عن نظرتين "خشبيتين" !
أظهرت الأصداء التي تركتها زيارة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري لدمشق مفارقة غريبة في بعض جوانبها باتت تستأهل معاينة عن قرب، وهي ان ثمة نظرة هرمة وموغلة في "التخشب" لدى بعض حلفاء سوريا في لبنان يتشاركون فيها مع بعض الدوائر الغربية السياسية والاعلامية في التعامل مع الواقع اللبناني. هذه المشاركة "الخشبية" برزت على نحو واضح مع لهفة هؤلاء "الحلفاء" الى التبشير بأن الزيارة ستؤدي الى "عزل" فريق مسيحيي 14 آذار تحديداً واعتبار انه اضحى فريقاً يتيماً محاصراً في جزيرة "عدائه" لسوريا، في موازاة اندفاع "نادر" لبعض المعلقين الغربيين استفاقوا على لبنان بعد طول سياسات ليبشروا بدورهم بعودة النفوذ السوري اليه من الباب العريض.
والحال ان هاتين النظرتين تظهران في أقل الحدود اما قصوراً هائلاً في فهم المتغيرات اللبنانية منذ خمسة اعوام على ما تكشفه بعض الاستنتاجات الغربية الاعلامية والسياسية المتسرعة، واما تحجراً عدائياً متخلفاً وضيّقاً ومحدود الافق كما لدى بعض الحلفاء اللبنانيين لسوريا.
فالخلاصة الاولى تبدو على كثير من السذاجة والتبسيط القريبين من الجهل تماماً لمجرد حديثها عن "عودة النفوذ السوري"، على غرار ما اوردته مقالة في الـ"نيويورك تايمس" مثلاً. هذا "النفوذ" لم يغادر لبنان ولم يبارحه اصلاً لكي يعود، ولا يمكن الحديث عن عودة مقيم اصلاً. ما فارق لبنان منذ خمسة اعوام كان عامل "الوصاية" المباشر، عسكرياً ومخابراتياً مع سائر المشتقات والظواهر. اما النفوذ فهي مسألة تتصل بموقع سوريا الاقليمي القادر على الاستمرار في التأثير المباشر والضمني على الوضع اللبناني وكذلك بوجود قوى اساسية مرتبطة بسوريا ويكاد ارتباطها يوازي درجة الولاء التام لها على ما تمثله حالة "المعارضة" اللبنانية واقعياً. وهذا النفوذ نفسه تعرض لهبوط وصعود أسوة بما تعرض له لبنان برمته من موجات عقب انسحاب سوريا منه في نيسان 2005. ولكن وفي مطلق الاحوال، فإن نفوذاً مقنعاً يشبه "الخلايا النائمة" او نفوذاً معلناً وسافراً لا يبرران الجهل بهذه الحقيقة والتغافل عنها ثم العودة اليها مع الزيارة الدراماتيكية للحريري لدمشق.
اما الخلاصة الثانية المتصلة بأحلام الحصار والعزل والاستهداف في حق فريق مسيحيي 14 آذار فتفضح السذج من اصحابها لانها تعتمد قاعدة متآكلة ومهترئة هدفها الاجهاز على فريق الاكثرية من الداخل. تصور هذه النظرية الرئيس الحريري ضمناً كأنه "مفرط" بالثوابت ومنضم الى فريق الحمائم تاركاً "صقور" 14 آذار على رصيف التهميش بعدما التحق بقطار المصالحات السورية – السعودية والمتغيرات المتهافتة على المنطقة العربية والمحيط الاقليمي. كما تصوّر في المقابل فريق الصقور المسيحيين كأنه من اهل الكهف، لا يرى ولا يسمع ولا يشاهد ولا يتكيف مع المتغيرات. في مكان معين، ربما تشي النظرة الخشبية هذه بتطبع خشبي وبخشية لدى هؤلاء انفسهم من ان "تنزلق" العلاقة اللبنانية – السورية الى مرتبة متغيرة فعلاً تودي بضحايا واثمان سياسية لدى الحلفاء انفسهم. ليس ادل على ذلك من ان احد اقرب الحلفاء السياسيين لسوريا، النائب سليمان فرنجية، تميز برؤية مختلفة تماماً فاضحاً بعض انداده من الحلفاء ممن لا يزالون يقبعون في احلام الانقضاض على بقايا "الانعزاليين".
من هاتين الزاويتين تماماً تغدو متابعة ترددات الزيارة امراً بالغ التشويق والاثارة، مما يؤكد ان الزيارة كانت رأس جبل الجليد وتتمّاتها آتية على الطريق.