أن التاريخ سيظل يذكر تلك المعركة التي ستحفر عميقاً في سيرة مجتمعنا المقاوم. كان يعز علينا الرحيل. ولكن كان لا بد من بداية جديدة. بدأنا الاستعداد للرحيل فتجمعنا باكرًا في باحة حوش الأمراء. وصل مطران الموارنة جورج اسكندر ومطران الروم الكاثوليك لوداعنا. وقدمت لنا ثلة من شباب زحلة التحية بالسلاح وقمت بتوديعهم فردًا فردًا، ثم ودعنا المطارنة والقادة المحليين. كانت لحظات مؤثرة امتزجت فيها مشاعر الفرح والحزن والمحبة والوفاء. في هذا الوقت وصل النائب الهراوي ومعه كتيبة من الدرك في ملالاتهم ترافقهم حافلات مخصّصة لنقلنا. قبل ذلك كنا قد أفرغنا ذخيرتنا الفردية من المماشط وتركناها في المخزن في زحلة وأبقينا مع جوزف الياس مجموعة من وحدات أدونيس لتساعده في مهامه.
صعدنا الى الحافلات وبدأنا الخروج من زحلة. صحيح أننا كنا نغادر المدينة ولكن عددًا من رفاقنا الذين استشهدوا بقوا هناك. لقد أدوا المهمة بكل أمانة وإيمان وصنعوا ملحمة الخلود.
مختار زحلة الميدان سمير سعادة: كنا نقعد مع الموتى ايام وندفنن بالليل
عندما بدأت المناوشات في زحلة كان إبن الميدان في الولايات المتحدة في زيارة لأحد أشقائه هناك. في الأول من نيسان وصل إلى زحلة. كان يشعر بأن انفجارا ما سيحصل. مع ذلك لم يندم بأنه عاد إلى وطنه إلى أرضه مربى الأسود”كنت مبسوط إني راح كون مع اهلي وناسي بعز إيام المحنة والضيقة”. 2 نيسان كان سمير سعادة عائدا من زيارة الطبيب . كانت الساعة تقارب الحادية عشرة إلا ربعا فجأة بدأ يسمع صوت قصف عنيف مصدره راجمات الدبابات السورية المرابضة على التلال. “وانفتحت بواب جهنم”. لا ينسى سمير مشهد التلاميذ الذين كانوا يركضون على الطرقات وعويل الأمهات اللواتي كن يبحثن عن أولادهن لاحتضانهن “كانت لحظات هلع وجنون”. أما طلاب مدرسة الإنجيلية الداخلية فعجز اهاليهم عن الوصول إليهم في الساعات الأولى على اندلاع المعركة فما كان من مدير المدرسة إلا ان اتخذ قرارا بنقلهم إلى ملجأ إحدى البنايات المتاخمة للمدرسة. “بقيوا 12 يوم بالملجأ قبل ما يقدروا أهالين يوصلوا لعندن. بس بال12 يوم كانت أبواب جهنم مفتوحة. القصف كان عم ينزل ع البيوت متل الشتي”.
يروي سمير سعادة او المختار سمير كما يرغب البعض في تسميته معاناة الأهالي “كنا ننطر ساعات الليلي تا نطلع من البيوت تا نتفقد بيوتنا او تا نجيب رغيف خبز. اطفال كتير أصيبوا بأمراض وجاعوا لأنو الحليب كان مقطوع وكانوا السيدات يعجنوا الخبز إذا توفر الطحين وأصحاب المحلات فتحوا بوابن للناس ومنن كانوا يقدمو الأكل والمواد الغذائية مجانا إيفاء لنذورات. وبس يمرض حدا او ينصاب كنا ننقلو بالليل ع مستشفى خوري واحيانا كان الجريح يموت ع الطريق لأنو كان يكون نزف طيلة النهار بالملجأ. حتى موتانا كنا نخلين إيام معنا وننطر ساعات الليل تا نروح على المقبرة الجماعية حد دير مار الياس الطوق…
وحده القناص الذي كان مرابضا عند تمثال سيدة العذراء لا يزال ينخر في عظام المختار سمير سعادة: “كان يصطاد الناس متل العصافير وما يسمح للمسعفين أو الأهالي بسحب الجثة وياما استشهد ناس كانوا عم بيخلصوا جريح مصاب بطلقات هالقناص… وبإحدى المرات راح خيي تا ينقذ أحد اهالي البلدة انصاب برصاصة قناص تمثال العذرا وبقي كل الليل قاعد بإحدى الحفر حتى تمكن باليوم التاني مع ساعات الليل من سحب الجريح اللي كانت إصابتو بإجرو. ولليوم كل ما يشوفني بيقللي لولا خيك كنت اليوم إسم على بلاطة بمقبرة الميدان”. ويختم المختار: “كنا نسمع بالحرب العالمية الأولى والمجاعة بس معركة زحلة كانت حرب جوع وموت ودمار”.
عندما خرج المختار سمير من الملجأ في 31 حزيران 1980 لم يصدق المشهد. “بتقولي زلزال ومرق على المدينة. كان المشهد بيبكي. بس منشكر ربنا إنو بقينا عايشين بفضل بطولات الشباب وصمود الأهالي اللي سجلوا ملحمة صمود المدينة. ومش كلمة وشعار بس نقول زحلة دار السلام ومربى الأسود”.
الصور خاص أرشيف “المسيرة” – المزيد من الصور في العدد الموجود في المكتبات (حقوق النشر محفوظة)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
