#adsense

المطران مارون ناصر الجميل لـ”المسيرة”: موارنة أوروبا جسر عبور بين الشرق والغرب

حجم الخط

باريس –  كتبت د. ميراي أبو شهلا في  “المسيرة” – العدد 1614:

ما هي المهمة التي يحملها راعي أبرشية الموارنة في فرنسا والزائر الرسولي على أوروبا المطران مارون ناصر الجميل؟ كيف بدأ عمله هناك ليجعل من الحضور المسيحي الماروني والمشرقي حالة متفاعلة مع محيطها الواسع ويحولها الى جسر عبور ثقافي وديني بين المسيحية المشرقية والمسيحية الأوروبية، وبين الشرق المسلم والغرب المسيحي؟

في هذا الحوار مع «المسيرة» يسلط المطران الجميل الضوء على مهمته التي يحملها بتكليف من كنيسته المارونية ومن كنيسة روما.

ما هي برأيكم الحيثيات التي دفعت البطريركية المارونية الى إنشاء أبرشية لها في أوروبا متخذة من باريس مقراً رسمياً لها؟

إن الحرب التي دارت رحاها في لبنان وأرخت بظلالها فاتكة بالبشر والحجر، تركت آثاراً لا يمكن وصفها أو تقييمها إلا بالسلبية على الوطن الأم وعلى أبنائه المنتشرين في بلاد الاغتراب:

  • على الوطن الأم: هجرت الأدمغة واليدالعاملة موطنها الأصلي باحثة عن الطمأنينة والسلام في بلدان الاغتراب عامة، حيث يقدّر الإنسان لذاته ويكتسب الحقوق التي طالما حلم بالتمتع بها في دولته… وهذا ما شكّل عامل جذب للكثير من اللبنانيين للاستقرار في فرنسا.
  • على الأبناء المنتشرين في بلاد الاغتراب: ترافقت حسرة البعد القسري عن الجذور اللبنانية، مع عتب كبير على الطاقم السياسي من جهة وعلى الطوائف الأخرى من جهة ثانية:
  • الطاقم السياسي: تمثّل العتب على الفريق السياسي بعدم إيجاد الحلول الناجعة للأزمة اللبنانية من جهة اولى، والاهتمام الخجول بهؤلاء المغتربين الذي اقتصر على تعيين السفراء والقائمين بالأعمال من دون المتابعة الحثيثة لقضاياهم والاطلاع على مشاكلهم ومعالجتها من جهة ثانية.
  • الطوائف الاخرى: انطلاقاً من المنطق اللبناني، لم يشعر الفريق المسيحي المشرقي الذي طالما كان رائداً في إظهار أصالته ودعوته ودوره الانفتاحي على كافة الأديان السماوية من إسلامية ويهودية بذلك الاحترام والتقدير المتبادل المحفّز على المضي قدماً معهم جنباً الى جنب.

وعت السلطة الكنسية هذا الواقع الذي ترك جروحاً جسيمة في قلب الوطن والمواطنين على حدّ سواء، لذلك عملت جاهدة على جمع شعب الله المسيحي الماروني في كنفها الأبوي، لا سيما وأن جميع المقوّمات المطلوبة لتأسيس مطرانية توافرت في فرنسا التي تجمعنا بها علاقات تاريخية وثقافية قديمة ومتينة، يمكن اختصار هذه المقوّمات المزدوجة بـ: المطالبات الكنسية المتلاحقة، وانتفاء الأسباب اللاهوتية المانعة من تأسيس مطرانية في أوروبا:

  • المطالبات الكنسية المتلاحقة: لم تنفك الكنيسة منذ القرن التاسع عشر ولغاية العام 2012 على لسان بطاركتها عن المطالبة بتأسيس أبرشية في أوروبا وخاصة في فرنسا، حيث يفرض التواجد الماروني النوعيّ والكميّ إيجاد الأطر المناسبة للحفاظ عليه وعلى طرق عيشه.
  • إنتفاء الأسباب اللاهوتية المانعة من تأسيس أبرشية مارونية في فرنسا: خلافاً لما نعهده في الشرق، تمنع القوانين الكنسية وجود أسقفين كاثوليكيين على نفس الرقعة الأوروبية… ولكن مع إنتفاء هذه القوانين بتراجع المحافظين عليها أصدر البابا بنديكتوس السادس عشر مرسومين قضى أولهما بتأسيس الأبرشية المارونية في فرنسا في 21 تموز 2012، أما ثانيهما فقضى بتعييني كأول مطران على هذه الأبرشية الناشئة. وهنا لا بد من التنويه بأن العناية الإلهية هي التي تسيّر خطواتنا منذ تسلّمنا زمام الأمور في 30 أيلول 2012 ولغاية اليوم… أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر شراء غبطة البطريرك مقرّ المطرانية في Meudon بمبنى أطلق عليه سابقاً اسم Villa des cèdres ونحن لم نضف عليه فقط سوى إسم بيت مارون.

ما هي المعايير الكنسية والعلمية والشخصية التي يتم الاستناد إليها لتسمية الأسقف بشكل عام وما هي خصوصية تسمية مطران فرنسا؟

سأسمح لنفسي بالإجابة على هذا السؤال من منظارين: المنظار البشري، والمنظار الإيماني البحت.

  • المنظار البشري: وإن كانت تشوب هذا المنظار في بعض الأحيان حسابات ضيّقة تغلّف بعدم الثقة أو عدم الثبات، أو عدم اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب في بعض الأحيان. إلاّ أن هذا المنظار تحكمه منطلقات معيّنة لا بد من مراعاتها وفقاً لمتطلّبات الأبرشية وعملها… فما حفّز انتخابي من قبل مجلس المطارنة وغبطة البطريرك عاملان شكليان يختصران بإلمامي باللغة الفرنسية ومعرفتي بثقافتها المتطوّرة أبداً ودائماً والتي اختبرتها كطالب طيلة ثماني سنوات على المقاعد الدراسية في فرنسا من جهة، وموضوع دراستي العليا أو أطروحتي الجامعية بعنوان «التبادل الثقافي بين الموارنة وأوروبا» من جهة ثانية .
  • المنظار الإيماني: إنني أؤكد من هذا المنظار أن للعناية الإلهية تدبيرها الخاص الذي أعدّني لتولي هذه المسؤولية وتجسيد كل ما نهلته من معارف حول الأبعاد الدينية والثقافية للموارنة في فرنسا من موقعي هذا الذي أتمنى من خلاله أن أعبّر عن جزيل امتناني وشكري للعنايتين الإلهية والبشرية اللتان أهّلتاني لتنكّبي مسؤولياته .

كيف تصفون اليوم علاقة الكنيسة المارونية مع الكنيسة اللاتينية ذات الحضور الذي اختصر بذاته لوقت طويل الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا قاطبة على المستويات كافة، عنينا بها الإدارية والقانونية والليتورجية؟

يمكن توصيف العلاقة بين الكنيستين المارونية واللاتينية بالقديمة الجديدة.

العلاقة القديمة تتمثل بانتماء هاتين الكنيستين ذات الجذور الأنطاكية الرسولية الى العائلة الكاثوليكية الكبرى التي يرأسها الحبر الأعظم، وباستقبال الكنيسة اللاتينية مشكورة لشعوبنا في فرنسا من عهد الملك لويس التاسع، وإيفاد مرسلين الى لبنان للتعليم وإزكاء شعلة الإيمان في النفوس.

أما من حيث العلاقة الجديدة، فإن هذه الشريحة من الغرب المطبوعة بوصمة التطوّر والانتظام تكتشف هذه الشريحة من الشرق: المتساوية معها في الحقوق التقريرية والانتخابية في الاجتماعات العامة لمجلس الأساقفة الفرنسيين، والتي تعقد دورياً في Lourdes مرتين في السنة، والمتميّزة من حيث الليتورجيّة والطقوس والأداء الذي تطبعه العفوية والحرارة، والمتمسكة بالإيمان بشكل قوي، والمعلنة عنه، والممارسة له، ولو كانت تقارب في بعض الأحيان السطحية.

إن هذا التفاعل البنّاء الإيجابي بين الكنيستين، إنما هو عامل إغناء واغتناء لكليهما ثقافياً ودينياً؛ إنما هو عامل تأكيد أن المسيحية شرقية بالأساس ولكنها تطورت في الغرب وهذا مجال افتخار مشروع؛ إنما هو عامل تسليط للضوء على ما مثّله عيشنا لمسيحيتنا والمحافظة عليهاعلى مدى 1400 سنة في محيط إسلامي واسع.

كيف تثبتون اليوم البعد الليتورجي الماروني في المجتمع الفرنسي العصري، على الرغم من اختلاف اللغات وتنوّع الطقوس بما فيها النصوص والألحان؟

تحديات كثيرة تعيشها كنيستنا اليوم منها ما يتعلّق بشعبنا الماروني المنتشر على رقعة جغرافية كبيرة تفصل بينها مسافات طويلة داخل البلد الواحد، وبعيشنا مسيحيتنا وفق المفهوم المديني البعيد كل البعد عن المفهوم «الضيعجي» إذا صحّ التعبير، حيث سماع صوت جرس الكنيسة كاف وحده لاستقطاب المؤمنين، وبالزيجات المختلطة والمشتركة، وعدم معرفة وإتقان الجيل الفتي للغتين العربية والسريانية.

هذه التحديات فرضت علينا مواكبتها مع المحافظة على الأصالة، أي الإبقاء على نفس الألحان الشرقية السريانية الممثّلة لحضارتنا وثقافتنا في القداس الماروني والصلوات والنوافير والرتب لاحقاً من دون أن تفقد معانيها وجوهرها.لذلك بدأنا وكندا التي تعيش نفس التحديات اللغوية ورشة ترجمة تستكمل رويداً رويداً للوصول إلى خواتيمها… وبطبيعة الحال سنبدأ باختبار وتقييم هذا العمل قبل تعميمه واعتماده بشكل نهائي على المجموعة المسيحية المارونية الناطقة والمصلّية بالفرنسية، سواء في كندا أو في الأبرشية المارونية في فرنسا.

لِمَ شكلت علاقة البطريرك «إرميا العمشيتي» مع المجمع اللاتراني محط اهتمام مميّز في إطار بحثكم الدؤوب في التاريخ الكنسي الماروني؟

يرتدي هذا الموضوع التاريخي التأريخي أهمية مزدوجة إن من حيث التأكيد على الوجود المسيحي في الشرق، وإن من حيث تزامن الأعجوبة التي حصلت مع البطريرك إرميا العمشيتي وتسليط ضوء المجمع اللاتراني آنذاك على أهمية «الإفخارستيا»:

  • التأكيد على الوجود المسيحي في الشرق: شكلت دعوة البطريرك إرميا العمشيتي إلى روما في زمن الحكم الصليبي الذي بدأ عام 1099 دلالة واضحة على تأكيد الوجود الكاثوليكي في الشرق من ناحية، وعلاقة مميّزة في تاريخ الكنيسة المشرقية المارونية على مستوى المشاركة التاريخية الأولى في المجمع اللاتراني عام 1213 الذي ترأسه البابا نيقولاوس الثالث، وهذا ما تؤكده وثائق هذا المجمع حتى يومنا هذا.
  • تزامن الأعجوبة التي حصلت مع البطريرك إرميا العمشيتي واهتمام المجمع اللاتراني آنذاك بتسليط الضوء على «الأفخارستيا»: على جدول أعمال المجمع اللاتراني المنعقد آنذاك مواضيع كثيرة منها ما يتعلق بالوجود الصليبي في الشرق وعلاقاته بالكنائس والتنظيم الأوروبي، ومنها ما يتعلّق بالشؤون الكنسية واللاهوتية وتحديداً سر «الأفخارستيا» ودورها في حياة الكنيسة وأبنائها.وشاء التدبير الإلهي أن تتجلّى تلك الأهمية ظاهرة للعيان خلال قداس البطريرك إرميا العمشيتي في كنيسة Santa Maria Maggiore في روما وفقاً لما جرت عليه العادة، وبحضور رأس الكنيسة ولفيف الكرادلة وحشد كبير من المؤمنين، حيث بقيت القربانة ثابتة في الهواء بعد التكريس.ويروى حينها أن تلك الأعجوبة خلّدت لوحة فنية من قبل أحد الرسامين في الطابق الثاني من كنيسة يوحنا اللاتراني.

بناءً على ما تقدّم ونزولاً عند رغبة وحماس السيد فادي أبو داغر المسؤول عن المركز الثقافي الماروني في لبنان، زرنا إيطاليا للتثبّت من وجود تلك اللوحة إلا أن الحريق الذي اندلع في الطابق الثاني من كنيسة مار يوحنا اللاتراني حيث كانت موجودة، أدى الى تلف عدد كبير من اللوحات التي نقلت إلى الأرشيف الفاتيكاني.فما كان منا إلا ان قدمنا طلباً للتثبّت من وجودها أقلّه على اللائحة المعدة للأرشيف.

هل يختصر مشروع Saint Pé de Bigorre المقوّمات الأساسية للوجود على المستوى الرهباني الإكليريكي، والبقاء على المستوى المادي المعيشي، والاستمرار على المستوى القومي أي الهوية الخاصة؟

إذا كان التجسّد ضرورة لتمكّن الله من محاكاة البشر، فإن الكنيسة والارتباط بالأرض ضرورتان حتميتان لوجود الديانة، كما أن الجغرافيا ضرورة لوجود التاريخ. انطلاقاً من هذه المبادئ، كان السعي الدؤوب لإيجاد موقع جغرافي جاذب نعيش فيه إيماننا المسيحي، ونعيد فيه جمع أو «عجن» إذا صحّ التعبير شبيبتنا وشعبنا الأوروبي الماروني مع كنيستهم، وننفتح من خلاله على كل مسيحيي الشرق للتأكيد بأننا نشكل معاً دعامة للحفاظ على العيش والارتباط الإيماني إرث الأجداد وأمانة الأحفاد.

وفعلاً وجدنا هذا المكان على مقربة 9 كلم من ثالث موقع حجّ مريمي عالمي بعد مزار Guadalupe وروما.هذا المكان الذي أطلقت عليه اسم Maison Maronitede la Mèrede la Miséricorde والذي يضم عشرة أبنية، ومساحات خضراء سيمكّنالرهبان من العيش على غرار الأسلاف في العمل الزراعي وممارسة واجباتهم الروحيّة، وسيتيح للحجاج الذين يتوافدون لزيارة Notre Dame de Lourdes الحصول على تنشئة روحية مريمية تربطهم بتراثهم المشرقي، وسيسمح لـ Télé Lumière  بتغطية كافة النشاطات الرعوية من سيدة لبنان المجاورة لسيدة Lourdes .

في بلد كثرت فيه الذرائع لتغيير وجهة استعمال كنائسه ببيعها تارة أو تحويلها لمرافق تجارية وسياحية طوراً. كيف تتصدّون اليوم لهذا الواقع من جهة، وهل ستتمكنون على الرغم من الإمكانيات المادية المتواضعة من تملّك تلك العلامة الظاهرة لوحدة أبناء الكنيسة؟

نحن نعيش اليوم خبرة المسيحيين الأوائل، حيث يتم التركيز على الشعب وليس على ما نملك من مؤسسات او كنائس، لا سيما أن عدد هذه الكنائس لا يتجاوز الثلاث، واحدة في باريس نتملّكها من مئة وسنتين وهي كنيسة  سيدة لبنان التقليدية واثنتان أخريان في ضواحي باريس، وهما: كنيسة Surennes Saint Charbel للرهبنة البلدية، Alfortville التي تمكنت من تأسيسها لاحقاً.

يعزى عدم امتلاكنا للكنائس في فرنسا الى عدة أسباب يختصر أولها بالإمكانيات المادية شبه المعدومة، وثانيها الى ارتفاع كلفة شراء كنيسة داخل باريس حيث يوجد التجمع الماروني الأكبر، وثالثها إمكانية إيجاد كنيسة بعيدة عن دائرة تجمع المؤمنين بسعر زهيد وصعوبة إيجاد كنيسة في هذه الدائرة بسعر مقبول.وعلى الرغم من هذا الواقع المعضلة الذي نتخبّط فيه ، إلاأننا تمكّنا وبفضل المساعدة المشكورة للكهنة والمطارنة اللاتين من تأمين القداديس لشعبنا المؤمن وفق جدول زمني محدد بمشاركة إخوتنا اللاتين في الذبيحة الإلهية أحياناً، وبشكل منفرد أحياناً أخرى.

نأمل اليوم وبفضل محسن كبير وفي وقت قريب جداً، أن نتمكن من شراء كنيسة تكون محطّ جذب واستقطاب للموارنة في فرنسا.

إنطلاقاً من المهمة الثقة التي أولاكم إياها الحبر الأعظم كزائر رسولي، كيف ترون الواقع؟ وتسعون إلى معالجة مكامن الضعف أو الخلل فيما إذا وجدت على صعيد الدعوات الكهنوتية أو على صعيد تمتين الروابط اللغوية والثقافية والتربوية مع البلد الأم لبنان من جهة، وداخل أبناء الأبرشية الواحدة في فرنسا من ناحية أخرى؟

بناء على تكليفي الصادر من الحبر الأعظم Benedictus XVI كزائر رسولي على أوروبا قاطبة بعدما اقتطعت فرنسا من هذه الزيارة لدى تنكّبي مسؤولية رعاية الشعب الماروني المؤمن فيها كمطران، وما ترتّب عليها من إنشاء أبرشيات، والبدء بتأسيس الرعايا، واستقدام وسيامة كهنة لديهم الخبرة الأوروبية ما يكفي ليتمكنوا من التعاطي الإيجابي مع الشعب الموجود هنا.سعيت وانطلاقاً من التكليف البابوي، أن أدرس الواقع الأوروبي الذي وإن التقى مع الواقع في فرنسا من حيث النظام الاجتماعي الضاغط وساعات العمل الطويلة التي، وبتضافرها مع بعد المسافات، تشكّل عائقاً كبيراً أمام العمل الرعوي الذي يمكّننا من التواصل مع شعبنا.

وهنا لا بد من التنويه، أنه  على الرغم من هذه العوامل، فالكهنة يخدمون هذه التجمعات بالشكل المقبول إلى حد ما، كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في إيصال كلمة الله ونشرها في وسط هذا الشعب الغارق في أعماله وهمومه المعيشية المتلاحقة.

أما عن كيفية تحقيق الروابط الثقافية واللغوية والتربوية مع البلد الأم لبنان وداخل الأبرشية الواحدة في فرنسا، فيمكنني الجزم بأن مشروع تأسيس مدرسة وإنشاء مركز ثقافي في باريس أو ضواحيها، حيث يعيش زهاء الأربعين ألف ماروني، يشكّلان أعظم نواة لبلوغ هذه الأهداف، وهذا ما نعقد لتحقيقه اللقاءات الدورية مع المسؤولين التربويين في الإعلام الكاثوليكي والوزارة الفرنسية، إذا تمكنا أولاً من تأمين الأموال اللازمة لشراء قطعة أرض وبناء المعهد الماروني، وثانياً من استقدام أحد المعاهد في لبنان لتكليفه بهذه المهمة.

وهنا لا بد من التنويه بأنه إن كان لهذا المشروع المستقبلي من أهمية بالغة على سلم أولوياتنا، فإن إنشاء مركز ثقافي شرقي تشكل مكتبتي الخاصة المؤلّفة من زهاء خمسين ألف كتاب نواته، لا يقل أهمية عن المشروع الأول كونه يعيد الى الذاكرة ويحيي دور لبنان الثقافي التعليمي الأساسي، حيث استقدم الملك الفرنسي الموارنة الأوائل لتعليم اللغتين السريانية والعربية في مدارسه… إذا ما استطعنا إنجاز هذا الأمر سنتمكن من لعب دور مهم يربط العالمين الإسلامي والأوروبي، وفي هذاالمضمار يحضرني قول لمثلّث الرحمات البابا القديس يوحنا بولس الثاني «إن الكنيسة تتنفّس برئتيها الشرقية والغربية».

المارونية ليست انعزالاً وتقوقعاً بل فرادةً وتميّزاً، وهي ليست اختزالاً لأن ذلك يفقدها القدرة على التواصل مع الآخر. إنطلاقاً من هذا التعريف كيف تبرزون منظومة القيم المشتركة بين كافة الأديان وتجسّدونها في أوروبا؟

انسجاماً مع مشروع الكتاب المقدس المؤكد على قبول عطية الله ومخلوقاته واحترامها، وانسجاماً مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكية المؤكدة بأن الانفتاح الثقافي على الغير هو الطريق الأمثل لخلاص البشرية. سعينا مع بعض المنظمات والشخصيات الفرنسية، وعلى غرار ما يجري في الخامس والعشرين من آذار من كل سنة في لبنان، أن يتشارك الأئمة المسلمون والمسؤولون المسيحيون لقاءات وصلوات خاصة في Longpont بأبرشية Essan، كما سعينا كنوعية مسيحية مشرقية، اختبرت على مدى 1400 سنة العيش مع المسلم إعطاء نموذج وتشكيل حجر زاوية تبنى عليه إمكانية الحوار بين الأديان.

هذا الحوار الذي ومع الأسف لم يتمكّن من المضي قدماً لاختلاف مقاييس الحوار في الغرب المتّصفة بالجمود والعقلية والنهائية مع مقاييسها الشرقية من جهة، ولاختلاف الإسلام باختلاف البلدان: فإسلام إفريقيا الشمالية مختلف عن إسلام الصين والهند والباكستان وأفغانستان والفيليبين… لذلك ندعو الإسلام اليوم، وانطلاقاً من الكسب الذي حققناه والغنى الذي قدمناه للحضارة العربية لبلوغها أعلى المستويات من خلال ترجمتنا لكنوز الحضارة اليونانية الى السريانية وبعدها الى العربية، هذا الكسب شكل فعلاً مدماكاً أساسياً لانفتاحنا كمسيحيين مشرقيّين على الحضارة الغربية، لذلك ندعو إخوتنا المسلمين ليتماهوا بتجربتنا ولا يتوقفوا عند ما حققوه من أمجاد كبيرة، بل لينفتحوا أيضاً على الغرب، ويصححوا صورة الإسلام التي تشوّهت من الناحية الإجتماعية، ويعيدوا إلى الأذهان صورة المسلم البعيدة كل البعد عن الإرهاب والعنف.

نحن اليوم! كمسيحين مشرقيين نشكل لدى بعض المجموعات الغربية «الإقليم المختبر»، «الجسر الثقافي» بينهم وبين الإسلام.ش

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل