لأنّ “مبادرته” تعلن نهاية المبادرة العربية بعد القمة
وتحاول “استيعاب” اندفاعة الأكثرية سعياً الى إدارة الوقت
وتحاول “استيعاب” اندفاعة الأكثرية سعياً الى إدارة الوقت
14 آذار لا تلدغ من “جحر برّي” 100 مرة
نصير الأسعد
نصير الأسعد
في ما عدا “الإشارة” التي وردته من دمشق ـ على ما يبدو ـ بأن يلحّ على مشاركة الرئيس فؤاد السنيورة “رئيس الحكومة غير الشرعية وغير الميثاقية وغير الدستورية لكن الواقعية” (!) في القمة العربية نهاية الأسبوع الجاري، بشّر الرئيس نبيه برّي اللبنانيين في مقابلته التلفزيونية أول من أمس بأن لا إنتخاب للرئيس قبل القمة ولا بعدَها.
و”الطريف” في الموضوع أن برّي الذي أنهى مقابلته بـ”مبادرة”، ربطها بفشل القمة في التوصّل الى اتفاق عربي على حل الأزمة اللبنانية. ومن يُطلق مبادرة “إذا” فشلت القمة، ليس فقط يعرف مسبقاً أن هذه القمة لن تصل الى نتيجة، لكنه يعلن بالفعل أن الموعد النهائي والأخير للمبادرة العربية بشأن لبنان هو نهاية القمة.
برّي قبل 24 تشرين الثاني وبعده (!)
وعلى كل حال لم يخلُ الحديث التلفزيوني لبرّي من “طرفة” أخرى. فقد أعلن أن الدعوة التي أطلقها من بعلبك في 31 آب الماضي من أجل التوافق على رئيس الجمهورية بدون شروط أخرى مُسقطاً مطلب “حكومة الوحدة الوطنية” آنذاك، انتهت في 24 تشرين الثاني الماضي مع انتهاء ولاية إميل لحود. وشرح ذلك بطريقة “مذهلة” إذ اعتبر انّ إنتخاب الرئيس المتفق عليه بات بعد 24 تشرين الثاني متلازماً مع الاتفاق المسبق على الحكومة التي يُفترض أن تتشكّل فور انتخاب الرئيس، لكأن الفاصل بين انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة قبل 24 تشرين الثاني كان مسألة مختلفة. و”الطرفة” هنا هي أن مبادرة برّي من بعلبك طُرحت تحت عنوان تجنّب الفراغ الرئاسي، وإذا بصاحب تلك المبادرة يتخلّى عنها بعد حصول الفراغ، بدلاً من أن يتمسّك بها لاختصار الفراغ (!).
“طرائف” وتناقضات تسويق “المبادرة”
“الطرائف” في حديث برّي كثيرة. غير أن الموضوع الذي لا بد من التوقّف عنده هو الذي أطلق الرئيس برّي عليه صفة “المبادرة” الجديدة أو المتجدّدة، والتي تتضمّن دعوة طاولة “الحوار” الى “التشاور” في بندَين: حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب.
“سوّق” برّي هذه “المبادرة” بالقول أن التوافق حول العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية قائم ولا داعي تالياً الى إدخال هذا الأمر في “التشاور”. لكنه في الوقت نفسه أكد أن التوافق تمّ بالفعل على أن تتشكّل حكومة الوحدة الوطنية من ثلاث عشرات، فلماذا أحيلت الى “التشاور” إذاً؟ أما وأن الرئيس برّي يعرف أن أي اتفاق على ثلاث عشرات لم يحصل، ويعرف جيداً المواقف من هكذا صيغة حكومية، فما المستجدّ في هذه الأيام أو ماذا يمكن أن يستجدّ بعد القمة ليُعاد “التشاور” في هذا الموضوع؟. وكذلك بالنسبة الى قانون الانتخاب، حيث أدلى كل فريق بدلوه في هذا المجال بين القضاء (أو الدائرة الصغرى) بعد تحديد القضاء وبين القضاء على أساس قانون العام 1960 علماً أن القضاء في هذا القانون قضاءين في أكثر من منطقة. ولو كان ما يقوله برّي حقيقياً لجهة أن التوافق ناجز على الرئيس وعلى حكومة وحدة وطنية من عشرات ثلاث، فلماذا لا يُرحّل قانون الانتخاب الى هذه الحكومة؟ ثم هل صحيح أن انتخاب الرئيس يرتبط شرطياً بالاتفاق المسبق على الحكومة، وهل يرتبط انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة شرطياً بقانون الانتخاب؟
الهدف إبقاء المجلس مقفلاً
إذاً، إن لـ”مبادرة” برّي “وظائف” أخرى.
يعلن برّي بواسطة هذه “المبادرة” أنه بما ومَن يمثّل سيحاول بعد القمة “أخذ” المبادرة السياسية.
ويعلن ثانياً أنه يأخذ الأزمة الى مكان لم يثبت نجاحه سابقاً. فـ”مؤتمر الحوار الوطني” الذي دعا إليه في آذار 2006 كان لـ”استيعاب” إندفاعة 14 آذار. وحتى الإجماعات التي تمّ التوصّل إليها جرى التنصّل منها من جانب “المعارضة”.. والمحكمة الدولية نموذج حيّ. ولم يصبر “حزب الله” حتى إنتهاء الحوار في بند “الاستراتيجية الدفاعية” وكان ما كان “مما لا أزال أذكره”. أما “التشاور” في خريف 2006 فكان غطاءً لانقلاب “المعارضة” المستمرّ منذ ذلك الوقت.
ويعلن ثالثاً أن المجلس النيابي سيبقى مقفلاً، وأن بديله “حوارٌ” بين كتل نيابية خارج المجلس، تتساوى في إطاره الأكثرية والأقلية مع أرجحية تعطيلية للأقلية.
ويعلن رابعاً أن “مخيّم رياض الصلح” باقٍ، علماً أن مقابلته التلفزيونية تمّت غداة الكشف عن قيام عناصر “حزب الله” بالتدقيق في هويات مسيحيين لبنانيين أتوا للصلاة في الكنيسة يوم “سبت النور”.
.. وإدارة الوقت
لكن ما لم يقله برّي مباشرةً، هو نيّته خامساً “إدارة الوقت”. ذلك أنه لم يعُد سراً أن النظام السوري اتّخذ قراراً بتمديد الأزمة اللبنانية الى ما بعد إنتخابات الرئاسة الأميركية، ليستخدم هذه الأزمة في مفاوضات يأمل حصولها مع الإدارة الأميركية الجديدة في العام 2009. وكذلك ينتظر نظام الأسد تطوّرات إقليمية ما، يمكن أن تسفر عن نتائج تتّصل بدوره في لبنان.
لا يمكن قراءة إعلان برّي عن “مبادرته” إلاّ من ضمن هذه “الوظائف” بما أن مضمونها “لا شيء” أو “خارج الموضوع”.
على أن 14 آذار التي لُدغت من “جحر برّي” مرّات ومرّات خلال السنوات الثلاث الماضية، ينبغي أن تتحسّب جيداً هذه المرّة في التعاطي معه.
فلا سياق طبيعياً أو منطقياً لـ”مبادرة” برّي. و”الحوار” أو “التشاور” ليسا مذكّرتي إحضار. وليس ما يحول دون أن يحصل الحوار داخل القاعة العامة للمجلس النيابي.
14 آذار: لا حرج من إعلان لاجدوى “المبادرة”
وكم من مرّة مدّت 14 آذار يدها للحوار وقوبلت اليد الممدودة بالتخوين والتشكيك. وليس محرجاً أبداً الجواب على “مبادرة” بإعلان اللاجدوى منها. فكيف إذا كانت هذه “المبادرة” متزامنةً مع تسريبات عن تصعيد سوري يُقال أنه سيُستأنف بعد أن تزول الحاجة الى الظهور بمظهر هادئ لتمرير القمة؟
فإذا كان منطلق “المبادرة” هو اعتبار المبادرة العربية “التي ليس قرآناً ولا إنجيلاً” كما قال الرئيس برّي، منتهية بعد القمة، فإن على 14 آذار أن تحاذر التعاطي مع محاولات استنزافها. فليس طبيعياً ألاّ تمارس خياراتها الدستورية العامة. فهي مهما فعلَت متّهمة بأنها لا تريد الحل. وكم كان برّي في مقابلته “منصفاً” (!) عندما لم يرَ أن الأكثرية تنازلت كثيراً في عناوين عدة بل نوّه بـ”المعارضة” التي “ضحّت وساعدتني كثيراً” وهجم على قادة الأكثرية موجّهاً لكل منهم “نصيحة معلّم”(!). فصار زعيم “تيّار المستقبل” سعد الحريري زعيماً مذهبياً لا تهمّه مصلحة لبنان، وصار زعيم “اللقاء الديموقراطي” وليد جنبلاط “بطلاً تأنف البطولة ممارستها”، وصار زعيم “القوّات” سمير جعجع “قنبلة صوتية”.. وصار البطريرك نصرالله بطرس صفير صاحب مواقف متبدّلة(!).
الردّ على “مبادرة” برّي هو تصرّف 14 آذار بوصفها أكثرية نيابية وشعبية وكفى. لا بأس أن يُعلن الردّ بعد القمة. لكن حذارِ “الموز وقِشر الموز”. ولعلّ 14 آذار مدعوّة الى أن تقول للرئيس برّي إن ذكاءه المشهود يخونه هذه المرة.