
كتبت “المسيرة” في العدد 1605
ما هي صحة المعلومات التي نشرتها جريدة “الأخبار” حول الزيارة التي قامت بها عضو الكونغرس الأميركي تولسي غابارد الى سوريا ومقابلتها رئيس النظام السوري بشار الأسد وحملها رسالة مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟ وإذا كانت غابارد نفسها أصدرت نفيًا لما أوردته جريدة “الأخبار”، وإذا كان رئيس تحرير الجريدة ابراهيم الأمين دعاها الى مناظرة تلفزيونية لتبيان ما الذي جرى، معتبرًا أن هناك 13 شخصًا كانوا شهودًا على ما حصل، فإن هناك معلومات متوفرة من واشنطن حول هذه القضية وحول غابارد وحول الزيارة. ماذا في هذه المعلومات؟
المفارقة في زيارة عضو مجلس النواب الأميركي عن ولاية هاواي الديمقراطية تولسي غابارد إلى سوريا، أن الجميع في الولايات المتحدة على المستوى الرسمي إن من الكونغرس، أو الإدارة الأميركية، أو حتى حزبها نفض يديه من هذه الزيارة المثيرة للجدل التي قامت بها هذه المثيرة للجدل والتي تخطت كل القواعد القانونية المعمول بها لتنظيم الزيارات الخارجية، فقط لأنها تفتش عن دور لها، وهي فشلت حكماً في مهمتها.
الجميع إذاَ نفض يديه بإستثناء طبعاً نظام البعث في سوريا الذي يتعطش لرؤية أو إستقبال أي مسؤول دولي يزور سوريا فيكف إذا كان هذا الشخص قادماً من الولايات المتحدة، وطالما حلم وسعى رئيس هذا النظام إلى نسج أفضل العلاقات معه منذ أيام والده وحتى يومنا هذا، هذا النظام الذي ينتظر على أرصفة العالم يشحذ ولو لقاءً صغيراً عله يستطيع أن يركب من جديد في قطار المصالح الإقليمية والدولية.
الجميع نفض يديه بإستثناء الجهة التي نظمت وموّلت زيارة غابارد إلى سوريا وهي الجهة التي سعت لتنظيم زيارات ليس لمسؤولين أميركيين بل لأعضاء في الكونغرس المغمورين الذي يفتشون عن دور في حياتهم العامة.
في الوقائع، تشير المعلومات الى أنه دعت غابارد في كلمة لها إلى التركيز على محاربة التنظيمات الإسلامية الإرهابية في سوريا، بدلأً من مطلب إسقاط الأسد ونظامه، إسترعى هذا الخطاب اهتمام أعضاء في مركز المجتمع الأميركي العربي للخدمات الإقتصادية والإجتماعية في ولاية أوهايو Arab American Community Center for Economic and Social Services (AACCESS-Ohio)، وهو المركز الذي تأسس في العام 1991 تحت عنوان خدمة العرب الأميركيين، وهو تولى تنظيم زيارات إلى سوريا للعضو السابق في الكونغرس دنيس كوسينتيش، بين الأعوام 2006 و2011 .
إذاً تحرك هذا المركز لكي يحضر التفاصيل الكاملة لزيارة غابارد في الذهاب والإياب، وهو دفع المصاريف الكاملة لرحلة غابارد إلى سوريا بإعتراف مديره التنفيذي السابق، وعضو مجلس إدارته الحالية بسام خوّام وهو لبناني يعمل مستشاراً في الخدمات الطبية، الذي رافق عضوة الكونغرس في زيارتها السورية، ومشيراً إلى أنه هو وشقيقه إيلي من موّل الزيارة.
جرى تمويل هذه الرحلة بموجب ما يمكن إدراجه بـ”ميزانية تبرّع”، لأنه بحسب القواعد المعمولة في مجلس النواب الأميركي لا يمكن تمويل مثل هذه الأمور أي زيارات غير رسمية، إلا من باب التبرعات من قبل أي فرد أو كيان ويتوجب عليه المشاركة المباشرة في التخطيط والتنظيم والمشاركة في مثل هذه الرحلات التي لا يمكن تمويلها من قبل الميزانية أي من قبل دافعي الضرائب لأنها زيارة غير رسمية مطلقاً. واللافت أن غابارد التي لم تبلِّغ وفق الأصول القانونية المتبعة، الكونغرس الأميركي مسبقاً بزيارتها إلى سوريا رفضت أصلا الكشف عن كيفية تمويل رحلتها، لأسباب أمنية ولكن القائمين على المركز كشفوا المستور.

من هو بسام خوام؟
بحسب تقارير صحافية فإنه معروف بصلاته القديمة مع النظام السوري، ولا سيما مع سفير هذا النظام في واشنطن عماد مصطفى وهو بقي على علاقة معه حتى تعليق التبادل الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وسوريا في العام 2012 .
وعلى الرغم من ذلك فقد نفى خوام في أحاديث صحافية له أن يكون بأي شكل من أشكال من إحدى جماعات الضغط ( اللوبي ) لصالح الأسد أو أنه يتحدث باسمه، واصفاً زيارة غابارد بـ”أنها زيارة سلام مع الشعب السوري وزيارة ذات طابع إنساني وللقاء بعض المسؤولين لمعرفة مدى المعاناة التي عاشها هذا البلد خلال الأعوام الستة الماضية على حد قوله”. مشيراً إلى أنه لم يتردّد سابقاً على السفارة السورية في واشنطن بإستثناء زيارة واحدة قام بها للاستحصال على تأشيرة دخول إلى سوريا!!!
كما ينفي بسام خوام التقارير الصحافية التي أفادت بأنه عضو في الحزب السوري القومي الإجتماعي قائلاً إن لديه إتصالات مع عدد من الأحزاب السياسية، ومن بينها هذا الحزب، لكنه يشير صراحة إلى أن شقيقه إيلي عضو فيه.
تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه بحسب المعلومات فإن هذا المركز الذي يعمل خدمة للمجتمع الأميركي العربي كما يقول، لم يقدّم أي تقارير عن عائداته المالية إلى الأجهزة المعنية في الحكومة الأميركية منذ العام 2006.
هذه ليست الزيارة الأولى ل غابارد الى سوريا. فقد سبق لها أن انضمت إلى رحلة قام بها عضو الكونغرس السابق عن ولاية أوهايو دينيس كوسينيتش من ضمن رحلات سابقة إلى سوريا قابل في خلالها الأسد وهي زيارات موّلت أيضاً من قبل مركز المجتمع الأميركي العربي في أوهايو، وقد دافع كوسينيتش يومها وتحديداً بعد زيارته إلى دمشق في العام 2013 عن نوايا الأسد في سوريا.
إنها إذاً زيارة غير رسمية، والكونغرس لم يبلَّغ رسميا بها! وقد ابتعد القادة الديمقراطيون، ولا سيما منهم أعضاء الكونغرس، عن تداعيات هذه الزيارة المثيرة، التي قامت بها غابارد ورفضوا أن يجتمع أحد أعضاء الكونغرس مع رئيس النظام السوري الذي وصفته الحكومة الأميركية بأنه مجرم حرب لاستخدامه اسلحة كيميائية ضد المدنيين.
وعلى هذا الأساس سمحت رحلة غابارد إلى سوريا بالنظر حول احتمال انتهاكها لقانون لوغان (Logan Act)، وهو قانون اتحادي يمنع الأفراد غير المصرّح لهم من التشاور مع حكومة أجنبية متورطة في نزاع مع الولايات المتحدة حيث أن واشنطن لا تقيم حاليا علاقات دبلوماسية مع سوريا.
إلا أن مكتب غابارد قال في بيان أصدره إن زيارتها وافقت عليها لجنة الأخلاقيات في مجلس النواب، وفي حين رفض متحدث باسم اللجنة التعليق على هذا البيان، إلا أنه وفقا لقواعد هذه اللجنة، فإن لدى أعضاء الكونغرس فترة 15 يوما بعد الانتهاء من أي رحلة خارجية للإعلان رسمياً عن خطاب الموافقة بالسفر والإفصاحات المالية المتعلقة بالسفر المتصل تمويله من قبل القطاع الخاص وليس من ميزانية الدولة.
حتى أن نانسي بيلوسي، زعيمة الأقلية في مجلس النواب، وتشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، رفضا التعليق على تداعيات زيارة غابارد. حتى أن البيت الأبيض، ورئيس مجلس النواب تجاهلا هذه الزيارة.
إلا أن بيلوسى نفسها عادت لاحقاً وردت على إستفسار بعد الصحافيين حول رحلة عضوة الكونغرس، فأعلنت صراحة أنه ليس لديها علم برحلة غابارد غير المعلنة وهي طلبت تدقيقا في هوية من قام بترتيب الزيارة ودفع ثمن السفر.
فيما ندّد آدم كينزينجر، عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية إلينوي بما قامت به غابارد على الفور. وقال ما حرفيته: “لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يسافر أي عضو في الكونغرس، أو أي مسؤول حكومي، للقاء رجل قتل 500 ألف شخص و50 ألف طفل”. وأضاف أنه سيحتاج إلى معرفة المزيد عن الزيارة لتقديم شكوى أخلاقية ضد زميلته.
وقال السيناتور جون ماكين، الذي ذهب إلى سوريا في عام 2013 للقاء جماعات المعارضة وانتقده نظام الأسد للقيام بذلك، إن زيارة غابارد “ترسل” إشارة خاطئة.
وتنصل أعضاء ديمقراطيون من هذه الزيارة، حيث أكدّ المتحدث بإسم إليوت إنغل زعيم الأقلية الديمقراطية في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، أن اللجنة التي تضم في عضويتها أيضاً غابارد لم تكن على علم برحلة غابارد من قبل وهي لم تسافر بصفتها الرسمية. وقال المتحدث إن موقف إنغل من الأسد راسخ، لجهة وصفه بأنه مجرم حرب وقاتل ويدعم الإرهاب ويستفيد منه ولديه علاقات وثيقة مع روسيا ولا يمكنه أن يكون له دور في مستقبل سوريا”.
ورفض المتحدث باسم آدم شيف، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، التعليق على الزيارة أيضاً.
هل حملت غابارد فعلاً رسالة من ترامب؟
غابارد المغمورة التي تفتش عن دور لها في السياسة، كانت إستقالت من منصبها الآخر، وهو نائبة رئيس اللجنة القومية في الحزب الديمقراطي لكي تكون شخصية حيادية خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية، ولكنها على الرغم من هذه الخطوة قامت بإعلان تأييدها صراحة للمرشح الديمقراطي الآخر بيرني ساندرز، مخالفة قرار حزبها بدعم ترشيح هيلاري كلينتون.
هذا الإنقلاب الداخلي في حزبها، دفع حملة المرشح الرئاسي دونالد ترامب إلى فتح خطوط معها، مما أدى إلى عقد اجتماع بينها وبين الرئيس المنتخب ترامب في تشرين الثاني الماضي، أي قبل نحو شهرين من حفل تنصيبه الرسمي.
مراقبون وصفوا غابارد بأنها دائماً تجلب “وجع الرأس” لحزبها، لا سيما في ضوء سعيها للتقرب من ترامب، ومع ذلك، عارضت الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي حول منع اللاجئين السوريين من دخول الولايات المتحدة، وهو ما يتناقض مع خطوة قامت بها في العام 2015 حيث كانت واحدة من بين 47 ديمقراطيا وقفوا مع الجمهوريين ودعموا تدبيرا برعاية الحزب الجمهوري لمنع اللاجئين السوريين والعراقيين من إعادة توطينهم في الولايات المتحدة.
واللافت أن غابارد التي صرحت لوسائل الإعلام الأميركية بعد عودتها من سوريا أنها التقت رئيس النظام السوري بالصدفة، كانت صرحت أيضاً أنها بادرت بنفسها خلال اجتماعها مع الرئيس المنتخب ترامب إلى بحث عدد من الملفات في السياسة الخارجية ومنها النزاع في سوريا.
وعلى هذا الأساس شكك مراقبون في واشنطن في أنها تكون قد نقلت رسالة رسمية من ترامب إلى الأسد، طالما أنها صارحته بإحتمال عقد لقاء معه، كما أن الرئيس المنتخب وفق ما هو متبع دستوريا في الولايات المتحدة لا يخاطب بشكل رسمي أي زعيم خارجي، بل بشكل غير رسمي، لأن الإعلان عن مثل هذه الرسائل يأتي في ختام مداولات رسمية بين جهتين تكون الرسائل بمثابة الإقرار بما تمّ تداوله والاتفاق عليه، كما أن الرئيس المنتخب لم يكن يومها قد وضع سياسته حول كيفية التعامل مع سوريا حتى أن فريقه لم ينته حتى اليوم من إعداد سياسته الرسمية تجاه سوريا، وعلى هذا الأساس يعتبر المراقبون أن الزعم بأن غابارد نقلت رسالة من الرئاسة الأميركية إلى رئيس النظام في سوريا سيقوّض حكماً المداولات الخاصة بالإدارة الأميركية الجديدة في مجال السياسة الخارجية، وبالتالي تؤكد المصادر أنه في حال شهدت المرحلة المقبلة أي اتصالات أميركية رفيعة المستوى مع الأسد فإنها ستأتي في إطار استراتيجية أوسع لمعالجة النزاع السوري برمته، وبالتالي لا يمكن لهذه الإدارة أو أي إدارة سابقة أو لاحقة فتح خطوط دبلوماسية بمعزل عن هذا الإطار الإستراتيجي الذي لم ينجز حتى الآن، لأنه يمكن أن يرسل بسهولة رسالة خاطئة بأن الحكومة الأميركية تدعم الأسد أو تتغاضى عن الأساليب الوحشية التي استخدمها الأسد ضد شعبه.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]