كتبت لينا غانم في “المسيرة” – العدد 1608:
عندما تسأل شوغيك (إسم أرمني يعني باللغة العربية نورا) عن مدى رغبتها في العودة الى أرمينيا بعد أن أصبحت جمهورية مستقلة، تبادرك بالقول من دون تردد: “أنا أحب أرمينيا وأحلم بالسفر إليها للتعرف إلى أرض أجدادي، لكنني لا أفكر بالإقامة هناك، فأنا ولدت في لبنان وأحب هذا الوطن، لا بل أعشقه، وكل ما أتمناه هو أن نستعيد، كشعب أرمني، عدالة مفقودة منذ مئة وسنتين”. شوغيك التي تعمل في شركة للسياحة والسفر تضطر أحياناً، بحكم عملها، للسفر الى تركيا، تذهب مرغمة، علمًا بأنها تعلمت اللغة التركية في المنزل. فوالداها كانا يتكلمان هذه اللغة.
لم تسعَ هذه المرأة الأربعينية للحصول على الجنسية الأرمنية كما الكثير من أقاربها، لكن ولديها هايغ وأنترانيك تقدما بأوراقهما الى السفارة الأرمينية في لبنان وحصلا على الجنسية في غضون ستة أشهر، أما إبنها الأصغر سيرج فقد تطوع في الجيش اللبناني، وعندما تسأله عن حلم زيارة أرمينيا يجيب: “ربما في يوم من الأيام. أنا اليوم جندي في الجيش، ومع “رفقاتي العسكر” نحمي لبنان وشعبه”. وطنية سيرج وولاؤه لوطنه لبنان دفعاه لإقناع إبني خاله بالتطوع في صفوف الجيش، وهذا ما حصل.
التحق فاسكان (50 عامًا) بـ”القوات اللبنانية” منذ أن كان يافعًا. هو يتكلم اللغة العربية باتقان تام ولولا الإسم لا يمكن أن تعرف بأنه من أصول أرمنية. إلتزامه في صفوف “القوات” أتى انطلاقاً من ترابط وثيق بين الشعبين اللبناني والأرمني، والذي يتمحور حول عقيدة التشبث بالأرض وبكنيسة مشرقية جامعة.
فاسكان كما شوغيك لا يفكر بالعودة الى أرمينيا لعوامل عدة أبرزها اللغة التي تشكل عائقاً أمام “أرمن الشتات” (Diaspora) الذين يتكلمون لغة تختلف عن اللغة المحكاة في أرمينيا، إذ إن لغات الأرمن المنتشرين في كل أصقاع الأرض قد تطعمت بحضارات وثقافات ولغات الدول التي يقيمون فيها.
الرجل الخمسيني تقدم بالأوراق والمستندات المطلوبة الى أحد مخاتير برج حمود الذي تكفل باستكمالها وإحالتها الى السفارة الأرمينية لأعطائه الجنسية له ولأولاده باستثناء زوجته، وهي لبنانية مارونية، والتي عليها، للحصول على الجنسية، الإقامة لمدة ستة أشهر من دون انقطاع في أرمينيا، وهو أمر صعب لا بل غير ممكن، وذلك في الوقت الذي حصل فيه شقيقا فاسكان وكل أفراد عائلتيهما على الجنسية في أقل من سنة لأن زوجتي شقيقيه أرمنيتان.
أما عن الرغبة في الحصول على الجنسية الأرمينية، بحسب فاسكان، فالسبب يعود الى أن جواز السفر الأرميني يؤهله للسفر الى نحو 22 دولة حول العالم من دون الحاجة لتأشيرة دخول. وهناك أيضًا سبب آخر قد يكون له دلالة أعمق، “فالجواز الأرميني محترم في أكثرية دول العالم”، على ما يقول فاسكان.
نايري (الإسم يعني نور بالعربية)، أمينة السر في المكتب التابع لمتحف بيت كيليكيا في أنطلياس، لم تكتف فقط بالحصول على الجنسية وجواز السفر الأرميني، بل استحصلت أيضًا على بطاقة الهوية الأرمينية، وقد تطلب ذلك منها السفر الى أرمينيا حيث قصدت مسقط رأس أجدادها. لكنها لا تفكر بالعودة النهائية الى أرمينيا، “الأحوال الاقتصادية صعبة جدًا هناك”، بحسب قولها.
الفتاة العشرينية رافقتنا بتكليف من أمين وحافظ المتحف الأب تاتول، خلال الجولة في أرجاء كاثوليكوسية الأرمن الأرثوذكس في أنطلياس، التي هي صرح معماري يحتضن كاتدرائية ومكتبة ومتحفاً ونصبًا تذكاريًا لشهداء الإبادة الأرمنية في العام 1915 يتوسطه مجسّم زجاجي يحوي رفات العديد من شهداء المجازر التي نقلت من دير الزور في سوريا كدليل على ما ارتكب من مجازر بحق الشعب الأرمني.
نايري، تحفظ، عن ظهر قلب، تاريخ أرمينيا الكبرى وتسرد بإسهاب مسيرة الموت والعذاب والجوع والعطش التي عانى منها الشعب الأرمني من بر الأناضول باتجاه الصحارى السورية، وصولاً الى لبنان، أرض اللجوء والأمان. تشرح نايري: “للكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية كاثوليكوسيتان: الأولى في أتشميادزين في أرمينيا، والثانية في أنطلياس، ولها بطريركيتان: واحدة في اسطنبول والثانية في القدس، علمًا بأن كرسي بيت كيليكيا هجر مقره الرئيسي في مدينة سيس (كوزان اليوم في محافظة أضنة) التي كانت عاصمة مملكة كيليكيا الأرمنية ولجأ الى لبنان الذي شكل العمود الفقري للشتات الأرمني في العالم.
قبل نزوح الأرمن الى لبنان بين العامين 1920 و 1921 كان العقار الذي تشغله الكاثوليكوسية اليوم عبارة عن مجموعة منازل قديمة شيّدت لإيواء عشرات الأطفال اليتامى، لكن بعد النزوح نظمت حملة لجمع تبرعات، فتم شراء العقار وأقيم فوقه مبنى جديد لمدرسة ومقر للكاثوليكوسية يضم مكاتب إدارية وقاعة استقبال، وذلك في العام 1930، وقد سكب الميرون المقدس على الحجر الأساس لكاتدرائية القديس غريغوريوس المنوّر، الأب الروحي لأرمينيا المسيحية، واحتفل بتكريسها في العام 1940.
وعاء الميرون المقدس هو أول قطعة أثرية تتوسط الطابق الأول من متحف بيت كيليكيا المؤلف من ثلاثة طوابق، والذي تم افتتاحه في العام 1998. وعلى أحد الرفوف تعرض أول زجاجتي ميرون صنعتا في لبنان. المتحف يضم آلاف القطع الأثرية التي تم إنقاذها من سيس ونقلت الى حلب لتصل الى أنطلياس في العام 1930، حيث حفظت الى حين بناء المتحف.
تقول نايري إن بناء مقر كاثوليكوسية بيت كيليكيا الأكبر في أنطلياس تزامن مع إقامة مؤسسات أرمنية متعددة تنظم مختلف شؤون الحياة الداخلية للطائفة، وإن الفضل في حماية الهوية الأرمينية يعود الى الكنيسة التي كان لها الدور المفصلي في الحفاظ على التراث واللغة والثقافة والقومية، إضافة الى رعاية الشعب والإبقاء على تماسكه وتعلقه بالقيم واللغة.
معروضات المتحف تختصر تاريخًا يمتد الى أكثر من 1700 عام بدءًا من صالة الطابق الأول التي تحوي كنز الذخائر المقدسة والعلب الخاصة بها، ومنها ذخائر ذهبية وفضية للقديسين نقولا وسيلفستر والقديسة هيلانة والقديسين يوحنا المعمدان ويعقوب وبطرس واسطفان، الى تحف ومصابيح وأوانٍ وشمعدانات وحرير مطرز يشهد لحرفية الأرمن العالية.
أما أبرز ما يحويه المتحف، فهو نسخة إنجيل “بارتزربرت” التي نسخت في العام 1248، وهي مغلفة بفضيات تمثل أشخاصًا ومشاهد تاريخية دينية، وقطعة من صليب السيد المسيح. واللافت أيضًا حلة للقداس من الحرير الأزرق المطرز بخيوط الذهب ارتداها جميع الذين خدموا برتبة كاثوليكوس بيت كيليكيا منذ العام 1804، وتشكل نموذجًا عن الإبداع الفني الأرمني، خصوصًا المنمنمات التي تحولت الى فن وطني. الى البدلات الليتورجية هناك أيضًا عصي كهنوتية وأسقفية بأحجام وأشكال مختلفة، إضافة الى مسكوكات فضية ونحاسية سكّت في كيليكيا الى جانب أخرى رومانية وبيزنطية وعربية، وسجاد وجداريات.
الطابق الثاني من المتحف خصص للمخطوطات التي تقسم الى أربع مجموعات تعرض فن الكتابة الأرمنية، إضافة الى خارطة كبيرة لأرمينيا مرسومة بالحبر على القماش، علمًا بأن مساحة أرمينيا العظمى تعادل نحو 12 ضعف مساحة جمهورية أرمينيا الحالية.
الطابق الثالث يضم مجموعة تمثل الفن الأرمني الحديث من منحوتات ولوحات فنية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، وجرى ترتيب أعمال الفنانين ضمن مجموعات حسب البلدان التي عاشوا وعملوا فيها.
هم أتوا من أرض الخمسة آلاف كنيسة وبنوا في لبنان وفي كل بقعة من الأرض “أرمينيا جديدة”. أرمن لبنان أو بالأحرى اللبنانيون من أصول أرمنية يحبون أرمينيا لكنهم يحبون لبنان لأنه “شكل الولادة الجديدة للشعب الأرمني”، على ما يقول كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس لبيت كيليكيا آرام الأول كيشيشيان. واللبنانيون استقبلوا الناجين من الإبادة في منازلهم بكرم استثنائي ومثالي.
من برج حمود الى الأشرفية والبدوي وكمب حاجن، ومن أنطلياس الى زحلة وعنجر وجبيل، والى الدورة والفنار والبوشرية، مسيرة شعب مناضل لا ينسى ما حصل، يتشبث بهويته بحثاً عن عدالة ضائعة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]