



كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1605:
قبل أن تأخذها السماء بأيام ثلاثة وكانت في الغيبوبة، استيقظت فجأة وقالت لابنتها “قولي لـ بيّك خيّك جايي ياخدني لـ عندو بعد تلات إيام”، سألتها غيتا “يا إمي خيي مات من أربع سنين وين شفتيه؟” ابتسمت وسرحت في فضاء الغرفة “ليكي شوقي وينو عم يلوحلي تـ إطلع صوبو قال مشتاقلي” وبعد ثلاثة أيام تماما ذهبت أم شوقي الزغبي الى ابنها الشهيد، وهناك عادت إليها بسمة الرجاء، شفيت من مرضها ومن جرحها العميق، واستمعت الى ابنها الوحيد يروي لها قصة استشهاده…
شوقي جان الزغبي لو قُدِرت لك الحياة، هل كنت لتبقى هانئا في زحلة، تقطف الحقول، تزرع التلال، والاحتلال ينهش كل شي من حولك؟ مستحيل، مستحيل يجيب، فيوم قررت الذهاب لم أسأل أهلي، بلّغتهم قراري، غضبوا مني، خافوا عليّ، حاولت إقناعهم ما اقتنعوا، نمت في زحلة على مضض قلقا متقلبا فوق سريري، كان ثمة ما يندهني للالتحاق برفاقي، بالشباب، بالمقاومة، كان صوت البشير يطنطن في ضميري كناقوس خطر كي أنهض وألتحق بهم، حاولت أن أقنع اختي أولا لتساعدني “بدك يقولوا عني ابن إمو؟ شو أنا مش رجال؟ ليش بدي إبقى بالبيت وكل الشباب عم تقاتل كرمالنا، شو بدكن يفوتوا ع بيوتنا ويغتصبوا البنات ويدبحونا ونحنا عم نتفرّج، إذا نحنا ما سهرنا عليكن وعلى بلدنا مين بدو يسهر؟” علمت أمي بقراري النهائي، ركعت عند أقدامي ترجوني ألا أفعل، حتى دموع أمي لم تمنعني عن الذهاب، هل كنت قاسيا عليها أم لعلني إلتحقت بقدري المحتوم؟
تعرّف الى شباب المقاومة في فرن الشباك حيث كان يسكن وعائلته، هناك عاش تفاصيلها سمع عن مقاومة الشباب للاحتلال والمسلحين، سمع صوت بشير الجميل ينده الرجال الى ساحات الشرف، إلتحق بهم، إستمع الى المحاضرات، تلقى التدريبات، كانت روائح البارود وأزيز الرصاص عند خطوط التماس القريبة، تشعل فيه ثورة الانتماء، تلك الثورة التي حملت الشباب ليكونوا حراس زمان لا ينعسون، كان يسمع الأخبار، يلتهمها ليعرف ما يجري وما حال الشباب، شعر أهله أن ثمة ريحًا بدأت تأخذه الى غير مكان، فهرّبوه الى زحلة بالخديعة وبمساعدة الجيش، زحلة حيث كان ليعيش بهناء تلك الجبال وذاك السهل الفسيح. لكنه كان هناء موقتا، مصطنعا، كانت نار الحرب تلتهم لبنان، الاحتلال السوري يقضم الأخضر واليابس، لم تكن تعرف زحلة بعد ما ينتظرها، وحدهم المقاومون كانوا يتوقعون الأسوأ مع عدو من هذا الطراز العالي من الحقد، كانوا يشعرون أن ليس بيروت وحدها من تدفع ثمن لبنانيتها بالدماء، ولا الشمال، ولا الجبل، كل لبنان سيدفع الثمن باهظا، وان الموس سيصل حتما الى حيث عرين الأبطال أيضا، الى زحلة، وكان شوقي يشعر بما ينتظر قلعة الرجال تلك، وكان بدأ الحصار يضيق على الأشرفية، اعتقل البشير لدى المخابرات السورية، جن الشباب، بدأ جيش حافظ الأسد يحاصر أنفاس الأشرفية، دباباته تحيط بها كعنكبوت حين تشبك خطوطها حول ضحيتها لتشبك الموت وتلتهمها، وبدأت حرب المئة يوم، كان تموز العام 1978، وكانت الأشرفية تدك بالنار والحديد، حرب المئة يوم والجيش السوري يحاصر قلعة من قلاع الأبطال، وحوش حافظ الأسد تدك الأشرفية بالمدفعية الثقيلة عند أبوابها مباشرة، ورجال المقاومة يدافعون، يردون النار بالنيران، يسطّرون الملاحم وليلعن التاريخ من يقول عكس ذلك، المقاومون الى المتاريس وبين البيوت يحمون الأهالي في الملاجئ وكلما زادت المقاومة كلما تضاعف حقد تيمورلنك.
كان 28 آب، يوم اختفاء الإمام موسى الصدر، تحجج شوقي بابن عمه لينزل معه الى بيروت لتقديم امتحان دخول الى كلية الهندسة في الكسليك، كان الباش مهندس يهندس كذبة ليتسلل الى قصر شرف هندسه بثورته وبانتمائه الى من يحرسون الثورات الى المقاومة، رفض الأهل وأصر الابن ونزل، وانقطعت أخباره اليومية عن أهله، وبعد عدة أيام اتصل ليطمئنهم وادعى أنه يجلس مع أقاربه وجديه في الملجأ وقاعد عاقل “كان لازم اكذب علين حتى يرتاح بال أهلي شوي، أنا وحيد إمي وكل الوقت عم تصلي مرعوبة عليي، قلت بقنعن إني قاعد عاقل بالملجأ” ولم يكن الملجأ يعرف وجه شوقي، التحق بالشباب وصار المقاوم المناضل، كانت الكذبة الكبيرة ليبرّد قلب الأم، وليسكن الشاب مع رفاقه حقيقة خطيرة، الموت المتربّص المتنقل بهم على ضفاف الثواني.
4 تشرين الأول اتصل بأخته غيتا ليعايدها بعيد ميلادها “ما تخافوا عليي أنا بالملجأ مع جدي ورفاقي” وانقطع الاتصال… 9 تشرين الأول 1978، كان يوم هدنة في منطقة فرن الشباك، هدوء نسبي على المحاور بلغة الحرب، كان حصار الأشرفية انتهى، صعد مع ابن خاله واثنين من رفاقه ليزوروا الشباب فوق، في طريق العودة قرروا ان يعبروا من الجميزة باتجاه الأسواق التجارية في منطقة البرج كي لا يواجهوا بحاجز للاحتلال، وفي طريقهم زاروا ابنة عمه، وما ان خرجوا من منزلها صارت تصرخ “الطريق مقطوعة بالحجار ما تنزلوا من هونيك” لم يسمعوها وأكملوا سريعا بالسيارة، توقفوا لإزالة العوائق وإذ بجنود سوريين يطبقون عليهم، عذّبوهم، أهانوهم، حاول أحدهم انتزاع ذخيرة عود الصليب من رقبة شوقي فقال له “شو ما عملت ما فيك تشيل يسوع من رقبتي” فسخر منه “خلينا نشوف يسوعكن هاد شو رح يعملك” شوهوا جثثهم، زرعوا عمره الثامن عشر بأكثر من خمسين رصاصة هو وابن خاله طوني حمصي ورفيقيهما، ورموهم فوق جسر نهر الموت.
لحظة استشهاده كان والده يشحّل عريشة الدار في زحلة، وفجأة وضع يده على قلبه وصرخ “آخ” سألته قريبته ما به قال حرفيا “مش عارف حاسس بشي شكّ بقوة بقلبي” وكان خنجر استشهاد الابن بعيدا عن الأب والأم. استشهد صباحا وعلم الأهل مساء ولم يتمكنوا من حضور جنازته، الطرق مقطوعة القصف العنيف يجتاح المناطق، دفن شوقي والشباب في بيروت وبقيت أمه في زحلة تنتظر من يلبس الكنزات التي حيكتها لشتاء ابنها.
بتعرف خيي؟ معلوم أنا لـ جبتو من نهر الموت ونقلتو ع المستشفى مع الشباب. شفتو؟ إي شفتو. ويصمت… خبرني شو شفت؟ بتصيري بدك تزعلي كتير. أكتر مما زعلت على موتو؟ عذّبوه المجرمين، زرعوه بالرصاص… وأخبرها الشاب الذي التقته غيتا صدفة بما قاله شوقي للسوري حين انتزع من رقبته عود الصليب…
غيتا الآن صارت “أم شوقي”، عاد الاسم الى البيت، غابت الأم بعدما انفصلت عن واقعها نهائيا عندما علمت باستشهاد ابنها وأصيبت بمرض السرطان، وماتت بعد أربعة أعوام على رحيله، ثم ذهب الأب لاحقا. شوقي الآن في عامه التاسع والخمسين، يحتفل بعمره الجديد مع أمه وأبيه ورفاقه الشهداء فوق حيث لا ألم ولا فراق، هنا، تحكي غيتا وشقيقتها وأولادهما والشباب حكاية المناضل الذي لم يتجاوز ربيعه الثامن عشر، لبس الزيتي ولم يتسن له الوقت ليزرع بطولات أكبر بعد، كان بطلا في قلبه، شجاعا، رسم طريقه بانتمائه، بثورته، بحبه لوطن منحه كل شيء حتى آخر قطرة دماء، آخر نثرات الأنفاس، كل الشجاعة، كل القلب الكبير المسكون بحب يفوقه، حب يسوع ولبنان، حب كبير والحب لا ينتهي…بتعتقدي إنو كان لازم إسمع من إمي؟ يسألني ويجيب لحاله، أكيد لأ وإلا ما كنت لأستحق وطني ولا شهادة رفاقي، أنا شوقي جان الزغبي بسلّم عليكن وبقلكن بعدني موجود بقلب كل مناضل شجاع حامل وطنو ريح حرية ريح يسوع ضياء الكرامة ولبنان مجد الأوطان…
- للإشتراك في “المسيرة” Online:http://www.almassira.com/subscription/signup/indexfrom Australia: 0415311113 or: [email protected]
