المطالبة بإبطال الـ 1559 سابقة قد تعتمدها إسرائيل
هل ينتقل الجدل حول القرار إلى مجلس الوزراء ؟
يرى ديبلوماسي أوروبي أنه من الخطأ الفادح إثارة موضوع القرار 1559 واعتباره لاغياً ومن الماضي، لئلا يشكل ذلك سابقة تجعل كل دولة لا يعجبها اي قرار صادر عن مجلس الامن تطالب بسحبه أو إلغائه. فاسرائيل تقول انها نفذت القرار 425 كاملاً بانسحاب قواتها من الجنوب، والى ما وراء الخط الازرق الذي رُسم إثر هذا الانسحاب واعتبرته خطاً يرسم الحدود النهائية مع لبنان الذي يرى، خلاف ذلك، ان هذا القرار لم تنفذه اسرائيل كاملاً إلا بعد ان تنسحب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومن الجزء اللبناني من قرية الغجر، وان الخط الازرق هو خط موقت رسمته الامم المتحدة للانسحاب ولا يشكل حدوداً نهائياً مع اسرائيل لانها ليست الحدود المعترف بها دولياً.
وعندما يصر البعض في لبنان على ان القرار 1559 يجب سحبه وإلغاؤه، فما الذي يمنع اسرائيل من ان تعتبر كل قرار صادر عن مجلس الامن ولا يعجبها بما في ذلك القرار 242 من الماضي ايضاً لانها نفّذته بانسحابها من "أراض عربية" محتلة كما تفسره وليس من "الاراضي العربية" كما يفسره العرب.
ويتساءل الديبلوماسي نفسه كيف تعتبر فئة في لبنان ان القرار 1559 قد نفّذ ولم يعد ذا موضوع فيما لم ينفذ منه سوى انسحاب القوات السورية من لبنان ولا تزال القوات الاسرائيلية تحتل اجزاء من الجنوب، وصار انتخاب رئيس الجمهورية اميل لحود بالتمديد له خلافاً لما نص عليه هذا القرار الذي دعا الى انتخابات تجرى "وفقاً لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة من غير تدخل أي نفوذ اجنبي"، ولم ينفّذ منه ايضاً "مطالبة مجلس الامن بالاحترام التام لسيادة لبنان وسلامته الاقليمية ووحدته واستقلاله السياسي تحت سلطة حكومة لبنان وحدها بدون منازع في جميع انحاء لبنان". ولم ينفّذ منه إلا جزئياً البند المتعلّق بحل "جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها". وقد اكد "حزب الله" في حينه ان هذا البند لا يعنيه لانه مقاومة وليس ميليشيا، وقد يكون المسلحون الفلسطينيون خارج المخيمات وداخلها قد اعتبروا أنفسهم كذلك لانهم يحملون السلاح لتحرير فلسطين… ولم يتم تنفيذ "بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الاراضي اللبنانية" لان جزءاً منها لا تزال تحتله اسرائيل واجزاء اخرى لا تزال خارج سيطرة الدولة اللبنانية.
ويتساءل الديبلوماسي ايضاً لماذا صار تحريك الاعتراض على القرار 1559 في هذا الوقت ومن يقف وراء ذلك: هل هي سوريا لانها تعتبر ان هذا القرار صدر في حقبة بلغت فيها العلاقات بينها وبين لبنان ذروة الكراهية والعداء فتم تنفيذ البند المتعلق بانسحاب قواتها من لبنان تحت ضغط الشارع وقيام "ثورة الارز" و"انتفاضة الاستقلال"، وبعدما اتهمت سوريا الرئيس الحريري ومروان حماده وغسان سلامه بأنهم هم الذين اعدوا صيغة القرار 1559؟ لذا تعرّض حماده لمحاولة اغتيال وامتنع سلامه عن المجيء الى لبنان وشكّل هذا القرار عند صدوره عن مجلس الامن ذريعة كافية لسوريا كي تتنصل من وعودها للرئيس الحريري بتشكيل الحكومة التي يريد، فكان بيان اعتذاره الذي ختمه بعبارة: "استودع الله لبنان الحبيب"، والغاية من هذا البيان هي توجيه رسالة مفادها ان لبنان مقبل على مرحلة سياسية جديدة لن يكون فيها رفيق الحريري رئيساً للحكومة.
ولم يشأ العماد ميشال عون الذي كان لا يزال خارج لبنان ويتحرك مع المتحركين من اجل اخراج القوات السورية من لبنان الا ان تكون له مساهمة في صدور القرار 1559 تباهى بها وها هو اليوم يتنكر لهذه المساهمة بقوله "ان لا شأن للامم المتحدة في موضوع سلاح "حزب الله" وان هذا السلاح هو شأن لبناني داخلي".
وتخشى اوساط سياسية مراقبة ان ينتقل الجدل حول القرار 1559 الى مجلس الوزراء بقصد افتعال مشكلة او جعله مشروع خلاف في الوقت المناسب، علّه يشكل ورقة ضغط على السلطة وعلى مصير حكومة ما يسمى "وحدة وطنية".
ومما لا شك فيه انه في حال طرح هذا الموضوع على مجلس الوزراء ليتخذ قراراً في شأنه باعتباره المرجع القانوني الصالح، فإن ذلك قد يكون كافياً لإحداث انقسام حاد قد يعرّض الحكومة برمتها للاستقالة، في توقيت معيّن اذا كان هذا القرار يحتاج الى موافقة غالبية الثلثين، او يصير اتفاق على الا يتخذ قرار في شأنه الا بالتوافق وليس بالتصويت، مع العلم ان مجلس الامن الذي يتخذ القرارات يعود اليه وحده حق إلغائها.
والكلام على اعتبار القرار 1559 من الماضي يجعل القرارات الاخرى المتعلقة بلبنان في نظر المتضررين منها "من الماضي" ايضاً مثل القرار 1680 الذي نص على دعم تحديد الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا وخصوصاً في المناطق التي تعتبر فيها الحدود غير مؤكدة او محل نزاع (اشارة الى مزارع شبعا)، وكذلك دعم اقامة علاقات وتمثيل ديبلوماسي كاملين (تحقق ذلك بعد 60 عاماً)، ودعوة الحكومة السورية الى اتخاذ تدابير مماثلة للتدابير التي اتخذتها حكومة لبنان "ضد عمليات نقل الاسلحة الى الاراضي اللبنانية"، ودعوة كل الدول والاطراف المعنيين (اشارة الى سوريا وايران) للتعاون الكامل في مجال تنفيذ جميع متطلبات القرار 1559.
ويذكر ان القرار 1680 الذي نجحت في امراره الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا بعد جهود واتصالات ديبلوماسية مكثفة، فإنه لم يصدر باجماع اعضاء دول مجلس الامن بل امتنعت روسيا والصين عن التصويت عليه، من دون ممارسة "الفيتو" الذي كانت سوريا تعوّل عليه، لذا لم يتأخذ رد فعل سوريا على هذا القرار، فجاهرت بموقفها المنتقد والرافض له للاسباب الآتية:
اولاً: اعتبار مجلس الامن متدخلاً في الشؤون السياسية والعلاقات الثنائية للدول الاعضاء في الامم المتحدة.
ثانياً، لان القرار يشكل اداة ضغط غير مبررة واستفزازاً يعقّد الامور والمسائل التي هي قيد البحث الايجابي بين البلدين.
ثالثا: لان سوريا نفّذت كل ما عليها في القرار 1559 الذي لا ينص على العلاقات الديبلوماسية ولا على ترسيم الحدود.
رابعاً: اغفال القرار ما سبق ان اتخذته سوريا من اجراءات لضبط حدودها مع لبنان ومنع التسلل والتهريب.
لذلك، تعتقد الاوساط نفسها ان اقصى ما تفعله سوريا حيال لبنان بعدما أقامت تمثيلاً ديبلوماسياً معه، هو تحريك عمل اللجنة المشتركة لترسيم الحدود بحيث انها قد لا تنتهي من عملها قبل سنة او اكثر… وكذلك تحريك العمل المشترك من اجل ضبط الحدود ومكافحة التهريب وتفعيل اعمال اللجنة المشتركة المتعلقة بالمفقودين من الطرفين اللبناني والسوري، ومراجعة الاتفاقات الثنائية القائمة بين البلدين.
اما القرار 1701 الذي يذكّر بالقرار 1559 وبغيره من القرارات المتعلقة بلبنان، فقد يكون مصيره كمصير القرارات السابقة التي نفّذت جزئياً او لم تنفذ بالكامل لان كل طرف يلقي مسؤولية ذلك على الطرف الآخر بحيث بات التنفيذ الكامل مرتبطاً بتحقيق سلام مع اسرائيل، خصوصاً بعدما صارت سوريا وايران ضمن مجموعة كبيرة من أوراق التجاذب الدولي في أروقة مجلس الامن وخارجه بين الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة الاميركية من جهة اخرى، وبعدما نجح النظام السوري في جعل الآخرين يغيّرون سلوكهم حياله، وفي احتواء الضغوط عليه واستيعابها بحيث بات قادراً على القيام بهجوم سياسي مضاد… حتى اذا ما تم التوصل الى سحب القرار 1559، وهو امر مستبعد، فإنه يصير في الامكان سحب القرار الاهم الرقم 1701 الذي اخذت اسرائيل تعتبره ساقطاً… وتنفيذه ليس في مصلحة اي طرف سوى لبنان…