
ككلّ مراقب لحركة التّحالفات السياسيّة في لبنان، قد يتبادر إلى ذهنه أسئلة مختلفة حول طبيعة هذه التّحالفات ومداها الإستراتيجي. فهل هي تكتيّة وهل تحكمها مصالح آنيّة أم أنّها تحالفات استراتيجيّة مبنيّة على صخرٍ صلب؟ وهل ستقع عند أوّل اهتزاز، أم أنّها صلبة وصامدة؟
أذكر ذلك اليوم الذي التقيت فيه معالي الوزير الرّفيق الذي هندس المصالحة وحكمها بإيقاع منطقه وفلسفة المسيحيّين، أقصد الوزير ملحم رياشي، وكنّا في معراب على هامش اجتماع حاشد للرّفاق فسألته: هل بنيت على صخر أم على رمل؟ فمسك بيميني وقال: ” طمّن بالك يا رفيق مبنيّة على صخر ومن وادي قنّوبين كمان”. وانتهى اللقاء القصير الذي لم ينتهِ حتّى بعد ما حدث اليوم في انتخابات نقابة المهندسين.
سمعنا الكثير من الإنتقادات والكثير من المناظرات التي تلت إعلان انسحاب الرّفيق نبيل أبو جودة من ترشّحه لمركز نقيب المهندسين. ولم يكن هذا القرار واضحًا إلى أن صدرت النّتائج. ليس المهم من فاز بالمركز، مع احترامنا المطلق للرّابحين والخاسرين على السّواء، بل المهم من كلّ ما حدث أن ننظر بعين المنطق والعقل إلى الحركة والدّيناميّة اللتين خلّفهما التّحالف المسيحيّ، وفيما إذا كان هذا التّحالف سيتابع طريقه على مسافة الوطن.
ولمن تابع كلمة رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” مساء الأربعاء في حلقة “بموضوعيّة” مع الأستاذ وليد عبّود، فقد صرّح الحكيم ومن دون مواربة كعادته، بأنّ هذا التّحالف قد لا يكون على مساحة كلّ الوطن. وسارع المتربّصون للقنص على مصالحة معراب الشّهيرة التي خضّت مضاجع الكثيرين وهزّت عروش المتسلّطين. كلّ تجربة تمرّ فيها هذه المصالحة تخرج منها أقوى بكثير وأمتن، لأدرك بعدها أنّ ما قاله لي الرّفيق “المهندس”، مهندس السلام والمصالحة والحوار والتّواصل، كان صحيحًا مئة بالمئة. ولتزيد قناعاتي كلّ يوم بأنّ القوّاتي هو الذي يبني على صخر قنّوبين وليس على رمال الصّحاري.
فلكلّ معركة ظروف وحيثيّات ودراسات تختلف عن غيرها. فما حدث في انتخابات نقابة المهندسين قد يختلف عن انتخابات أي نقابة أو حتّى منطقة. لكن الثّابت الوحيد الذي لا يهتز، هو البناء الذي أساسه صخر قنّوبين. من هنا التّشكيك بحقيقة التّحالف وثباته هو أمر مرفوض، لا بل مستهجن. فلكلّ من شكّك نقول: ” يا قليل الإيمان.” لقد وثقنا بقائد قال لنا يومًا: ” بشوف وجّكن بخير” ورحل. وبعد 4114 يومًا رأينا وجهه بألف خير. ثقتنا كاملة لا بل مطلقة بحكيم يعرف مفاصل كلّ شيء لأنّ منطلق تفكيره المسيحي انعكس على قوّة إدراكه العقلي. وهذا ما عكسه علينا كملتزمين وحتّى كمناصرين.
هذا التّحالف الذي أراح المجتمع المسيحي وأزاح عن كاهله أدران الحرب ومآسيها وما حمّلتنا من خطايا بحقّ بعضنا البعض، يجب المحافظة عليه مهما كان الثّمن. وهذا ما أقدمت عليه “القوّات اللبنانيّة” عند أكثر من تجربة تعرّض لها. ونجت من كلّ هذه التّجارب. وما بُني على صخر بقي ثابتًا.
من هنا، ما وراء هذا التّحالف ليس فقط مواقع ومراكز نقابيّة أو حتّى نيابيّة أو غيرها، بل الهدف الحقيقي هو استراتيجيّ على المدى الطّويل، يتمثّل في قانون انتخابات يضمن للمسيحيّين تمثيلا حقيقيًّا وثابتًا في البرلمان مهما كانت تحالفاتهم واختلافاتهم. فالإختلاف مشروع والخلاف مرفوض. وهذا ما يحاربونه اليوم. فهم لا يريدون للمسيحيّين أن يكون صوتهم وازنًا تحت قبّة البرلمان. لا يريدون للمسيحيّين كتلة نيابيّة وازنة وفاعلة. فهذا حقيقة ما يريدونه. فإلى هذه الدّرجة خوفهم ممّن يقول الحقّ لأنّه بالحقّ وحده يشعر بالحريّة.
فما حدث اليوم في انتخابات نقابة المهندسين درس لطرفي هذا التّحالف للإنطلاق إلى غير معارك أهدافها أسمى بكثير من المراكز الأرضيّة فقط. فالأخطاء التي ارتكبناها في بعض المفاصل جعلت تحالفنا أمتن. فبنهاية المطاف، صحيح أنّ المشارب تجمعنا، لكن لكلٍّ منّا طريقته الخاصّة في مقاربة الأمور والتّفكير. وخلفيّاتنا مختلفة. وحتّى كيفيّة تعاملنا مع الأحداث مختلفة. بينما “القوّات” تقارب الأمور من منظار استراتيجيّ وبعد مسيحيّ صرف، مكلّلة بطوباويّة مستمدّة من إرث آلاف الشّهداء، يقارب التيّار الأمور بطريقة براغماتيّة على طريقته الخاصّة. فكلانا مدعوٌّ للتّعلّم من تجارب غيره.
هذا الإختلاف المشروع لن يقف عند حدود انتخابات نقابيّة أو أيّ حدث آخر، لكن الهدف الرّئيسي والإستراتيجي لن يتزعزع بغضّ النّظر عن صعوبة بعض المسائل التّكتيّة التي تحتاج إلى العرق والتّضحيات والدّموع أحيانًا، لنصل في نهاية المطاف إلى قناعة التّعلّم من كلّ التّجارب بغرض تحقيق الهدف الأسمى الذي يتجلّى في الحفاظ على الوجود المسيحيّ الحرّ في لبنان والشّرق من خلال الحفاظ على لبنان والهويّة اللبنانيّة. ولن يُعيدَ المتربّصون عقارب السّاعة إلى الوراء مهما بلغ جبروت فداحتهم. ومن له أذنان للسّماع، فليسمع.
انتخابات نقابة المهندسين وحلف معراب
المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية