.jpg)
.jpg)
.jpg)
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1618
جمدت الصورة، وقف المقاتل بسلاحه، رفض أن يخلع البدلة الزيتية، لا يستطيع أن يخلع عنه جلده، أربعة وثلاثون عاما وهو يقف في الحب والحنين لا يتزحزح، وحدها وشوشات القلب تجعله يترنّح تحت ضربات الشوق، وحدها همسات أحبائه تجعله يستكين في عالمه الآخر، حسبه أنه يعرف أنه ومنذ أربعة وثلاثين وهو لم يرحل بعد، لم يُدفن، لم يبتلعه زمن ولا ذاكرة ولا تراب ولا سماء، ما زال درغام نقولا دعبول يقف في دمعة أخيه الياس وإخوته السبعة الآخرين، يخرج من بيت ليدخل في آخر، لكنه هو ورفاقه أصحاب الدار في البيت الكبير، بيت شهداء المقاومة اللبنانية، بيت العز…
حلو هالشب، يسكنه العنفوان، حلو هالشب يلبس الزيتي، يا الله كم تليق به تلك البدلة وكم كانت كلفة حبه لها غالية. حلو هالشب وجماله ليس في عمر الشباب الطري، عمر الهوى والشباب، هو حلو لفرط ما أحبّ، لفرط ما رسم معالم كرامة على تفاصيل العمر القصير كي يطول عمرنا، وعمرنا ما عاد يقاس الا من عمر ما عشناه من سنين كرامة بفضله وفضل رفاقه.
ترتيب درغام في عائلته الرابع من بين سبعة شباب وصبيتين، هو ابن تل عباس عكار، ابن ذاك الشمال الذي عانى الكثير من الاحتلال السوري ومن الأغراب والمرتزقة، كان صبيا يراقب بصمت مرير موت البلاد البطئ على أيدي هؤلاء، عيونه وقلبه كانت بدأت تشيح عن مساحة المكان الفسيح الضيق على أحلامه، وأحلامه كانت بدأت تكبر الى حيث لم يتوقع الأهل والأخوة، كان العام 1980، الاحتلال السوري يعبث بالأرض فسادا سرقات انتهاكات وقاحة وتعديات على الناس الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة في بلدته، وكانت أخبار المقاومة تصله من كل الاتجاهات، وهو بصمت يبني قراره الكبير للالتحاق بها.
كثرت الاعتداءات فقررت العائلة النزوح من الشمال والسكن في المناطق المحررة بتعبير تلك الأيام، فكان البيت البديل في سن الفيل، عرين من عرين المقاومة كما الأشرفية وعين الرمانة وضواحيهما. قرر الالتحاق فورا بالمقاومين فرجته أمه ألا يفعل، رضخ تحت وطأة دموعها وخوفها، لكنه قبع في نيرانه وحيرته وصمته الحزين، عاش بين أهله ولم يكن بينهم، كان يريد أن يذهب الى حيث يجب أن يكون، أن يفعل على الأقل ما يفعله اخوته، أن يلتحق بواجب جعل ليله قلقا وتوترا، كان يعاند قلبه ليرضي قلب الأم، لكنه ما استطاع أن يستمر في خديعة نفسه، وقرر ذات صباح أن يذهب الى حيث ندهه ضوء النضال، ذاك الضوء الساحر الذي نده على الآلاف قبله وبعده.
«لوين رايح؟ اخوتك تلاتة ع الجبهة خليك إنتَ معنا» رجته أمه فيما كان يحزم حقيبته ليلتحق بإحدى دورات التدريب في الشمال، «من ميّة سنة لليوم ومطرح ما نحنا موجودين وبكل مطرح بالبلد وهني عم يقَتلوا فينا، قتلوا النسوان والأطفال والختايرة، تركيني روح يمّي وترضّي عليي حتى إمنعهم يعيدوا التجربة ونطرد الغربا ع بلادن، دخيلك يمّي تركيني روح برضاكِ». وخرج ولم ينظر إليها كي لا ينهار ويضعف «خاف إذا تطلع بإمي إنو يرجع ع البيت حتى يرضيها وما كان قادر يرجع خلص بدو يروح يقاتل مع الشباب و…». وتختنق الكلمات في غصة الأخ المناضل أيضا الياس دعبول.
خرج درغام وصفق باب الحياة خلفه، مشهد كأنه من حكاية قديمة في ضيعة لبنانية ما من زمن احتلال ما، لعله الاحتلال التركي، أو لعله مشهد في ومضة ما يشبه حكاية أم القديس شربل حين التحق بالرهبنة ورفض أن يرى وجه أمه كي لا يضعف وينهار أمام دموعها، أيمكن أن يكون المقاتل راهب البندقية؟ أيجوز التشبيه؟!
في هذا الوقت، كانت «القوات اللبنانية» قد افتتحت دورة تدريب احتياط لمنطقة الشمال، فالتحق درغام بكتيبة احتياط عكار التي كانت تخدم على الجبهة الشمالية، أي دير بلا وشناطة وتنورين والجوار، أخوه الياس كان عند الجبهة الشمالية، وبشارة في سوق الغرب وجورج عند جبهة سانت تيريز الحدث، ثلاثة أخوة من البيت الواحد كل الى جبهته، ولما خرج درغام من بيت الأهل الى بيت المقاومة صاروا أربعة، كيف يحتمل قلب أم وأب أن يجلسوا في الخوف من أن يقرع أحدهم الباب ويخبرهم ان عدد الأبناء صار أقل؟!
لم تجلس العائلة في حضرة الخوف، إنما في حضن الصلاة والرجاء، وذهب درغام ابن التاسعة عشرة الى الجبل، هناك اختير له ان يكون عز نضاله، اندلعت حرب الجبل وتوجه درغام مع كتيبته الى الدبية وعين الحور، «الغريب إنو نهار لـ كانت طالعة المجموعة على سوق الغرب بالبحر من مرفأ بيروت، وكان قائد المشاة بوقتها جورج القزي، نادى على الشباب بحسب الأسماء المدوّنة تـ يتأكد من إنو الكل موجودين، وما كان إسم درغام من بينن لأن بالأساس مركز خدمة كتيبة الشمال كان بقضاء عاليه، لكنه وصل فجأة ع السريع ونطّ ع السفينة ووقّع على ورقة إنو رايح ع الجبل على مسؤوليتو الشخصية» يخبر أخوه الياس.
يتدخّل القدر ليوجّه الشراع الى حيث يشاء، وشاء درغام أن يذهب الى ساحات الحرب، وشاءت السفينة أن تأخذه معها الى حيث إتجاه الريح صعودا صوب السماء بلغة أهلها، وصوب التراب بلغة أهل الأرض. درغام في حرب الجبل، والياس وبشارة وجورج كل الى جبهته، ولم يكن أحد منهم يعرف شيئا عن درغام، غابت أخباره اليومية في غبار المعارك ورائحة البارود والنار، والبطولات التي لم تسطّرها حروف الكتب وصفحات تاريخ، إنما حكايات الرفاق الأحياء والناس المناضلين الذين عايشوا كل ذاك الخوف، عشرون يوما وليس أكثر عاشها ابن التاسعة عشرة حيث كان يحب أن يحيا لأجل وطنه، لم يمهله الوطن ولا يوما إضافيا ليعيش انتصارات لاحقة ولا حتى الانكسارات، كل فرحه كان أن يقاوم ليشهد على الحرية وعلى جلاء الاحتلال، ولم ينل ذاك الامتياز هنا، قرر له الرب أن يعيش نصره في السماء، استشهد درغام على الجبهة ومعه جهاد قديسي ونبيل فرفود وعبدالله يونس وآخرون «كان عم يدافع، كان شجاع كتير خبّروني رفاقو، يهاجم وما يسأل ولا يتردد، كان بدو لبنان يرجع منتصر وفاضي من الغربا، حملوه الشباب ع الباخرة واندفن بسيدة إيليج، هونيك فوق صار بيتو حبيب قلبي» ويتوقف قلب الأخ عن الكلام.
غريب كيف لا يموت الشهداء في قلب الأهل ولا في وجدان القضية، غريب كيف يحييون بيننا مثل وميض حب لا متناهٍ لا محدود في الزمان أو المكان.
«مَرَق وقت وبعدك ما نسيتو؟» يستغرب الياس السؤال «ننساه؟! نحنا بالبيت عايشين تفاصيل حياتو يوم بيوم، حرقة بقلبي إني ما قدرت شوفوه لأن منعوني بوقتها اكشف عليه، بس هوي عايش فينا بكل بيوت اخوتي منحكي معو ومنخبروا أخبارنا، درغام فخرنا، وابني التاني سمّيتو درغام» يقول الياس المناضل الذي جرح مرتين عند جبهاته وكذلك اخوته، ويوم خلع بدلة الشرف تلك تحوّل الى أستاذ مدرسة، وما زالت في قلبه حرقة مضاعفة ليس على استشهاد الأخ وحسب، إنما على ذاك السؤال التافه الذي تردد منذ استشهاد درغام «شو طالعلكن من المقاومة، احترقت بيوتكن واستشهد خيّك وتشردتو وشو كنتو ناطرين بعد؟!» ويجيبهم الياس كما يجيب كل الرفاق الشهداء والأحياء والمناضلين، هي طريق يسوع طريق النضال ومن سار على تلك الدرب وصل.
استشهد ابن التاسعة عشرة، الصامت الذي يضج بالكلام وأول حروفه وآخرها «رايح دافع عن بلادي صلوا تـ تبقى الأرض ومش إلي أنا» وصار من الأرض ولها في السماء ولها…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
