#adsense

العونيون مسيحيون ينتحرون !! (الحلقة التاسعة)

حجم الخط

إنّ الأحلام السورية لم تقف عند حدّ، وهي لم تتوقف عند حدود ما ارتكبه النظام الجار الشقيّ. ولكون هذه الدولة التي ما فتئت تتدخل وتقحم نفسها بشؤون لبنان الداخلية منها والخارجية، استفادت ولا زالت تستفيد من وضعها الاقليمي لتلعب ورقة لبنان في تشعبّات تجاذبات ملفات تحرّك دينامية سياستها مع كل الدول العربية وكذلك مع دول العالم أجمع.

وكما سبق وذكرت، فإنّ هذا السوري كان له دائما" أدوات يحرّكها في الداخل اللبناني، للتخريب ولخلق المشاكل التي تفوق قدرات الحكومات اللبنانية المتعاقبة، على إعتبار أن جزءا من الحكومة يكون دائما" مواليا" للنظام السوري وهكذا يسهل على الحكم في الشام أن يتدخّل وأن يخرّب وأن يدفع بتسيير الأمور اللبنانية بما يتوافق ومصالحه السورية البحتة.

كان السوري يتحيّن الفرص المناسبة لينقضّ على لبنان، هو مشعل النار، وهو يتقدّم إقليميا" ودوليا" عارضا" نفسه الإطفائي، وهذه خطّة إعتادها الأسد الأب ويسير عليها إبنه من بعده.

وكان الجيش السوري كلّما طرأت أحداث وتطورات أخرجته من منطقة، كنّا نراه يستعجل إحداث تخريب متعمّد للعودة الى المراكز التي أخلاها تحت الضغط الناتج عن التطورات الاقليمية والدولية.

فعلى خلفية الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982، وانسحاب الفلسطينيين بشخص منظمة التحرير وعلى رأسها ياسر عرفات، حضرت هذه التطورات بشكل أرغمت الجيش السوري على ترك الشطر الغربي لبيروت. ومن دون أن ننسى أنّ حرب الـ 100 يوم في الشرقية طردته من المناطق المسيحية الحرّة، وهكذا وجد السوري نفسه أمام خطة جديدة للعودة الى المناطق التي خسرها. ولن يكون له ذلك من دون عملاء في الداخل، وعليه يجب أن يعدّ العدّة لإنتقاء شخصيات موالية له في الشرقية وكذلك في الغربية التي كانت جهوزيتها على المستوى أعلى وأكثر حضورا" نظرا" للظروف التي خلقها السوري تحديدا"، بحيث أخضع الشارع السنّي بقوة البطش والاغتيالات، ولم يكن بحاجة لممارسة الأسلوب ذاته مع الشيعة خاصة بعدما ساهم بخطف الإمام الصدر ليُبعد عن مصالحه أيّ شخصية قد لا تماشيه بمخططاته. ومَن غير السيد نبيه بري رئيس حركة أمل سيكون الرقم واحد في ما يريده السوري، وهو بالفعل ما سوف يقدّمه برّي لأكثر من ثلاثين سنة في خدمة النظام السوري.

أمّا في الشرقية وهي الأهمّ بالنسبة للسوري، مَن هي الشخصية الأكثر حساسية لكي تلعب دور الإزدواج السياسي والأمني والمخابراتي؟ ومَن يمكن الإعتماد عليه ليقلب الطاولة في الشرقية رأسا" على عقب ويسورن الشارع المسيحي العدائي بامتياز لسوريا ؟

في الواقع أسماء عديدة كانت جاهزة للعب هذا الدور، ولعلّ الأمثلة التي يمكن الركون اليها تتخطّى عدد أصابع اليدين، ولكن ليس المهم للسوري مَن يختار؟ الأهم أنّ الشخصية المُختارَة يجب أن تتمتّع بميزات ومواصفات تمكنّها لاحقا" من إنفاذ الدور المطلوب منها؟

وإن تعددت وتشعبّت الأسماء، إلاّ أنّ المواصفات السورية المطلوبة كانت تستوجب ركنين أساسيين بالشخص صاحب المهمة، الركن الأوّل أن يكون مسيحيا مارونيا والركن الثاني أن يكون صاحب إمتياز أمني ـ عسكري. وهكذا ركّز السوريون على إسمين إثنين وجدا فيهما المطلوب، وهما السيد الياس حبيقة الذي كان يشغل مناصب أمنية حسّاسة منذ أن ولاّه الشيخ بشير الجميّل على جهاز الأمن في القوات اللبنانية، والعقيد ميشال عون قائد اللواء الثامن في الجيش اللبناني والطامح لتولّي مراكز قيادية عليا من دون حدود..

ومن الطبيعي القول أنّ خرق الشرقية من قبل السوري أصعب بكثير من خرقه للغربية الذي كان سبق له أن أحكم السيطرة عليها بواسطة ميليشيات كسّرت بعضها بعض وتقاسمت الأحياء في ما بينها ليغدو السوري هو المرجع الأخير لتلك التنظيمات والتي كانت تتلقى الأوامر من الضباط السوريين، بحيث كلّما علت أصوات تدعو لإحلال سلطة الدولة، لجأ السوري الى تحريك المسلحين. وهكذا تتحوّل بيروت الى ساحة للقتال والتخريب والدمار، لتعود الأصوات ذاتها تطلب من السوري وضع حدّ للحروب الصغيرة، وهكذا دواليك. وبذلك أحكم جيش الاحتلال السوري سيطرته على بيروت الغربية، إنما العقبة الأساسية كانت في الشطر الشرقي، أي المناطق المسيحية، أي المنطقة الحرّة، والتي كانت تضمّ أركان الجبهة اللبنانية، والقوات اللبنانية الذراع العسكرية للمنطقة الشرقية. ولم يكن إختيار عون على سبيل الصدفة أو من باب عدم إيجاد شخصيات سياسية أخرى للعب هذا الدور، على العكس، ولكن السوري لاعب بامتياز في الداخل اللبناني، وهو يملك أدّق التفاصيل الشخصية عن معظم المتعاطين في الشأن العام. وعليه، فإنّ الرسالة الأولى التي وجهّها السوريون لقائد الجيش العماد ميشال عون كانت يوم زارها الأخير بعيد تعيينه في منصبه بتاريخ 25 حزيران 1984، حيث التقى عون خلال زيارته تلك عددا من الضباط السوريين ومن بينهم اللواء حكمت الشهابي الذي أزفّ له في أذنيه قائلا": "يا جنرال ستكون أنت رئيس الجمهورية حالما تنتهي ولاية الرئيس أمين الجميّل ". وبحسب معلومات أفاد بها ضابط من رفاق عون أنّ هذا الأخير عاد من زيارته الى الشام مفعما" بالغبطة والابتهاج لدرجة أنه ألمح الى نيته بإطلاقه تسمية جديدة لبيروت، هي بيروت الشام، وهنا دعوني أشاهد وإيّاكم المشاهد الحيّة لتلك الزيارة.


(صورة تجمع عون وخدام وكنعان والشهابي وعدد آخر من الضباط)

قلنا أن الشرقية كانت عاصية على السوريين، بعكس الشطر الغربي من العاصمة التي قبض عليها جيش الاحتلال السوري بقبضة حديدية. ولكن العمل في الأروقة المخابراتية السورية كان يجري بدّقة متناهية لإحداث عملية خرق المناطق الحرّة ومن قبل أركانها المسيحيين. وكان السيد الياس حبيقة الشخصية التي تمّ إختيارها للعب هذا الدور، ولكن يتوجب على حبيقة تنظيف الشرقية وتصفية أيّ مرجعية قد تعيق مخططه. وعليه بدأت التفجيرات داخل المناطق المسيحية بشكل إرهابي ودموي تحصد عشرات من الأبرياء والضحايا، إلى أن حصل الانفجار في منطقة عوكر ـ المتن الشمالي وذلك بتاريخ 13/11/1985، لضرب الذراع السياسية للمناطق المسيحية، وأعني به الجبهة اللبنانية التي كانت تضمّ معظم قادة الأحزاب المسيحية وعلى رأسهم الرئيس الأسبق كميل شمعون عبر متفجرة بلغت زنتها أكثر من 400 كيلوغرام من المتفجرات، إلاّ أنّ القدرة الالهية ساعدت بعدم إستشهاد أيّ من أعضاء الجبهة.

وبعد وصول الياس حبيقة الى قيادة القوات اللبنانية شرع السوريون للإعداد لتحالف ثلاثي قوامه الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل والقوات اللبنانية، وهكذا يكون لبنان أصبح بكافة مكوناته تحت قبضة السوريين. فوليد جنبلاط يمثل الدروز ونبيه بري يمثل الشيعة والياس حبيقة من المفترض أن يمثل المسيحيين، وهكذا بدأ الإعداد لما سميّ لاحقا" "الاتـــفاق الثــلاثـي "، وفي أغلب الظنّ أن العماد ميشال عون كان المشرف على الشق العسكري لهذا الاتفاق الذي يمكن تلخيصه على الشكل الاتي:

" سيطرة سورية مباشرة وكاملة على لبنان "… تاريخ التوقيع ( 28 كانون الأول 1985 ) .

ولكن في الشرقية كان هناك رجال أشدّاء، وفي الشرقية كانت هناك أحزاب مهما قلنا ومهما قيل عنها، دافعت ودفعت أثمانا" غالية للحفاظ على الوجود الحرّ، في الشرقية كان هناك قضية، إسمها لبنان الأول والأخير.

القضية اللبنانية التي لم تبدأ مع بشير ولن تنتهي مع أيّ منّا.. هي قضية أرض وشعب مهما حاول الأقربون والأبعدون السيطرة عليهما لن يتمكن أحد من إخضاعنا ..

اذا" لم تسكت الشرقية على سورنة لبنان، وعلى نقل المسيحيين من السجن الصغير الى السجن الأكبر. ولذلك كان الرأي أن أقرّ برفض الأمر الواقع المفروض من قبل السوريين، وكانت مباركة الرئيس كميل شمعون لعمل عسكري يقلب الطاولة على حبيقة وأعوانه، كما ويقلب الاتفاق الثلاثي للإطاحة به وبمقرراته. وبالفعل قاد سمير جعجع الشق العسكري للإنتفاضة وتوّلى الرئيس شمعون المسار السياسي للعملية، ولم تكد تمضي أسابيع قليلة الا وحبيقة خارج الشرقية وكان ذلك بتاريخ 15 كانون الثاني 1986 . واللافت بعد مضي حوالي 23 سنة من تلك الأحداث والعبارات التي إستعملت من قبل السوريين، عاد هؤلاء وإستعادوها خلال الأعوام الخمسة الماضية، فالسيد عبدالحليم خدام قال على خلفية الاتفاق الثلاثي انه من الضروري للبنان أن تحكمه الشرعية الشعبية، ليعود السيد حسن نصرالله ويستعمل العبارة ذاتها على خلفية خسارته لإنتخابات العام 2009 ..

بعد إزاحة حبيقة وطرده من الشرقية حاولت سوريا العودة بواسطته عبر محاولات باءت بالفشل، ولكن عاد حبيقة مع تسلّم العماد ميشال عون لسدّة رئاسة الحكومة الانتقالية في ايلول 1988 ، كما عادت معه مختلف التنظيمات المحسوبة على سوريا أمثال القومي السوري والبعث وغيرهم.

في الحلقة المقبلة: وأخــيرا" نـجــحت سـوريـا يوم 13 تشرين الأول 1990

لقراءة باقي الأجزاء:          

المصدر:
كتاب

خبر عاجل