من اولى الملاحم اليونانية والهندية القديمة حتى ملحمة الحرب الاهلية الروسية «الدون الهادىء» لميخائيل شولوخوف، كانت القدرة على تظهير ملحمية مختلف اطراف الصراع، القدرة على تظهير الصراع في كل واحد منهم بين الارادة الاستثنائية وبين عبث الاقدار، هي ما يكسب الملحمة معناها.
المنتصر كان ينتصر فيها لانه كان يمكن ان يهزم عند اي فاصلة، والمنتصر ينتصر فيها على نفسه قبل أخصامه.
أما زمن الملاحم عند الممانعين فهو احتكار المظلومية، بحيث لا يمكن سماع صوت أي أنين من خارج معسكر المظلومية المستدامة، واحتكار الانتصارية، بحيث يسبق اعلان النصر كل نزال ومواقعة، بحيث يصير الانتصار حاجة يومية، ويتاح من ثم للمنتصر ان يبري مهزومه المفترض من الهزيمة، ويتفق على اخراج مهزومه من ورطته، اذا ما سرنا في الرواية قدماً، ليلقي بكاهل هذه الهزيمة على من لا ناقة له ولا جمل في المواقعة، ومن ليس لديه الا الاقتناع، بكل هدوء، بأنه لا يمكن للدولة الوطنية ان تنبني الا على احتكارها كدولة لمنظومة العنف الشرعي.
فهذا ليس بشأن اختياري او مزاجي تتخير او تستمزج فيه الامم. انه شرط شارط للتحقق في دولة. ان يكون صعب التحقيق والمنال في حالتنا اللبنانية بعد حرب اهلية طويلة ثم وصاية سورية تعادل فترة الحرب الاهلية ثم فترة انقسام اهلي حاد، فهذا لا يبدل في الامر شيئاً. لا دولة «طبيعية» من دون احتكارها لمنظومة العنف الشرعي.
مهما تصاعدت موجة التنميط والاحادية اليوم، فان هذه المقولة، «احتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعي»، كافية ووافية لاعادة انتاج معنى للكيانية الوطنية اللبنانية، كحركة مقاومة ثقافية بالدرجة الاولى، ما دام المضمار السياسي مكبل الى اعلى درجة.