سليمان والحريري والبدايتان
منذ تأليف الحكومة وحتى مطلع السنة الجديدة، قام رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري بتحرك خارجي يشكل في مجموع محطاته حملة "علاقات عامة" استثنائية ليس من المنظار الديبلوماسي فحسب بل أيضاً من المنظار السياسي الهادف بوضوح الى حماية الانطلاقة الحكومية الجديدة ومعها "فترة السماح" الاقليمية والداخلية المفترض ان تحمل آفاق تحصين في الحدود الدنيا الواقعية للاستقرار اللبناني الهش.
في ضوء ذلك ستقبل الحكومة غداً على الانخراط في اليوميات المحلية وجداول اعمالها، مما يعني في المفهوم السياسي الواسع إعادة تطبيع للوضع الداخلي "تسييل" التفاهمات السياسية التي حمل عناوينها البيان الوزاري، مع حد معقول من شبكة ضمانات دولية واقليمية مفترضة وقيد الاختبار، باعتبار ان التحرك الثنائي لكل من الرئيسين سليمان والحريري مرّ بالمحطات الرمزية الاساسية التي تشكّل هذه الشبكة ولا سيما منها دمشق والرياض في الاطار العربي الأكثر تأثيراً في الوضع اللبناني، وواشنطن وباريس في الاطار الغربي الذي لا غنى عنه في حماية الخاصرة الدولية للبنان.
المفارقة التي لا بد من اثارتها في هذا السياق، وعشية البداية الفعلية للاختبار السياسي لحكومة الحريري في المقلب الداخلي، تتسم بمنحى ايجابي أظهره التحرك الخارجي للرئيسين سليمان والحريري ليس على صعيد النتائج التي تبقى قيد الاختبار الطويل وإنما على مستوى اعادة الاعتبار الى الدور الدستوري والسياسي لكل من رئاستي الجمهورية والحكومة في السلطة التنفيذية وفق اتفاق الطائف. قد يغدو هذا التحرك لكثيرين أمراً بديهياً وعادياً يتولاه كل من الرئيسين من موقعه وصلاحياته ولا يشكل أي دلالة خاصة. لكنه في واقع الأزمة السياسية وأزمة النظام يكتسب رمزية خاصة يصعب إنكارها، علماً ان شظايا هذه الأزمة ظلّت تطارد رموز الدولة حتى الأمس القريب، وبعد ولادة الحكومة تحديداً، بدليل تعرض رئيس الجمهورية لحملة انتقادات مقترنة بـ "نصائح توجيهية" لدى زيارته لواشنطن، ثم ما لبثت زيارة الحريري لدمشق ان أثارت في بعض جوانبها غباراً كثيفاً في النواحي الاجرائية المتصلة بأصول الزيارة.
في ذلك يبدو رئيس الجمهورية كما رئيس الحكومة وكأنهما اجتازا حقل ألغام أولياً بنجاح معقول، بصرف النظر تماماً عن رصد نتائج كل من جولتيهما. المغزى هنا يتصل باحترام الصلاحيات الدستورية وتناغمها في خط بياني واحد هو خط النظام والدولة و"اللغة الواحدة" لأركانها في مخاطبة الخارج من منطلق تمثيل الدولة لا الأطراف السياسية كل على حدة. كما يتصل هذا المغزى بقدرة كل من اركان الدولة على الحؤول دون "شخصنة" العلاقات الخارجية والدولية للدولة عبر رموزها. وبصراحة تامة، فان مزالق هذا الاختبار تشكل نقطة الضعف الرئيسية للوسط الرسمي والسياسي في لبنان، ولا بدّ من انتظار مفاعيل التحرك الثنائي لرئيس الجمهورية والحكومة لمعرفة القدرة والهامش اللذين يتحليان بهما لمنع هذه الآفة من التنامي مجدداً في صياغة علاقة لبنان بكل الدول ولا سيما منها تلك التي قد لا تزال لديها طموحات واضحة لصياغة هذا النوع من العلاقات.
الواضح حتى الآن ان كلاً من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يبحران بسلاسة وبحد معقول جداً في حمى الصلاحيات من دون مزالق خطرة. غير أن التجربة لا تزال في مطالعها، ولم تغص بعد في المعترك الأشد خطورة وصعوبة، وهو المقاربة ليوميات السياسة الداخلية عبر العمل الحكومي المباشر. ولا مغالاة في اعتبار هذا المعترك نقطة الرصد الاساسية لأهلية كل منهما في حماية النظام و"فترة السماح" المحدودة. فمع القوى السياسية او في مواجهتها، غالباً ما يكون الفارق كبيراً عن التعامل الرسمي مع الدول، فكيف حين تكون غالبية هذه القوى بمثابة "دول" او ممثلة "لدول"؟