
وسط معمعة النقاشات والخلافات المستعرة حول قانون الانتخاب الجديد الذي بات مسألة أكثر من طارئة في ظل نفاذ المهل الدستورية واقتراب لبنان من أزمة فراغ تشريعية قد لا تحمد عقباها، وبعد أن سادت في الأيام الأخيرة أجواء من التفاؤل حول قرب خروج الدخان الأبيض الانتخابي، يبدو أن الأمور عادت لتتعقّد من جديد أمس.
أصدق تعبير عن ذلك أتى على لسان رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط الذي غرّد في الصباح الباكر أمس عبر تويتر قائلاً: من أجل الوصول الى قانون انتخابي توافقي سألتزم بالصمت الاعلامي في هذه الأجواء من الحروب الباردة. وعلى كل الرفاق الالتزام!
لكن النهار كانت سبقت تغريدة جنبلاط الى لقاء مع عضو اللقاء الديموقراطي النائب فؤاد السعد، الذي بدا اكثر من متشائم حيال الطريقة التي تُطرح بها مسألة قانون الانتخاب، ومقتنعاً تماماً بأن الأفرقاء يدورون في حلقات مفرغة، وبالتالي فان العودة الى قانون الستّين تبقى الخيار الأكثر تقدماً!
السعد أكّد في حديثه لـ”االنهار” الكويتية أن لا جديد في موضوع قانون الانتخاب، وقال: لو كان النواب اللبنانيون قادرين على انتاج قانون مختلف عن قانون (الستين) لما كنا انتظرنا منذ العام 1960 حتّى اليوم للبحث في كيفية انتاج قانون انتخابي جديد، وأكبر دليل على هذا الكلام هو حال العجز الحاصل في سياق محاولات التوافق على قانون جديد.
واذ أكّد السعد أن النسبية غير قابلة للتطبيق في هذه المرحلة، أما مجلس الشيوخ فحال الأفرقاء معه كالسحر، كثيرون كان يطالبون به وعندما تم طرحه بصورة جدية هم أنفسهم رفضوه، لفت الى أن طرح انشاء مجلس الشيوخ في هذه المرحلة زاد التعقيدات والخلافات حول التقسيم والتوازنات والصلاحيات وغيرها.
وعن موقف جنبلاط من النسبية قال السعد ان وليد جنبلاط لن يورّط نفسه في كلام حول النسبية أو غيرها، وعندما يصبح البحث جدياً في قانون محدد دون سواه، فان جنبلاط لن يقف حجر عثرة في طريق التوافق حوله بالتأكيد، معتبراً انه في هذه المرحلة ثمة مجالاً للعودة الى قانون أكثري جديد، وثمة مجال لاجراء الانتخابات على أساس (الستين) كما أن التمديد للمجلس الحالي ما زال وارداً رغم كل ما يحكى عن رفضه.
ورداً على سؤال حول موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الرافض للتمديد قال السعد: ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الرئيس بري موقفاً مبدئياً ثم يعود عنه اذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك، وبين الفراغ والتمديد لا شك بأن الرئيس بري سوف يختار التمديد.
أما بالنسبة لحقوق المسيحيين وصحّة التمثيل، فقال السعد: إن التشديد على مبدأ انتخاب كل طائفة لنوابها يلغي كل امكانية لتوافق بين الافرقاء ويعمّق الخلافات الطائفية في البلد، وشدد على أن أي قانون جديد يجب أن يرضي الجميع كطوائف وفئات سياسية واجتماعية، لافتاً الى أن الواضح حتّى اللحظة هو أن الأفرقاء يدورون في حلقات مفرغة وبالتالي فان العودة الى قانون الستّين تبقى الخيار الأكثر تقدماً!
السعد رأى ان قانون الستّين يبقى الأنسب في ظل استحالة فرز اللبنانيين طائفياً ومناطقياً، وذلك بفعل التداخل السكاني الكبير بينهم، واعتبر أن ما يحكى عن عدم صحّة التمثيل في ظل قانون الستّين غير صحيح لأن الفئات غير المتمثلة في البرلمان يبقى حجمها محدود جداً جداً ضمن النسيج الاجتماعي اللبناني. ورداً على سؤال حول اتهام جنبلاط بالسعي للابقاء على قانون الستّين للحفاظ على كتلته النيابية، أكّد السعد أن وليد جنبلاط ليس بهذا الوارد ولم تكن المقاعد النيابية عقدة أساسية في تفكيره يوماً، ولن تكون، خصوصاً أن حجمه السياسي ودوره لا يقاسان بنائب او اثنين او ثلاثة زيادةً او نقصاناً من كتلته البرلمانية، مشدداً على أن ربح أي حزب او خسارته السياسية لا تقاس بحجم كتلته النيابية بل بالدور الذي يلعبه على المستوى الوطني العام.
ورفض السعد الحديث عن عدم أهلية النواب المسيحيين المنضوين تحت لواء اللقاء الديموقراطي لتمثيل المسيحيين ككل في لبنان، فاعتبر أن المعركة المفتوحة اليوم باسم حقوق المسيحيين هدفها تأمين مصلحة أحزاب مسيحية معيّنة تسعى لتضخيم حجم كتلها النيابية، وليس مصلحة ابناء الطائفة المسيحية ككل، لافتاً الى ان هذه المعركة لن تؤدي الا الى تحييد المستقلين المسيحيين عن الندوة البرلمانية وحصر التمثيل المسيحي باحزاب معينة.
واذا استبعد حصول توافق حول القانون الانتخابي في الايام القليلة المقبلة، توقّع السعد ان يضطر الجميع في نهاية الأمر للعودة الى قانون الستّين مع ادخال بعض التعديلات عليه لتجميله بحيث يحظى بموافقة الغالبية عليه، ورأى أنه اذا استمرت الاوضاع على ما هي عليه اليوم فمن الصعب ان يقف لبنان على قدميه مجدداً كما يتفاءل البعض، خصوصاً أن الفساد خرب كل شيء فيه، لافتاً الى أنه في زمن الحرب كان الفساد خجولاً أما اليوم فأصبح جهاراً، وكان عاراً فأصبح شعاراً، ومستغرباً الوقاحة اللبنانية في ممارسة الفساد السياسي، خصوصاً في ظل المجاهرة بتقاسم مقدرات البلد، في حين أن لبنان لديه التزامات دولية يمعن سياسيوه بتجاوزها بصورة دائمة دون أن يرفّ لهم جفن كمن يتسلّى بتفكيك البلد وتدميره.