#adsense

الجيش في عيده: الأمر لك

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1621

لم تستطع حرب تموز 2006 أن تعطي أي شرعية عسكرية لـ”حزب الله”. ولن يتمكن الحزب بعد معارك جرود عرسال أن ينتزع اعترافاً بشرعية قواته العسكرية أو بدوره القتالي في سوريا وباستمرار احتفاظه بسلاحه في لبنان ذلك أن التناقض بين وجوده العسكري والأمني ووجود الدولة والجيش لا يمكن أن يتم تجاوزه مهما كانت التبريرات والتوصيفات. فالجيش اللبناني هو الجيش الشرعي والوحيد المخوّل حمل السلاح وحماية لبنان و”حزب الله” هو “حزب الله”. وأي تعاطف ظرفي أو موضوعي أو تعارض خلافي معه لا يمكن أن يضفي عليه طابع الشرعية حتى لو تمت تغطيتها بالتذكير بثلاثية “جيش وشعب ومقاومة” لأن “الأمر” يبقى في النهاية للجيش وهكذا سيكون ولو تأخر الوقت.

يستطيع “حزب الله” مثلاً بحكم الأمر الواقع أن يرسل آلاف المقاتلين من عناصره وقياداته المتمرسين بالحرب إلى القتال في سوريا. يستطيع أن يلبي طلب نجدة الحشد الشعبي في العراق بعدما سيطر تنظيم “داعش” على الموصل واندفع نحو بغداد مهددًا النظام العراقي الهجين بالسقوط. يمكنه أن يعلن التعبئة العامة وأن يخزِّن آلاف الصواريخ وأن يذكر دائما بتحرير القدس، ولكنه يجد صعوبة واستحالة ربما في أن يقيم عرضًا عسكريًا منظمًا لوحداته القتالية في شوارع الضاحية الجنوبية أو في النبطية وبنت جبيل أو في بعلبك.

هذه المسألة مطروحة اليوم بعد معارك جرود القلمون التي حقق فيها الحزب انتصارًا على ما تبقى من مجموعات لتنظيم “جبهة النصرة” وربما سيفعل الأمر نفسه مع ما تبقى من شراذم تنظيم “داعش” في الجرود المواجهة لرأس بعلبك والقاع وهو إن فعل سيجد كثيرين يباركون ما أقدم عليه ويرفعون صور مقاتليه وهم يرفعون صور شهداء الجيش اللبناني أو علم لبنان. وهذه المسألة مطروحة أيضًا في ظل ما يستمر الحزب في القيام به في سوريا. ولكن السؤال هو ماذا بعد؟ ماذا إذا انتصر “حزب الله” في القلمون كله وماذا إذا استقر الوضع في العراق وانتهت الأزمة في سوريا إلى تسويات تحفظ التعددية العسكرية والسياسية والمذهبية والقومية؟ ماذا إذا وقف السيد حسن نصرالله يومًا ما ليعلن أن أهداف تدخل حزبه في سوريا والعراق قد تحققت؟ هل يمكنه أن يحتفل بالنصر في لبنان وأن يستعرض قواته العسكرية التي تكون قد أنهت مهماتها وبات عليها أن تعود إلى قواعدها؟ ماذا سيفعل بالسلاح الثقيل الذي تم استخدامه في المعارك؟ صواريخ. مدرعات. حاملات جند. مدافع ثابتة وآلية ومتحركة؟ هل يبقي هذا السلاح والعتاد في سوريا في المناطق التي ستبقى مع ما يبقى من النظام؟ هل سيضمها إلى الحشد الشعبي في العراق؟ أم ينقلها إلى لبنان؟ ذلك هو السؤال الذي سيحين موعد استحقاقه ولو بعد وقت.

إذا كان هناك من رحب بما قام به الحزب في الجرود فماذا سيكون موقف هذا البعض مثلا إذا نظم الحزب عرضًا عسكريًا في شوارع بيروت أو في ساحة الشهداء أو على طريق المصنع؟ هل يستطيع الحزب اليوم أن يستعرض وحداته وقواته كما فعل في العام 2000 بعد انسحاب العدو الإسرائيلي من الجنوب عندما جالت آلياته العسكرية وتلك التي سيطر عليها في مناطق لبنانية كثيرة؟ هل يستطيع الحزب اليوم، أو بعد عام، أن يقول إنه سيتعايش مع وجود الدولة اللبنانية والجيش اللبناني وإنه سيكون له ثكنات مستقلة؟

هذه المسألة بقدر ما هي مسؤولية لبنانية شعبية ورسمية هي مسؤولية “حزب الله” أيضًا. التعايش السياسي مع الحزب في الحكومة ومجلس النواب والمؤسسات لا يمكن أن يصير تعايشًا عسكريًا. المسألتان مختلفتان. ومهما اعتبر البعض أن ما ينجزه الحزب من مكاسب على الأرض يعطيه سلطة “الأمر” فإن لا سلطة في هذا المجال تعلو فوق سلطة الدولة وفوق القاعدة التي لا يمكن تجاوزها وهي أن “الأمر” للجيش اللبناني وحده ولا شريك له فيه سواه.

لذلك تبدو مسيرة “حزب الله” نحو تأكيد “دولته” وتثبيتها حركة بعكس مسار التاريخ وهي ستصل في النهاية إلى مواجهة الواقع المر: تسليم السلاح والتخلي عن المشروع الذي يحمله أو الإعتراف بأنه جاهد في سبيله ولم يفلح في بلوغه وأنه أدى واجبه كاملاً وبات من الواجب عليه أن يعود إلى الإنضواء تحت عباءة الدولة متصالحًا مع التاريخ ومع الوطن ومع الشعب والجيش.

صحيح مثلاً أن الحزب أنقذ النظام المستغيث في العراق. ولكن الحزب يدرك جيدًا أنه على رغم الوحدات النخبوية التي أرسلها إلى العراق فإن تحقيق أي انتصار على “داعش” وإعادة تحرير الموصل وغيرها لم يكن ممكناً أن يتم إلا من خلال الغطاء والدعم الأميركي وهو هناك كان يشارك في العمليات تحت هذا الغطاء. وهو يدرك أيضًا أنه في سوريا كاد ينهزم مع النظام السوري ومع الوحدات الإيرانية والأفغانية وغيرها من تلك التي هدد السيد نصرالله بالإستعانة بها في لبنان لولا لم يستنجدوا بالروس. ليس «حزب الله» وإيران والنظام السوري هم الذين انتصروا في سوريا. الروس هم الذين أرسوا معادلة عسكرية وهم الذين يرسمون اليوم مناطق النفوذ بالإتفاق الكامل مع الأميركيين، والأميركيون مع قوات سوريا الديمقراطية هم الذين يقودون الحرب ضد تنظيم «داعش» في الرقة وهم الذين يحددون مناطق خفض التوتر وهم الذين قرروا إنهاء تنظيمي «جبهة النصرة» و«داعش» في القلمون على أساس الخرائط الجديدة التي يتم رسمها وتطبيقها على الأرض. ولذلك لم تكن هناك حاجة إلى معركة في جرود عرسال. مسألة تحريرها من «النصرة» و”داعش” كانت مسألة وقت فقط وكان الجيش اللبناني ينتظر هذه اللحظة ويضع استراتيجيته على أساسها. لم يكن ممكناً أن ينتهي تنظيم “داعش” أو “جبهة النصرة” في سوريا والعراق وأن يبقى في جرود عرسال. ما فعله “حزب الله” هناك أنه استبق النتيجة الحتمية وأراد أن يسجل انتصارًا في معركة سهلة وقد حقق ما أراده. ولذلك تبقى مكاسبه من نتائج هذه العملية محدودة في الزمان والمكان على أساس أن هناك استحقاقات أكبر ستواجهه وسيتحتم عليه أن يتعاطى معها بمسؤولية لأنها ستتطلب منه قرارات كبيرة تتعلق بمصير سلاحه بالكامل.

من هذه الزاوية لا يمكن الحديث عن تعايش أو تكامل أو تنسيق بين الجيش اللبناني و”حزب الله” إلا من زاوية تمرير المرحلة لأن ما يفعله الحزب على الأرض يعبّر عن تنافس مع المؤسسة العسكرية التي سيكون لها في النهاية سلطة القرار العسكري. والأمثلة على ذلك كثيرة:

بعد معارك نهر البارد التي حسمها الجيش اللبناني في بداية أيلول 2007 على رغم إعلان السيد حسن نصرالله وقتها أن المخيم خط أحمر تم استدراج الجيش إلى اشتباكات مع متظاهرين في محيط منطقة مار مخايل في كانون الثاني 2008 لضرب هيبته وتصغير انتصاره في المخيم وإحالة عدد من ضباطه وعناصره إلى التحقيق. وفي 7 أيار 2008 حرّك الحزب قواته العسكرية في بيروت والجبل من أجل أن يثبت أن الجيش اللبناني عاجز عن منعه من القيام بأي عملية عسكرية وأنه يمكنه أن يستخدم سلاحه دفاعًا عن هذا السلاح. وبعد انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية في 31 تشرين الأول 2016 وقبل أن يحتفل الجيش اللبناني بأول عيد للإستقلال منذ ثلاثة أعوام بسبب الفراغ الرئاسي نظّم الحزب عرضًا عسكريًا في القصير التي احتلها في سوريا. وكان الرئيس ميشال سليمان قد أعلن في عيد الجيش في أول آب 2013 سقوط  ما سماه “الثلاثية الخشبية” أي “جيش وشعب ومقاومة” ليتم بعدها استهداف القصر الجمهوري في بعبدا بعدد من الصواريخ.

في ظل هذا الوضع لا يمكن لـ”حزب الله” أن يكتفي برفع علم لبنان إلى جانب راياته على عدد من التلال للتصوير، ولا أن يرفع صور العسكريين الشهداء ذلك أن علم لبنان وحده هو الذي يجب أن يرتفع والأمرة العسكرية يجب أن تكون للجيش وحده والأمرة السياسية للدولة. ولذلك لا يمكن أن يستمر “حزب الله” في مصادرة القرار العسكري والسياسي. فثمة قاعدة لا يمكن تجاوزها وهي: هناك “مجاهدون” لا يمكنهم أن يكونوا جيشًا وهناك جيش لا يمكنه أن يكون “مجاهدين”.

 

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل