#dfp #adsense

حدث السنة… الدراماتيكي !

حجم الخط

حدث السنة… الدراماتيكي !

لو لم يكن رئيس "تكتل لبنان أولاً" سعد الحريري رئيساً لمجلس الوزراء، لكان ملزما ادبيا في اقل الحدود ان يروي بأدق التفاصيل وقائع "حدث السنة 2009" الذي لن يتقدمه حدث على الارجح لا في الـ11 شهرا و20 يوما التي سبقته ولا في العشرة ايام الاخيرة من السنة التي ستليه.

لذا لن يبلغ اللبنانيين من لقاءات قصر تشرين وسهرتها وليلة الاستضافة وفطور الصباح سوى ما تحتمه او تسمح به موجبات "الصفحة الجديدة"، بأدبيات لن تروي غليل احد، وسيظل الفارق هائلا بين ما سيذهب الى "اسرار الدولة" واسرار التكتم والتحفظ، وما ستجود به "لياقات" التسريب المهذب والمدروس والمقنن الى جانب المعلن الرسمي من النتائج الشديدة التعقيم.

اما المفارقة في امكان احتلال زيارة الحريري لدمشق صدارة الاحداث الداخلية لهذه السنة التي تشارف الافول، فتأتي من الطابع الدراماتيكي الذي واكب وقائعها، إن عبر البعد الشخصي للقاء الزائر والمضيف، وإن عبر البعد السياسي لما يمثله كل منهما.

هو حدث دراماتيكي بكل المعايير اقله قياسا بانفعال رأي عام لبناني "اكثري" بدا شديد الاضطراب والوجوم لرؤيته مشهدا خال لحقبة طويلة انه قد يكون صار من المستحيلات. تبرع كثر لتخفيف الوطأة على هذا "الجمهور" الكبير واحتواء اضطرابه وترددت اوصاف "الزيارة الطبيعية" على ألسنة كثيرة. لكن ذلك بدا ضربا من التبسيط السياسي الموغل في تجاهل ما يعلمه "التبسيطيون" اكثر من سواهم. واقع الحال أن "الجمهور" كان يسمع منذ خمسة اشهر ان الرئيس الحريري سيزور دمشق. لكن الفارق كبير وعميق جدا بين زيارة تقررت كأمر واقع ولقاء شوهد بالعين المجردة بين الرئيس السوري والرئيس الحريري، كأنه في مفهوم الناس اجتماع لفك الاشتباك او لاحلال هدنة بين جنرالين على خط الجبهة الخارجة للتو من حرب منهكة. وهو حدث دراماتيكي لأن الشكليات فيه لا تقل جسامة ورمزية عن المضمون. وكل ما رافق شكليات هذا الحدث كان شديد الالتباس. بين "العام" و"الرسمي" و"الخاص" و"العائلي" على خلفية ما بين القيادة السورية والحريري شخصيا، مضى يوم قبل ان يتبين بعض الفرز بين مختلف هذه "الطوابع" للزيارة. اختلط الاحتضان السوري الشديد للطابع الخاص للزيارة بالصدمة اللبنانية حيال افتقار الشكليات الى الطابع الرسمي الشديد التحفظ الذي كان يأمله جمهور المتحفظين كتعويض عن اضطراب حيال خطوة اضطرارية قسرية في مفهومه. واختلط على الناس اين ذهب الزائر بعيدا في مراعاة مضيفه ولماذا، ولأي دوافع؟ واين ذهب المضيف، وهل فعل، في مراعاة زائره غير العادي؟

وايا تكن النتائج، ومهما اسفرت عنه الزيارة، سيتعين على الزائر والمضيف ان يدركا ان الشكليات ستظل جوهر تفاعل الناس مع هذا الحدث بما لا يمكن تجاهله في قياس منسوب "اختراقه" لواقع العلاقات الملتبسة بين لبنان وسوريا.

ثم انه حدث دراماتيكي ولو ادى الى دفع مسيرة تطبيع العلاقات بين البلدين، لان التسليم العام بضرورته وحتميته لا يزال قابعا عند منطق ميزان القوى ولم يرق بعد فعليا الى مستوى الاقتناع بأن "سوريا في سوريا" و"لبنان في لبنان"، وبأن الطائف هو فعلا ناظم العلاقات بينهما. ولعله من باب التسرع الآن اطلاق الاحكام الجاهزة والمعلبة على نتائج الزيارة بمنطق التجارب السابقة، لان الذي زار دمشق امس هو الرئيس سعد الحريري وليس اي مسؤول او زعيم آخر. ومع ذلك لا يمكن تجاهل المقدمات التي سبقت الزيارة، ولا كل ما يستوطن الناس من اجيال الشكوك المتراكمة حيال اي "اعلان نيات" جديد، ما دام منطق ميزان القوى هو السائد.

حتما لا يمكن تجاهل واقع ان سوريا تستعيد عوامل قوة ملحوظة، لكنها بلهفتها اللافتة على استقبال الحريري تعكس ايضا نقطة ضعف حيال مسألة المحكمة والاتهام السياسي لها في الاغتيالات. وزيارة الحريري عكست نقطة ضعف في اضطراره اليها، كما ابقت لديه نقطة قوة من زاوية القضية نفسها. إذاً ثمة متغيرات متوازنة مبدئيا في السياسة أملت هذا التحول قبل اي عامل آخر.
فكيف لا ينحصر الحدث اذاً في عيون معظم مشاهديه، بشكليات ملتبسة، ومصافحة ومعانقة، مع كل ما يتفوق به الخيال من رسم الحلقات الدراماتيكية اللاحقة "المتصوّرة" و"المفترضة" بين الزائر والمضيف؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل