
فوضى الإعتصامات… تابع.
قطع طرقات، احتجاجات، احتجاز مواطنين داخل السيارات… وكأننا في كوكب آخر، وكأن هذا النوع من الإحتجاج أصبح من صلب ثقافتنا وتقاليدنا. لا قانون يطبق ولا حدود توضع، نعيش تماماً كما يعيشون في تلك الحارات، عنيت بها حارة “كل من إيدو إلو”… أتذكرونها؟
قد تكون التحركات المطلبية محقة، وهذه ميزة كفلها الدستور، لكن أن تتحول الى قطع طرق وأعمال شغب وإطلاق نار وزحمة سير “تهد حيل” المواطن المهدود أصلاً، فهذا أمر لا يجب أن يمر عادياً.
قبل ايام معدودة من عيد العمال، الشارع يغلي: مياومو الكهرباء في الشارع أحرقوا الإطارات وأقفلوا أبواب وزارة الطاقة ملوحين بالتصعيد، وحذا حذوهم المتعاقدون مع مشروع “رصد التحركات السكانية” في وزارة الشؤون الإجتماعية بعدما خطا الوزير بيار بو عاصي خطوته الإصلاحية لإنهاء المشروع.
سائقو الشاحنات انتفضوا في وجه السلطة فأقفلوا الطرقات أمام المواطنين لليوم الثاني على التوالي متحكمين بأعصاب الناس ومنفخين على الأزمة بأراغيلهم، ريثما تنجلي. مزارعو التفاح تحركوا رفضاً لسياسة المماطلة بدفع التعويضات، أما المواطن فهو يتحسر على حظه السيء في بلد يقضي فيه معظم أوقاته على الطرقات، إما منتظراً رحمة الله كي تحل عليه فيجتاز قطوع الإعتصام “بسلام”، او رحمة الطبيعة عليه مع كل نقطة مياه تطأ الطريق، ولحسن الحظ أننا اجتزنا الشتاء وانتهت مبدئياً تلك “علقات” المحبطة، والنتيجة اعصاب اهترأت قبل الوصول الى العمل ومعاناة لا تنتهي في بلد “التحركات” التي لا تنتهي.
وإذا كنا مجمعين على حق كل مواطن بالإحتجاج لإيصال صوته المطلبي عالياً، فكيف تقبل الأجهزة الأمنية بأن تكون هذه الإحتجاجات على حساب مواطنين آخرين؟ ومهما كانت المطالب محقة كيف يعقل إقفال الطرقات بوجه آخرين يتساوون مع المحتجين في المعاناة، لكن حظهم السىء أجبرهم على الخروج الى أعمالهم فكفروا على الطرقات… ولم يصلوا.
يبدو واضحاً أنّ بعض هذه التحركات لا تخلو من الرسائل السياسية، وكأن المطلوب إلهاء الحكومة بالقضايا المطلبية لتشتيت نظرها عن القانون الإنتخابي وحشرها في ملفات “ملحة” لإفشالها وإفشال العهد.
وتبقى الأنظار موجهة الى وزارة الداخلية والقوى الأمنية التي يجب أن تضرب فعلاً بيد من حديد كل من تسول له نفسه الإستقواء بالشارع وإهانة المواطنين على الطرقات، لأن حفظ الحريات لا يعني إهانة الناس في لقمة عيشهم اليومية.
