أبعد من مصالحات <تبويس اللحى>··!
الترحيب بلقاءات المصالحة التي تتم بين الكوادر الحزبية حيناً، كما بين القيادات السياسية احياناً أكثر، لا يعفينا من الاعتراف بأن اقتصار المصالحة على مشهدية <تبويس اللحى>، وتناول الشاي مع تبادل كلمات المجاملة، لن يوصل مسيرة التصالح والتوافق إلى الأهداف الحقيقية والجدية التي يجب أن تبلغها بأسرع وقت·
ولعل القيادات السياسية والحزبية تدرك أكثر من غيرها أن طي صفحة المرحلة السوداء، والتي وصلت فيها الخلافات بين الطوائف والأحزاب إلى حدّ المواجهة بالسلاح، لا تتم بكبسة زر مشتركة بين قيادات الصف الأوّل، بقدر ما تتطلب خطاباً سياسياً وطنياً جديداً، يكون قادراً على تنفيس الاحتقان الشعبي الذي بلغ ذروته عشية 7 أيّار، حيث دفعت الاشتباكات الدامية التعبئة الشعبية إلى حدها الأقصى، والذي ازداد غلياناً بعد سقوط الضحايا وسفك الدماء البريئة·
لا شك في أن لقاءات المصالحات تساعد على تخفيف التوتر وما يُفجّره من حساسيات واحتكاكات يومية بين جيران المنطقة الواحدة، وبين أهل الشارع الواحد، ولكن هذه اللقاءات لا تؤدي إلى فتح صفحة جديدة، وتعود معها أجواء الصفاء والتعاون والاخاء في الشارع، إذا لم توفّر ضمانات الثقة والاطمئنان بأن ما حصل يوم 7 أيّار الأسود لن يتكرر <يوماً ما>، وأن السلاح، كل السلاح، سيبقى موجهاً إلى العدو الواحد على الحدود لأن اختلاف النّاس بألوانهم الحزبية أو الطائفية أو حتى المناطقية، لا يجوز أن يُحوّل أبناء الوطن الواحد، والحيّ الواحد إلى أعداء بعضهم لبعض·
* * *
وبقدر ما نؤكّد على أهمية <مصالحة الشويفات> التي جمعت إلى الزعيمين وليد جنبلاط وطلال أرسلان قيادات من حركة أمل وحزب الله، لطي صفحة الصدام الدامي بين الجبل الأشم والضاحية الجنوبية، بقدر ما نطالب بأن تشمل مسيرة المصالحات مناطق الصدام الأخرى، خاصة سيدة العواصم بيروت، التي ما زالت بعض شوارعها تعيش أجواء قلق وحذر، نتيجة ترك الأمور على غاربها من قبل القيادات الحزبية، وذلك بعد الصدامات المتنقلة في بعض احياء العاصمة، التي وجدت نفسها فجأة، في خضم معركة بعيدة عن طبيعتها الحاضنة للجميع، وتتنافى مع تقاليدها في المحافظة على العيش المشترك في الحي الواحد، والمبنى الواحد، الذي غالباً ما يختصر تركيبة النسيج اللبناني·
* * *
إنها ساعة المصالحة!·
وتحويل هذه المناسبات إلى فرص حقيقية لاستعادة اللحمة بين رفاق الخندق الواحد، وأبناء الوطن الواحد، يتطلب العودة الفعلية إلى خطاب وطني يُعزّز ثقافة الحوار بدل تعميم مفردات الاتهامات والتخوين، ويعتمد الانفتاح نحو الآخر والقبول به شريكاً في الوطن وفي المصير عوض التفرد بالقرار ومخاطبة الآخرين من موقع التفاضل والاستعلاء·
إن منطق المصالحات الحقيقية يفرض على الجميع التسليم بمبدأ التعددية التي تميز المجتمع اللبناني عن غيره من المجتمعات الأخرى، تلك التعددية التي تتجاوز الحدود السياسية، لتشمل القواعد الحزبية والثقافية والطائفية، في إطار من الانفتاح والاختلاط قل مثيله في المجتمعات الأخرى، رغم تكرار الأزمات السياسية والطائفية في الوطن الصغير·
والمضي قدماً في مسيرة المصالحات يقضي بتكريس قاعدة <لا غالب ولا مغلوب> بين اللبنانيين، لتعود المعادلة الوطنية الحسّاسة إلى توازنها الدقيق، بعيداً عن ضغوط الإكراه والإذعان، وعلى عكس ما يحلو للبعض ترداده بأن المصالحات والتوافقات وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، كلها من إنتاج المعادلة الجديدة التي أسفرت عنها احداث 7 أيّار···! ما يعني في نظر هذا <البعض> أن ما يجري حالياً من مصالحات ولقاءات توافقية، إنما يتم بالإكراه، وتحت ضغط السلاح الذي استُخدم في ذلك اليوم الأسود من أيّار، والذي يمكن استخدامه مجدداً في الداخل كلما لاحت في الأفق بوادر نزاع جديد!·
* * *
وحتى تصبح المصالحات ركناً اساسياً من أركان العملية الوفاقية الحالية، لا بدّ من أن تخرج من المشاهد الشكلية المملة، والخالية من أي مضمون يشكّل قيمة مضافة للوفاق الوطني، لتطرح المقاربات العقلانية والرصينة لمعالجة الملفات الخلافية الأساسية، من وضع قانون عصري للانتخابات النيابية والبلدية، إلى تحديد نظام اللامركزية الإدارية الواجب اعتماده، إلى الاتفاق على معالجة السلاح غير الشرعي، إلى بلورة استراتيجية دفاعية عملية وفعّالة، بعيداً عن النظريات والمناورات، إلى الاتفاق على المنهجية الواجب اتباعها في التعيينات الإدارية والقضائية لتجديد شباب الإدارات العامة واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة بعد تمكينها من استرداد عافيتها!·
* * *
إذا كانت المصالحات تبدأ بتصريح، فلقاء ثم مصافحة وتبويس لحى بين القيادات، فان إتمامها، وإيصالها إلى أهدافها الوطنية الحقيقية، يتطلب إيصالها إلى الشارع أولاً، وتحصينها بالحوار والتوافق حول الملفات الخلافية المزمنة·
وألا تبقى المسألة مجرّد لقاءات قيادية فوقية، في حين تبقى نيران الخلافات كامنة تحت رماد الشارع، رهن الأيدي الخبيثة التي تُحرّكها متى شاءت!·