#adsense

بين سلاح الكلام وكلام السلاح

حجم الخط

بين سلاح الكلام وكلام السلاح

أبى الفرقاء اللبنانيون المختلفون إلا ان ينهوا العام 2009 على سجال حول قضايا كبرى وشائكة هي في صلب أزمتهم السياسية، على رغم أجواء المصالحات التي تعاقبت في الأشهر الماضية ومع ان هؤلاء الفرقاء باتوا يجتمعون تحت عباءة حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت برئاسة سعد الحريري.

وينبئ هذا السجال الذي دار على مدى الأسبوعين الماضيين حول سلاح "حزب الله" وحول اقتراح رئيس البرلمان نبيه بري البدء في إجراءات تطبيق المادة 95 من الدستور في خصوص تشكيل الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية، والذي توالدت عناوينه وصولاً الى نصح الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله المسيحيين ان يجتمعوا ويحددوا خياراتهم المستقبلية ويدركوا التحولات الإقليمية، لئلا تأتي على حسابهم كما في العراق، ومن ثم ردود الفعل الغاضبة على النصيحة، ينبئ بأن العام الجديد لن يكون صافياً، بالقدر الذي بشّر به كثر، بالاستناد الى التسويات التي توصل إليها اللبنانيون مدعومين من ظروف المصالحات الإقليمية.

وإذا كان هذا السجال لن يقوّض الاستقرار النسبي الذي على اللبنانيين التقاط فرصته من اجل استلحاق بعض ما فاتهم لأنه مفتوح على شتى الاحتمالات، فإن المشهد السياسي اللبناني أضر، بالنتيجة، بصورة "حزب الله" الذي يسعى الى تكريس انتقاله الى اللبننة بعد مؤتمره الثاني الذي أعلن عن برنامجه تحت هذا العنوان قبل حوالى الشهر. وإذا كان على الفريق المسيحي في تحالف قوى 14 آذار وغيره من المسلمين في هذا التحالف ان يبذلوا جهداً للتمييز بين الوظيفة الإقليمية لسلاح الحزب بحكم مجاهرته بأنه جزء من منظومة مواجهة أميركا وسياستها في المنطقة (لا في لبنان فحسب)، وبين تأييد جمهور واسع من اللبنانيين لهذا السلاح لأنه دافع عنهم إزاء ما عانوه على مدى 3 عقود من العدوانية الإسرائيلية، فإن على "حزب الله" بدوره ان يبذل جهداً لا يبدو انه مستعد لبذله من اجل تفهم حساسية طوائف أخرى من توظيفه السلاح في المعادلة الداخلية. فعدم إدراك هذه الحساسية التي لا تقتصر على جمهور مسيحيي 14 آذار بل تتعداه أيضاً الى جمهور حلفاء الحزب المسيحيين أنفسهم، تقود الى الخطأ في مخاطبة هذا الجمهور وإلى ردود الفعل التي شهدتها الساحة، وإلى الاستنتاج انه يعطي الأولوية للوظيفة الإقليمية لسلاحه ولا يعير أهمية لمقتضيات اللبننة، التي شكك كثر في توجهه نحوها.

وإذا كان على فريق 14 آذار لا سيما الجزء المسيحي منه، ان ينظر بواقعية الى ارتباط سلاح الحزب بالوضع الإقليمي وبما ستؤول إليه احتمالات التسويات او المواجهات بين إيران وبين الغرب وبما ستنتجه التغييرات على صعيد العلاقات العربية وتأثيرها على الوضع اللبناني، لأن ميزان القوى المحلي على الأرض لا يتيح حلاً لهذا السلاح الآن، فإن الحزب أمام تحدي الإقلاع عن استخدام لغة التخوين لشركاء له في الوطن وفي الحكم عبر استسهال استحضار الاتهام الجاهز سلفاً بأنهم ينفذون مؤامرة أميركا لإحداث فتنة مسيحية – إسلامية. لقد أوحى هذا الاتهام الجاهز بأن الحزب "يتمنى" وجود عملاء لأميركا في لبنان حتى يبرر لنفسه امتلاكه السلاح لمواجهتهم، حتى لو لم يكن هناك من عملاء.

فالمواجهة السياسية الإعلامية التي حصلت في الأسابيع القليلة الماضية والمنحى الذي أخذته والاتهامات التي سيقت خلالها من العيار الثقيل وكشفت انها مواجهة بين من يستخدمون سلاح الكلام وبين من لديهم القدرة على استخدام كلام السلاح. فقادة الحزب لا ينفكون يذكرون خصومهم بأن فائض القوة التي يمتلكها حققت له نصراً على الفريق الآخر "في مواجهة المؤامرة الأميركية على المقاومة" والتي "شارك" فيها اللبنانيون الآخرون، أي انه ما فتئ يذكّرهم بـ7 أيار (مايو) 2008.

كل هذا يحصل في وقت يتطلب تحصين لبنان أمام الاحتمالات السيئة، في ظل تكرار التهديدات الإسرائيلية للبنان وللحزب، والتي من الطبيعي ان تقلق الحزب، لكنها ايضاً يفترض ان تدفعه الى توسيع رقعة المصالحات الداخلية. وهذا يتطلب نهجاً وسلوكاً مختلفين عن اعتماد مبدأ من يريد مصالحتنا، عليه ان يأتي إلينا، بينما العكس يجب ان يحصل، لا سيما مع الفرقاء المسيحيين.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل