لقاءات الاسد ــ الحريري : تطمينات ضرورية تعزيزاً للوحدة العربية
رئيس الحكومة يؤسس لعلاقة الواقع مع سوريا والممكن للبنان
جعجع مؤيداً… لثقته بحليفه وتفاهمهما المشترك… وحماية لمضمون الطائف
بعدان استراتيجيان حملتهما زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الى سوريا بعيدا عن مظهرها الشخصي بمداه السياسي الذي ترجم في اللقاءات المتكررة والنوعية بين الرئيس السوري الدكتور بشار الاسد ورئىس الحكومة سعد الحريري.
ففي بعدها اللبناني تأتي زيارة الرئيس الحريري الى سوريا من موقعه الثلاثي الابعاد الموزع بين رئاسته الحكومة وزعامته للطائفة السنية ومحوريته السنية ومحوريته في قوى الغالبية والى جانبه حليفه رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، ام في قوى 14 آذار والى جانبه الاخر رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع.
والرئيس الحريري ذهب الى سوريا من موقع مختلف وليس على غرار غير مسؤولين تدرجوا في مناصبهم زمن وجودها، بل بعد سنوات من العمل السياسي وتحالفات ثابتة وانتخابات نيابية اعادت لقوى الغالبية حضورها في المعادلة.
وحملت زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الى دمشق رسالة واضحة اتت ترجمة لمواقف حلفائه بأن لبنان دولة وشعبا ورغم عدم وجود الوصاية حريص على علاقة وطيدة مع سوريا لجملة اعتبارات تتوزع بين الواقع الجغرافي والمصير المشترك في الصراع العربي ضد اسرائىل وان لبنان لن يكون في موقع العداء لدمشق خصوصا وان امكانياته لا تؤهله لهذا الدور حتى لو اراد…
وفي البعد الاقليمي للقاء الاسد- الحريري الذي حضرت له المملكة العربية السعودية، رسالة واضحة بأن وحدة الصف العربي هو حاجة وضرورة وان كل ابواب طمأنة دمشق مفتوحة امامها بهدف تعزيز هذه الرؤية واشعار سوريا بأن الحضن العربي الواسع بانتظارها في موازاة التمايز عن ايران في سياستها الحالية في المنطقة العربية وملفاتها.
وانه في كلا البعدين يبقى الترفع عن الجراح مسؤولية فائقة لأن استدراك التطورات الساخنة تتطلب رص الصف الذي ترعاه السعودية منعا لتضرر من سيكون خارجه على خلفية المواجهة الاميركية – الايرانية المرتقبة ان تبدأ اقتصاديا…
وفي المقابل اظهر الرئيس السوري لضيفه اللبناني رغبة واضحة بفتح صفحة جديدة كان مدخلها الحفاوة التي احاطه بها لكنها لم تلق الغوص في جوهر المواضيع العالقة التي طغت عليها الهموم العربية التي تدفع نحو تجاوزها في الوقت الراهن والعمل على متابعتها بهدوء بما يؤشر لبداية صفحة جديدة في العلاقة بين الدولتين ستظهر فيها سوريا تجاوبها ويجد لبنان ذاته على خط التقدم في التجاوب معه حيال الملفات العالقة.
وان كان رئىس الحكومة سعد الحريري وفق اوساط مراقبة لا يحمل في مسيرته ومواقفه ما يدعو للحذر من تناسيه شعارات سياسية كان قد رفعها منذ ان فرض عليه استشهاد والده الرئىس رفيق الحريري اكمال مسيرته فإن المواقف التي اعلنها من سفارة لبنان في سوريا وما تبعها حتى الامس تدل بوضوح بأن هذا الرجل باق على شخصيته ولم يدخل منظومة «التدجين» كما غيره من السياسيين.
وقد جاء موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير المؤيد لهذه الزيارة ليعطيها زخما سياسيا وحتى بعد حصولها في حين كان موقف رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع المرحب فيها يدخل في سياق المنطق السياسي الذي يتعاطى به مع كبرى الملفات بعقلانية بعيدا عن اسلوب تحقيق النقاط.
فكما ان رئيس الحكومة هو «ابن» قضية ومن اجل استكمال خطواتها السيادية زار دمشق فإن الدكتور جعجع كونه ايضا «ابن» قضية دفع من اجلها سنوات من الاعتقال السياسي، يجد بأن استكمال التضحية من رئيس الحكومة تشكل زيارة دمشق احدى محطاته.
فكان الموقف الصادر عن رئيس الهيئة التنفيذية للقوات، داعما للزيارة ومظللاً لها من موقعه المحوري للقوى المسيحية في 14 آذار.
وقد جاء موقف الدكتور جعجع السابق او اللاحق للزيارة في خانة تدعيم منطق العلاقة بين الدولتين اقله في الحد الادنى الممكن، بحيث اتى الكلام الصادر ليؤكد على وحدة الرؤية الاستراتيجية للرجلين ومتانة التحالف.
فالقوات هي واقع سياسي وشعبي وضعها الدكتور جعجع على خط دعم الدولة ومؤسساتها لقناعته بان الدولة القوية هي التي تحمي المسيحيين وليس اي قوة خارجية كما يسعى البعض لتصويره على حساب السيادة والكرامة والتاريخ، وبذلك كان داعماً لزيارة الرئيس الحريري ليس فقط من موقعه التحالفي بل لموقفه الثاني في هرمية السلطة وقدرته على تولي هذا الدور.
وفي سياق تنظيم سوريا لعلاقتها مع لبنان على كافة الاصعدة، وبعد لقاء المصالحة بين الرئيسين الاسد والحريري، ثمة توجه رئاسي سوري لضبط ايقاع التواصل بين الرئيسين اللبناني العماد ميشال سليمان، والسوري الدكتور بشار الاسد.
فابان الزيارة «الخاطفة»للرئيس سليمان الى سوريا، استعرض مع نظيره السوري خمسة اسماء لاختيار واحد منهم ليتولى دور التواصل المباشر بينهما استدراكاً لمحاذير الاتصالات الهاتفية والتنصت.
فكان اختيار الرئيس الاسد للوزير الاسبق ميشال سماحة، من بين الاسماء التي توزعت بين وزير حالي، شقيق رئيس الجمهورية المحافظ انطوان سليمان، مسؤول امني فاعل، والنائب الاسبق ناظم الخوري.
وقد اتى اختيار الوزير الاسبق سماحة ليس لكونه فقط في دائرة القرار السوري فيما خص لبنان، بل لانه تمكن من دوزنة العلاقة الوطيدة بين الرئيس الاسد وبين النائب العماد ميشال عون.
فقد تمكنت قوى 8 آذار، بعد خشيتها من اعتماد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، لافكار قوى 14 آذار في اجتماعات واشنطن، بعد الحملة الاعلامية التي شنتها على الزيارة من دفعه لتبني مواقف هذا الفريق في مداولاته، وهو نهج وجدته هذه القوى ناجحاً في عدة محطات لعلمها بطبيعة وشخصية رئيس الجمهورية وهو اسلوب قد يستمر بعد ان سقطت عن رئيس الجمهورية صفة «التوافق» على خلفية التحالفات النيابية التي نسجها من خاضوا الانتخابات على اسمه متحالفين مع قوى 14 آذار، وبذلك فان قوى 8 آذار وفق المعلومات سترفع من وتيرتها تجاه رئيس الجمهورية العماد سليمان، من اجل دفعه للتقارب معها اكثر.
لكن في ظل هذا الواقع يسعى رئيس الجمهورية، للاستمرار في عهده بعد جملة محطات وكأنه ما زال على الزخم الذي بدأه بعد تلاقي القوى على ايصاله على قصر بعبدا، لكن في ظل الواقع السياسي الراهن يشكل تواجد عدد من الوزراء من الذين هم من حصته اسوة بنائب رئيس الحكومة وزير الدفاع الياس المر زخماً له ولعهده شعبيا وسياسياً قياساً الى موقعه وكذلك يضاف ما لدى وزير الداخلية زياد بارود من احترام يصرف لصالح العهد الى جانب نظيره المر.
لكن في ظل هذا الواقع، بدأت تحضيرات خلافة العهد منذ اليوم، ليس فقط بسبب سقوط صفة التوافقي، ولا لان رئيس الجمورية يوزع الاوسمة على غرار ما كان عليه سلفه الرئيس العماد اميل لحود في نهاية عهده بل لان تحركات عدد من الطامحين بدأت تدل على ذلك وان ما تناهى حول ما قيل في اللقاء الذي قيل في الخلوة بين الرئيس الاسد وبين قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي حول الافاق السياسية المفتوحة للقيادة العسكرية في لبنان…تدفع للتعاطي مع الاستحقاق الرئاسي وكأنه قريب جداً.