سليمان والحريري يتريّثان سعياً إلى إضفاء طابع إصلاحي
إرجاء التعيينات لن يؤثّر على طغيان عامل المحاصصة
تعتقد مصادر سياسية ان ثمة ضجة حول التعيينات المرتقبة اكبر من حجمها وفي غير محلها، باعتبار ان المحاصصة الحزبية والسياسية ستكون موازية للمحاصصة الطائفية والمذهبية وان كل الجدل الذي يثار حول هذا الموضوع هو للتعمية ليس الا او لرفع سقف المطالب ومنع التغيير في بعض المناصب ولإمرار الافرقاء المعنيين باعلاء الصوت والشروط والمواصفات مطالبهم في هذا الاطار. فمسألة التعيينات راهنا لا تختلف عن التعيينات في كل المراحل السابقة التي كان يتم التحضير لها بحملة اعلامية وسياسية لأغراض ومصالح خاصة تحت عناوين كبيرة لا تلبث ان تنتهي مع تعيين كل مسؤول وكل حزب المحسوبين عليه لا اكثر ولا اقل. وبحسب المعلومات المتوافرة لدى هذه المصادر فان ثمة صعوبة في تغيير بعض المواقع الامنية خصوصا تلك المتعلقة بقوى الامن الداخلي نتيجة تمسك مراجع معينة بابقاء من يشغل مواقع حساسة في هذه القوى يقابلها من طرف آخر تمسّك من طائفة ثانية بموقع امني من دون تعديل فيه. وترمي هذه المصادر الكرة في هذا الاطار في ملعب رئاسة الحكومة على قاعدة عودة موضوع فرع المعلومات الى الواجهة في مقابل اصرار الرئاسة الثانية على موضوع مديرية الامن العام.
الا ان مصادر وزارية ترى ان الموضوع تم تكبيره بحيث اثيرت انطباعات ان التعيينات ستحصل غدا، في حين انها ليست كذلك، ايا تكن الطريقة التي ستعتمد. وهذه الانطباعات تركت اثرها ايضا لدى الوزراء الذين دخلوا الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء متسائلين عما اذا كانت ستحصل التعيينات في هذه الجلسة ام لا، مما اضطر رئيس الحكومة سعد الحريري الى الكلام على الموضوع من اجل وضع حد للتكهنات في شأنه، لكن من دون جدوى باعتباره لا يزال يستقطب اهتماما اعلاميا وسياسيا على السواء نتيجة غياب الانشغالات السياسية الفعلية بقضايا مهمة كما في الاعوام القليلة الماضية. وباستثناء التعيينات، فان موضوعا سياسيا وحيدا يشغل السياسيين والاعلام في هذه المرحلة هو الزيارة المحتملة للنائب وليد جنبلاط لدمشق والتكهنات المتزايدة في شأنها حول التوقيت والشروط التي يقول البعض انها تفرض على جنبلاط قبل اتمام الزيارة، مثل لقائه الرئيس السابق اميل لحود او الاطلالة في برنامج حواري على احدى محطات التلفزة العربية ليوضح مواقفه السابقة التي افادت معلومات ان القيادة السورية تتوقف عندها لكونها طالت الشعب السوري لا القيادة السورية، في حين ان واقع الامور ان جنبلاط كان دوما حريصا على التمييز بينهما. ويبدو ان القيادة السورية تتوقف بقوة عند مواقف معلنة لجنبلاط واحاديث صحافية سابقة له ترغب في ان يصوغ موقفا منها ينقضها ويبدو اعتذاراً مناسبا وملائما عما ابداه في هذا الاطار. لكن زيارة لحود او لقاءه لا يتعدى على ما يبدو اطار الكلام الاعلامي الذي لا صدقية له، في حين ان جنبلاط يدرس ما يراه ملائما لصوغ موقف يستبق اي زيارة محتملة له لدمشق.
وفي ما عدا هذا العنصر السياسي بامتياز فان موضوع التعيينات يبقى الشغل الشاغل، علما انه موضوع بحث وتداول بين السياسيين على قاعدة البحث في تقديم نموذج جديد من العمل الحكومي. وتوضح المصادر ان غالبية القوى السياسية موافقة من حيث المبدأ على ان تتأمن الآلية او الطريقة لاجراء الترشيحات والتعيينات، وان تكون هذه مستوحاة من المشروع الذي احالته الحكومة السابقة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة والذي اقرته لجنة الادارة والعدل حينئذ، على قاعدة انه لا يلغي تأثير الزعامات السياسية والطائفية بل يخففها. اذ ان معايير الجدارة والكفاية غالبا ما لا تحتل اكثر من عشرة في المئة من التعيينات في مقابل تحكم الولاء السياسي في نسبة التسعين في المئة المتبقية، في حين ان مشروع الحكومة السابقة حاول ان يرسي تعادلا بين النسبتين على قاعدة خمسين في المئة لكل منهما وتعزيز احتمال اختيار بعض الموظفين على اساس الجدارة. لكن واقع الامور ان السير بهذا الاسلوب سيأخذ وقتا نتيجة حتمية لضرورة الاعلان عن الوظائف وتحديد الشروط والمعايير واللجان التي ستغربل بعد مقابلات تجريها مع المرشحين، في حين تميل قوى سياسية الى اختصار هذه الآلية وانتقال مجلس الوزراء فورا الى شغل الشواغر على اساس الحصص، بحيث بات يضاف مقعد جديد الى الترويكا السابقة يكون للعماد ميشال عون نتيجة انضمامه رسميا الى مقتسمي الحصص في السلطة.
ولا تخفي هذه المصادر ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان لا يرغب في طرح سلة يأخذ كل واحد منها حصته، باعتبار ان هذا الامر يعني عودة كبيرة وخطيرة الى السابق تنسف كل ما يعمل او يسعى للعمل عليه من اصلاح اداري. ولذلك هو يدعو الى التروي في هذا الموضوع وعدم الاستعجال، بل التأخر في التعيين لتوفير بعض العناصر الضرورية شأنه شأن رئيس الحكومة الذي يفضل، بحسب هذه المصادر الوزارية، الاعتماد على عنصر الجدارة. لكن الصعوبات تكمن في ان قوى سياسية مشاركة في الحكومة تود ان تكون التعيينات توزيعا للحصص ليس الا، ويأمل رئيس الجمهورية اقناعها باعتماد عامل الكفاية اساسا على ان يكون اقناع احدها عاملا يؤثر على آخرين، علما ان بعض الزعماء لا يخفي انه لا يرغب في تدخل آخرين في تعيينات تشمل ابناء الطائفة التي ينتمي اليها.