قيود مضاعفة أمام اللبنانيين خارجياً تفترض معالجة سريعة
التصنيف الأميركي الجديد للبنان يتحدّى السلطات والقوى السياسية
تربط لبنان بالولايات المتحدة علاقات يمكن وصفها بأنها جيدة على صعد سياسية وأمنية وعسكرية. وكان من ابرز مظاهرها الزيارة الاخيرة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان لواشنطن قبل الاعياد، وقد خصّ باستقبال مهم من الرئيس الاميركي باراك اوباما، والزيارة المتوقعة لكل من رئيس الوزراء سعد الحريري ووزير الدفاع الياس المر للعاصمة الاميركية، كما فهم اخيراً، من اجل البحث في سبل المساعدات العسكرية الاميركية وتقنياتها. لذلك ترى مصادر ديبلوماسية ضرورة ان يستوضح لبنان الادارة الاميركية، ان لم يكن الاحتجاج لديها، على اسباب شمول الاجراءات المتشددة التي اتخذتها وزارة النقل الاميركية حيال مواطني دول تعتبرها داعمة للارهاب، بعد محاولة طالب نيجيري تفجير طائرة اميركية يوم عيد الميلاد، الى مواطني دول اخرى. اذ يتعين على المسؤولين محاولة معالجة هذه المسألة لئلا يعد صمتهم اقراراً بأن لبنان لا يزال ساحة تضم عناصر خطرة، ناهيك بأن عدم المراجعة يمكن اعتباره استهتاراً او اهمالاً لمصالح اللبنانيين في الخارج، الذين يواجهون صعوبات جمة واجحافاً كبيراً عبر تصنيفهم خطرين امنياً لأي طائفة او عمر او جنس انتموا. وقد لا يشعر بذلك المسؤولون كونهم لا يواجهون الاجراءات الصعبة التي يواجهها اللبنانيون العاديون عموماً، علماً ان الموضوع ليس جديداً ويواجهه اللبنانيون منذ اعوام. وربما يكون هذا الموضوع احد ابرز المواضيع في العلاقات الثنائية التي ترى المصادر المعنية وجوب ان يثيرها رئيس الحكومة في زيارته للولايات المتحدة.
وتبرر المصادر الديبلوماسية المعنية للاميركيين مخاوفهم وان تكن اجراءاتهم تنبئ باعادة ادارة الرئيس اوباما النظر في انفتاحها والعودة الى التشدد امنياً كما كان الامر في عهد سلفه الرئيس جورج بوش، وخصوصاً ان لبنان لا يبذل جهوداً كافية بالنسبة الى الخارج من اجل حماية ساحته المشرّعة. لا بل ان شمول الاجراءات المتشددة اللبنانيين تطرح امام السلطات اللبنانية تحديات عدة من اجل مقاربة مختلفة للمواضيع الامنية على نحو خاص، بحيث تجعل الخارج يطمئن الى وجود قبضة أمنية حقيقية ورقابة جدية. وهذا الموضوع يشمل على الاقل مقاربة جدية امنية واعلامية على مستويات عدة. اذ ان وسائل الاعلام تضج يومياً بأخبار غير مؤكدة عن مسؤولين ينتمون الى تنظيم "القاعدة" يتنقلون بين المخيمات الفلسطينية او مناطق اخرى، كما يصرّح مسؤولون غير لبنانيين باستعدادهم لمواجهة اسرائيل في حال اعتدت على لبنان، او ايضاً يتهم هؤلاء ولحسابات قد تكون تنافسية، ليس دولاً خارجية بتصدير اصوليين الى لبنان في حين لا تظهر السلطات اقله علناً تحركاً جدياً لاستكشاف صحة ذلك، في حال لم يكن الامر صحيحاً نتيجة ما يتركه ذلك من انعكاسات سلبية في الحالين ليس اقله المس بهيبة السلطات الامنية وفاعليتها. ثم ان التوافق الوطني الذي يتغنى به رؤساء الاحزاب يفترض ان يشكل غطاء سياسياً للقوى الامنية لفرض الامن على نحو غير مسبوق في حين ان حوادث مماثلة للانفجار الذي وقع في مبنى تقيم فيه حركة "حماس" مكتبها في الضاحية الجنوبية بالغة السلبية اولاً في رد الفعل الرسمي الذي كان خجولاً ومتحفظاً، وثانياً في المعالجة التي وصلت الى حد منع القوى الامنية من الوصول الى مكان الحادث، وهي لم تصل الى حد الكشف او توضيح حقيقة ما حصل للبنانيين على الاقل ما دامت البعثات الديبلوماسية تستطلع الاخبار من مصادرها الاصلية وتبعث بتقاريرها على هذا الاساس. وخلاصة انفجار الضاحية الذي حصل في المبنى مع ما تعنيه حركة "حماس" على الصعيد الرسمي اللبناني، وفي نظر الخارج، يشكل عنواناً امنياً فلسطينياً خطيراً في الدرجة الاولى، وانه حصل في قلب بيروت في الدرجة الثانية، وليس في المخيمات. علماً ان ثمة قراراً يفاخر كل الافرقاء السياسيين في التوصل اليه على طاولة الحوار بمن فيهم "حزب الله"، وهو العمل على نزع كل السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتنظيم هذا السلاح داخلها. وهو امر خطير في دلالاته الداخلية بالنسبة الى لبنان، كما في نظرة الخارج اليه، فيما نأى المسؤولون السياسيون جميعهم عن الادلاء بأي موقف علماً ان شمول الاجراءات الامنية المتشددة في مطارات العالم اللبنانيين، يفترض ان يشكل انذاراً للسلطات في لبنان بأن هناك اولوية تتقدم التعيينات الادارية والمحاصصة المتوقعة في هذا الاطار، والتي تعطى اهمية اكثر من حجمها باعتبار انها لن تضيف شيئاً لا الى مصالح اللبنانيين ولا الى اهتماماتهم، بل تدخل بعض المحظوظين الى جنة الادارة والسلطة ليس الا. وهذه الاولوية تكمن في البدء بمعالجة الشق الامني بجدية وبسرعة، ومن كل زواياه من اجل ليس فقط مواكبة المساعي لاخراج لبنان من دائرة تصنيفه بين الدول التي يخضع مواطنوها للإجراءات الامنية المشددة، شأنه شأن دول تواجه تحديات امنية يمكن وصفها بالخطيرة، وقد تكون ارهابية في بعض أوجهها فحسب، بل لانه اذا كان التوافق المحلي والاقليمي يسمح في هذه المرحلة بحل بعض الامور الحرجة في لبنان، فالاحرى ان تشمل في الدرجة الاولى توفير عوامل الاستقرار الامني وتدعيمه بقوة، على رغم عدم وجوب الاستهانة بالتحديات الكبيرة والصغيرة التي يواجهها لبنان على هذا الصعيد. لكن المحاولة بجدية وبقوة تسمح بالثقة من الداخل والخارج على حد سواء بأن الامور الامنية ليست متروكة لحالها.