حزب الله وخطاب "التصعيد" و"التخوين"!
عندما ترتفع أصوات نواب حزب الله بالتصعيد والتخوين والتهويل والسعي إلى فرض رأيهم على سائر الفرقاء اللبنانيين، يفوح من رائحة توترهم عبق قلق وأرق مصدره إقليمي لا محلي، ومن حقّ حزب الله أن يقلق ويتوتّر، فهو لا يجد له قوة ولا وجود حقيقي إلا في "حال الحرب" التي يعيش على ظلال كوابيسها، لذا هو محتاج يومياً للغة الحرب والاستعداد لها كأنها ستقع غداً فيما ينفي في نفس الوقت احتمال وقوع حرب مع إسرائيل لأنّهم "ربّوها" بحسب إعلانهم النصر في آب العام 2006.
لابدّ أنّ سبب ارتفاع منسوب التوتر والتخوين في حدّة خطاب نواب حزب الله مردّه إلى سببيْن: الأوّل؛ الحركة الإقليميّة الديبلوماسيّة المتسارعة في المنطقة، ودينامو هذه الحركة وزير خارجية المملكة العربية السعودية، وعندما تنشط هذه الحركة على الخطّ المصري والسوري ويعقبه تحرّك أردني، وضبابيّة القضاء على القاعدة في اليمن، وتحوّل الأمر إلى قضيّة ترعاها دول العالم مشتركة، فالأمر يستدعي قلق حزب الله من هذه الحركة الديبلوماسيّة الناشطة..
أمّا السبب الثاني؛ فإقليمي إيراني بامتياز، فما يحدث في إيران من اضطرابات داخلية يثير قلق إيران نفسها بنظامها وحرسها الثوري، وارتفاع حدّة التخوين والتهديد في الدّاخل الإيراني، لا بدّ وأن تقلق ببديهيّة حزب الله على مصيره، ولا يستطيع الحزب أن يفرّ من مواجهة حقيقة ما يحدث في إيران ينعكس على بنيته العسكرية والاقتصادية.
بالأمس، صدر كلام عن نائب حزب الله نواف الموسوي رأى فيه أن "البعض" – وهذا البعض هو أكثر من نصف الشعب اللبناني – "يريد سلب لبنان قوته المتمثلة بالمقاومة"، قد يكون أكثر الأمور إشكالية بين قسم كبير من اللبنانيين وحزب الله أنّ الأخير يرى سبب وجوده هو فقط في المقاومة، والمقاومة من وجهة نظره تساوي احتفاظه بسلاحه، بل هو لا يرى وجوداً للبنان خارج هذه المنظومة، فيما أكثر من نصف الشعب اللبناني يعتقدون أن لبنان كان موجوداً منذ آلاف السنين ومرّ على رأسه محتلون كثر، وكان وبقي وسيبقى لبنان، قبل ومع وبعد حزب الله، إلا إذا كان الحزب يعتقد أنه "خالدٌ أبد الدهر" وهذا ضد الطبيعة الإنسانية والسياسيّة والمقاوماتية أيضاً!!
ونستغرب هذا الخطاب الحاد الصادر عن الموسوي فهو ليس أكثر من محاولة لقمع وكفّ أفواه اللبنانيين وإسكاتهم عن المطالبة بحلّ مشكلة ترسانة حزب الله الموجودة تحت مروحة استخدامات واسعة تبدأ من "الغجر وتلال كفرشوبا ومزارع شبعا"، يمتدّ إلى فلسطين وتحرير القدس ومواجهة الاستكبار الأميركي، وفي هذه الخلطة العجيبة فهي لبنانية على عربية على إسلاميّة يديرها المايسترو الإيراني الإقليمي، لذا من حقّ اللبنانيين أن يعرفوا رأسهم من أرجلهم في هذه المعمعة السلاحيّة، ونستغرب أن يتحدّث نائب حزب الله عن محاولات إحباط حثيثة جرت وتجري – بحسب قوله – "لمنعنا من التنعّم بالنصر السياسي الذي حقّقناه بعد النصر العسكري الذي صنعناه في العام 2006 ـ ولا نعرف كيف يتنعّم الحزب بالخراب الذي دمّر بيوت الناس وقتل المئات من الأطفال في المجازر – لكننا انتصرنا لأننا لم نسمح لهم بأن يبنوا لا "جدران فولاذية" ولا "جدران من إسمنت" ولا "جدران إلكترونية" بيننا وبين سورية، وقد تجلّى هذا الانتصار الآن في أن من يحكم في لبنان هو القوى السياسية جميعاً من دون أن يتمكّن أحد من فرض هيمنة أجنبية على لبنان".. أمّا حديثه عن اجتياح العام 1982 فليس أكثر من خطاب شعبوي – لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
أما أسوأ ما سمعناه في خطاب الموسوي، فهو تقريره سلفاً ما سيطرح على طاولة الحوار، والفلك الذي سيدور فيه والنتيجة التي سينتهي إليها بحسب رؤية حزب الله وما يريد فرضه على اللبنانيين، هكذا وبكل "ديموقراطيّة" يلغي نائب عن حزب كل الشعب اللبناني وما يريده ببضع كلمات آمرة ناهية، إذ قال وبالفم الملآن: "حينما نذهب إلى طاولة الحوار لبحث الإستراتيجية الدفاعية، فإننا نناقش عليها بنداً اسمه كيف نواجه العدوان الإسرائيلي، وما هي الإستراتيجية الدفاعية لمواجهة التهديد الإسرائيلي؟ أما المحاولة الغربية الأميركية الإسرائيلية لإزاحة التهديد الإسرائيلي وتحويل موضوع طاولة الحوار إلى ما يتعلق بسلاح المقاومة، فإن هذا الأمر لن يمرّ" فهل هناك عدم جدوى طاولة الحوار وانتفاء قيمتها والحاجة إليها، لأنها "متل قلّتها" بالنسبة الى الحزب، إما إذا أراد اللبنانيون أن يناقشوا على طاولة الحوار مصير وطنهم ومستقبل أولادهم وعدم الزجّ بهم في حروب لمصلحة إيران لا لبنان، فإنّه – وبحسب نواف الموسوي – "لن يقبل أحد على طاولة الحوار أن يكون مع إسرائيل".
هذا الخطاب "التخويني والتهديدي والديكتاتوري" لم يعد له جمهور ولا قيمة ولا أحد يعيره أذناً صاغية من اللبنانيين، فهذا خطاب العاجز ـ المستبد، والتخوين حجّة من لا حجّة مقنعة لديه يُخاطب بها الآخرين، وهذه الشعبويّة والتعبويّة، لم تعد تجدي نفعاً عند جمهور المقاومة نفسه، لأنه لم ينسَ بعد الخراب الذي حلّ به في العام 2006 وضياع كل وعود الإعمار، ولو كان حزب الله يملك "جرأة استفتاء" لأجراه بين جمهوره أولاً سائلاً إيّاه ما إذا كان عنده استعداد لخوض حرب أكثر شراسة من العام 2006، أو من أجل الدفاع عن إيران… فقد شبعنا تنظيراً وتسلّطاً وعجرفة ومحاولة فرض "الرأي الواحد" – مع ادّعاء المشاركة – على اللبنانيين وكأنه لا خيار أمامهم إلا الموت من أجل الآخرين، وكفى تخويناً للبنانيين الذين لولا احتضانهم للمقاومة عام 2006 لما كان هؤلاء يتغنّون ليل نهار بانتصارات كلفت لبنان الكثير من الخراب والدماء!!