
كتب العميد الركن (م) وهبي قاطيشه في المسيرة – العدد 1606:
كُتِبَ لجيلي أن يعيش أزمة لبنان منذ نصف قرن. كان تاريخ 13 نيسان عام 1975، محطة الإنفجار الأهم فيها، بعد أورام الستينات والسبعينات من القرن الماضي. نصف قرن من الكوابيس تتراكم اليوم في وجه اللبنانيين. فهل ينجح جيل الآلام الحالي من إنقاذ الأجيال المقبلة، لتكريس لبنان النموذج المستقر، في هذا الشرق المضطرب؟!
خمسون عاماً بالتمام والكمال على بدء الأزمة. بدأت عام 1967 عندما هزمت إسرائيل جيوشاً عربية ثلاثاً، واحتلت أراضي عربية تساوي مساحتها أربعة أضعاف مساحة فلسطين المغتصبة عام 1948. نجح لبنان في حينه بتفادي احتلال قسم من أراضيه؛ لكن ذلك أغضب بعض الأشقاء الثوريين، الذين لا يرون في الأخوّة إلاّ تابعاً وقاصراً، أو شريكاً في الإنتحار؛ فبدأت “جلجلة” وطن، أطلق عليه لقب “سويسرا الشرق”.
بدأت الجلجلة بتحريك المشاعر الغوغائية ضد النظام اللبناني، ودعم الفصائل المسلحة الخارجة عن الشرعية (لبنانية وفلسطينية)، لإسقاط الدولة في محطات عديدة سبقت الإنفجار الكبير، يوم الثالث عشر من نيسان؛ أبرزها عندما تحوّل الجنوب إلى بيئة حاضنة للمنظمات المسلحة، الخارجة عن القانون وسلطة الدولة، على حساب الجيش اللبناني؛ بالإضافة إلى اتخاذ المنظمات الفلسطينية قراراً بمواجهة الدولة اللبنانية عسكرياً لإسقاطها. وعلى سبيل المثال،أذكر أنه في الثاني من شهر إيار عام 1973، وبينما كنا في ثكنة “هنري شهاب” في منطقة الأوزاعي التي تضم أكثر من ألف عسكري من مختلف الرتب، بينما كنّا نمارس حياتنا اليومية في التعليم في ساحات الثكنة، انهمر علينا وابل من قذائف الهاون والصواريخ، مصدرها المخيمات الفلسطينية القريبة؛ فسقط في الثكنة ثلاثة عشر شهيداً وعشرات الجرحى، قبل أن يستعيد قائد الثكنة المبادرة.
مسار إسقاط الدولة، كان يتقدّم بخطى ثابتة، بتشجيع ودعم من النظام السوري. وهكذا انفجر الوضع في 13 نيسان 1975. كنت أحتفل ظهراً في منزلي (الأشرفية) بعيد الفصح المجيد، عندما استُدعيت إلى الثكنة. كانت المرة الأولى التي نسمع فيها في العاصمة أصوات انفجارات الصواريخ (آر. بي. جي) وقذائف الهاون، منذرة بأن الأزمة اللبنانية تتطور باتجاه التصعيد العسكري والحرب المفتوحة. وهكذا كان.
صمد الجيش موحداً بوجه المؤامرة، حفاظاً على ما تبقى من هيكلية الدولة، لمدة أحد عشر شهراً؛ لكنه تفكك نهائياً في الحادي عشر من شهر آذار عام 1976. فانهارت الدولة بانهيار الجيش، عمودها الفقري، ودخل جيش النظام السوري إلى لبنان بعد أن استنفد حلفاؤه اللبنانيون والفلسطينيون قدرتهم في إسقاط الدولة المركزية.
أخذت الحرب العسكرية أشكالاً عديدة على مدى خمسة عشر عاماً. إنهار لبنان النموذج تحت أطماع النظام السوري واليسار الدولي وحلفائه اللبنانيين، والمنظمات الفلسطينية وحلفاء لبنانيين آخرين… وكان لكل من هؤلاء أجندته الخاصة؛ بينما وقف ما تبقى من سلطة الدولة في المناطق الحرة، مدعومة من الأحزاب اليمينية، التي أدمجت وحداتها العسكرية في جسم موحد إسمه “القوات اللبنانية”؛ وقفت جميعاً في وجه الإحتلال السوري المقنّع، لمنعه من استكمال السيطرة على بقية لبنان، وعرقلته في هضم المناطق التي احتلها حتى عام 1990، عندما سقط ما تبقى من الدولة الحرة بيد النظام. فتكرّس بذلك احتلاله الكامل للبنان.
كان حكم النظام السوري للبنان، طيلة خمسة عشر عاماً، أقسى بكثير من القوى التي سبقته في احتلاله؛ من فرنسيين وأتراك. خصوصاً بالنسبة للمسيحيين عندما استباح مواقعهم في الدولة ووزعها كجوائز ترضية على بقية اللبنانيين. كما تعمدت بقية المكونات اللبنانية، خلافاً لاتفاق الطائف، اقتسام “الثوب” المسيحي في فترة آلام استمرت خمسة عشر عاماً. وتحوّل المسيحيون الأحرار المقيمون إلى أهل ذمة في لبنان بتغطية من مسيحيين وصوليين إقطاعيين، شهدوا على تقاسم ذلك “الثوب” من دون أن يحركوا ساكناً خوفاً على فتات مكتسباتهم، لا بل ساهموا في الخلل الداخلي بتبنّي بعضهم عملية التجنيس التي أخلّت بالتوازن اللبناني بشكل سافر.
اليوم تناضل القوى الحرة منذ عدة سنوات، لإعادة التوازن إلى الدولة؛ عبر وضع قانون انتخاب جديد يصحح التمثيل لكل المكونات الوطنية. وها هي بعض الأصوات، التي شهدت سابقاً على تقاسم “الثوب”، ترتفع شاكية من جديد “يريدون إلغاءنا”. ولكن في الواقع التمثيل يقرره الشعب، والإلغاء يقرره الشعب. وهنا نسأل: لماذا عندما يؤيد الشعب نائبًا لا يكون إلغائياً، وعندما يؤيد غيره يصبح هذا الغير إلغائياً!؟ ما يُطرح من قوانين، لا يهدف إلى إلغاء أحد، بقدر ما يهدف إلى تصحيح التمثيل لكل المكوّنات اللبنانية. لكن يبدو أن بعض الذين اجتاحوا مواقع معينة في الدولة، غير راغبين بإعادة التوازن إلى هذه الدولة. وبعض الذين صادروا أصوات المسيحيين، أو همّشوها، لا يزالون مصرّين على رفض إعادتها إلى أصحابها الحقيقيين.
اليوم، وبعد نصف قرن من الأزمات والحروب المفتوحة، مباشرة أو بالواسطة؛ نصف قرن من رهن هذا الكيان لمصالح إقليمية ودولية؛ نصف قرن من منعه أن يكون البلد الأغنى في هذا المنطقة، والمنبر الحر في هذا الشرق المظلم، ملتقى الثقافات ومنتدى الحوار والتواصل… لا يزال البعض رافضاً الإعتراف بهواجس الآخر للمساعدة في حلّها. هل يمكن تناسي هذه الهواجس، خصوصاً عندما استثمر بعض من الشريك الوطني الهيمنة السورية للتسلُّط على فئة معينة واجتياح مواقعها في الدولة والسياسة!؟ ومن يضمن للمسحيين بأن الأمر لن يتكرر إذا استجد طارئ ليس في مصلحتهم، فيكرر بعض من الشريك بتغطية إقطاع مسيحي، تمزيق ما تبقى من “ثوب” الحرية الذي نسجه المناضلون من أجل لبنان الواحد المتوازن!؟
اليوم، وبعد خمسين عاماً، لا نزال نعيش أزمة ضياع بحثاً عن قانون انتخاب يصحح التمثيل وينتج سلطة متوازنة بين اللبنانيين. اليوم، لا نزال نغامر برمي الوطن “النموذج المنتظر” في غموض الغد المنفتح على كل احتمالات الضياع والمجهول. فهل يمكن لجيلنا، الذي عاش حروب لبنان على مدى نصف قرن، وعانى من ويلاتها، أن يترفّع إلى مستوى لبنان النموذجي المتوازن قبل أن يسقط الهيكل على رؤوس الجميع!؟ وبانتظار اليقظة اللبنانية، يستمر تاريخ 13 نيسان 1975 محطة في حرب طويلة ومتنوعة عمرها خمسون عاماً حتى اليوم.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]