التعيينات الادارية بين القانون والسياسيين
المحامي جورج ابو صعب
اما وقد بدأت تلوح في الافق القريب بوادر فتح بازار التعيينات الادارية في مؤسسات واجهزة الدولة، فاننا نناشد بداية جميع السياسيين والزعماء ان يبادروا ولو لمرة واحدة الى احترام القانون والنصوص بعدما اعتدنا لدى قسم كبير منهم على استسهالهم الدساتير والقوانين والشرائع والمواثيق والاصول. فنسمع من هنا وهناك عن مرجعية رسمية للبت بالتعيينات وعن معايير توضع لتلك التعيينات في مجلس الوزراء الى ما هنالك، فيما الغائب الاكبر عن الادبيات والتصاريح والمواقف هو القانون والنص القانوني المفترض ان يبت كل الامور وان يكون للجميع المرجع الوحيد الاوحد.
انطلاقا من هذه المناشدة الصادقة والغيورة على ما تبقى من مصداقية للقوانين والاصول في هذا الزمن القاحط فكريا وعلميا وثقافيا، كي لا نقول وطنيا و "ومواطنيا "، نرى ان المطلوب قبل الحديث عن "مذابح" او "معارك داحس والغبراء"، العودة اولا واخيرا الى النص القانوني. رغم ان البعض ممن سوف يقرأنا قد يعتبرنا مثاليين وافلاطونيين، لكننا في النهاية ننطلق مما يجب ان يكون الامر عليه طبقا لحقيقة الواقع والارض المختصرة بالقانون الذي يرعى مواضيع الوظيفة العامة طالما ان ثمة قانونا موجود وساري ومرعي الاجراء. لذا وبالعودة الى النص القانوني نقول الاتي:
اولا: في لبنان قانون يرعى الوظيفة العامة ويشكل اساس النظام الوظيفي في الدولة، هو المرسوم الاشتراعي رقم 112/1959 مع كافة تعديلاته، واهم ما جاء به هذا التشريع هو "حصر شؤون اختيار الموظفين بجهاز مركزي متخصص هو مجلس الخدمة المدنية"، من خلال اجراء الامتحانات والمباريات للتوظيف في كافة وزارات وادارات الدولة تحقيقا للمساواة الحقيقية بين جميع المرشحين بعيدا عن السياسة والوساطات والتدخلات الفئوية.
وهنا لا بد من ابداء الاسف الشديد لموقف دولة رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري الذي يبدو المبادر هذه المرة الى ادخال موضوع التعيينات في بازرات التشنجات والمحاصصة، فيما لم يجف بعد حبر تصاريحه الصحافية ومواقفه "النوعية" من الغاء الطائفية السياسية والاسراع فيها. فنسجل عليه تناقضه الاولي في موقفه لان المفترض برجل حريص على الدستور وتنفيذ الطائف والنصوص ان يثبت عند اول امتحان جدي صدقه في ذلك من خلال اعتصامه بالنص وبالقانون لا العودة الى سياسة ومنطق الفئوية والمذهبية. فهو من بادر الى طلب الغاء الطائفية السياسية وبالتالي على المبادر ان يثبت ايمانه الحقيقي في مواقفه بما بادر من اجله عبرة "للاخرين" وقدوة "للطائفيين والمذهبيين".
ثانيا: الكل يتكلم عن اعتماد معايير الكفاءة والاستحقاق لكن في الواقع العديد من هؤلاء لا يهمهم الا حصصهم وطائفتهم ومذهبهم وحزبهم وتيارهم. فنذكر هؤلاء الى ان التجارب العالمية في مجال الوظيفة العامة اثبتت ان افضل ما يؤمن ابعاد النفوذ السياسي والمداخلات والمحسوبيات عن عملية اختيار الموظفين العامين هو اعتماد مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص امام جميع المرشحين باعتبارها الاساس السليم الذي تقوم على ركائزه الادارة الناجحة والنظيفة والكفوءة.
فنظام الاستحقاق والجدارة (MERIT SYSTEM) هو الذي اعتمدته الدول المتطورة اليوم وقد كانت الولايات المتحدة اولى الدول التي كرسته منذ عام 1882 بديلا عن نظام ما سمي بالغنائم للمنتصر (SPOILS SYSTEM) خصوصا اثر اغتيال الرئيس الاميركي عام 1883 غارفيلد GARFIELD على يد مواطنه الاميركي الذي لم يستطع الحصول على وظيفة عامة بسبب نظام الغنائم المذكور، وقد بادر الكونغرس عام 1883 الى اصدار قانون PENDLETON ACT الذي انشأ لجنة للخدمة الوطنية كما سميت واولى اهدافها منع الاحزاب السياسية من التدخل في شؤون التوظيف وترك هذا الاختيار لمعايير المؤهلات والكفاءة.
وفي لبنان ثبت الدستور اللبناني في المادة (12) منه مبدأ الاستحقاق والجدارة (MERIT SYSTEM ) اذ نصت على ان "لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة لا ميزة لاحد على الاخر الا من حيث الاستحقاق والجدارة وفقا للشروط التي ينص عليها القانون". فرغم ازدراء بعضهم من النص الدستوري ورغم النكبات التي اصيب النص الدستوري بها الا اننا سنبقى نستشهد به ونعتبره المرجع الاعلى لحكم البلاد وادارة شؤونه، لان لا بديل عن النص الدستوري كما لا بديل عن النص القانوني اذا اردنا بناء دولة بكل معنى الكلمة. كذلك المادة (21) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 نصت على الحق لكل شخص … في الوصول للوظائف العامة في بلده ضمن شروط متساوية.
ثالثا: بغض النظر عن الشروط الموضوعية للتعيين في الوظائف العامة (كشرط الجنسية – والسن – واللياقة – والمؤهلات العلمية – والمباريات ) الا اننا في لبنان اضيف شرط اخر للتوظيف الا وهو الانتماء الى طائفة او مذهب معين بسبب التركيبة الاجتماعية – السياسية الطائفية – وقد كان نص المادة (95) من الدستور قبل تعديله بموجب قانون 1990 ينص بوضوح على "… تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة … بصورة موقتة والتماسا للعدل والمساواة بين الطوائف … دون ان يؤول ذلك الى الاضرار بالمصلحة العامة". ففي ظل هذا النص السابق في الدستور فتح سباق التصارع والتطاحن على توظيف المحاسيب والازلام ولو عن غير استحقاق وجدارة، اذ ان المعيار الاهم الذي اعتمد استنادا لهذا النص كان معيار المساواة بين الطوائف وليس معيار الكفاءة والاستحقاق المنصوص عليه في المادة (12) من الدستور.
وجاءت المادة (96) من نظام الموظفين (المرسوم الاشتراعي رقم 112/1959) لتؤكد مراعة المادة (95) من الدستور.
لذا كان امام المرشح الناجح ولكن غير المعين بسبب ارائه السياسية او انتمائه الحزبي او الطائفي او المذهبي او المناطقي في حالات كثيرة ان يتقدم امام مجلس شورى الدولة بمراجعة طعن لتجاوز حد السلطة، على اساس خرق مبدأ دستوري حول الاختيار للوظيفة العامة بحسب الكفاءة والجدارة والمساواة عندما كان يسبقه مرشح اخر اقل منه نجاحا في الامتحان (هذا ان حصل الامتحان).
اما اليوم فان المادة (95) من الدستور تغيرت من مادة مكرسة للطائفية الوظيفية الشاملة الى مادة تتكلم عن الاختصاص والكفاءة ضمن حدين:
1 الاول: الغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العامة والمختلطة وفق مقتضيات الوفاق الوطني.
2 الثاني: الابقاء على طائفية وظائف الفئة الاولى وفي ما يعادلها لتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، دون تخصيص اية وظيفة لاية طائفة، مع التقيد بمبدأ الاختصاص والكفاءة.
ما يعني عمليا فتح باب الاختيار للوظائف من الفئة الثانية وما دون امام الكفاءات والمؤهلات بموجب الاختبارات والمباريات دون التقيد الالزامي بالمساواة بين المسيحيين والمسلمين. لكن مع مراعاة مقتضياة الوفاق الوطني (اي حفظ توازنات طائفية معينة تخدم اصحاب نظرية الديمقراطية التوافقية) في مقابل ابقاء اختيار وظائف الفئة الاولى ومن في حكمها خاضعا لمبدأ المساواة بين المسيحيين والمسلمين لكن "دون تخصيص" وظيفة لطائفة (اي اعتماد المداورة في الوظائف) والتقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة.
وعليه نشير الى ان المادة (65) من الدستور التي اعطت مجلس الوزراء باغلبية ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها، جعلته وحده المرجع الرسمي ذات الاختصاص للبت في تعيين موظفي الفئة الاولى وما يعادلها لا مجلس النواب ولا طاولة الحوار ولا اي مرجع اخر. وبالتالي فانه اذا كان الافضل التوصل باالاجماع على طاولة مجلس الوزراء الى تعيين موظفي الفئة الاولى وما يعادلها، الا انه يبقى باستطاعة الحكومة ان تعين باكثرية ثلي الاعضاء هؤلاء الموظفين وبالتالي فليحترم الدستور وليحترم القانون دون ضغط او مناورات سياسية في ملف حساس كهذا.
رابعا: بالنسبة لاليات التعيين للفئة الاولى او اية فئة اخرى: فلندع القانون يطبق كما هو وارد في نظام الموظفين وتعديلاته: فبالنسية للفئة الاولى ينبغي ان يتم التعيين بقرار من مجلس الوزراء بالاجماع والا فباغلبية الثلثين كما نص الدستور على ذلك، على ان تملأ الشواغر في الفئة الاولى بالاختيار من بين موظفي الدرجات الثلاث العليا من الفئة الثانية المدرجة اسماؤهم في جدول الترفيع، ويحتفظون في الدرجة الاخيرة من الفئة الاولى كما يحتفظون بحقهم في القدم المؤهلة للترقية اذا تم تصنيفهم براتب يوازي راتبهم. وهذا ما نصت عليه المادة (12) من المرسوم الاشتراعي رقم 112 لسنة 1959 المعدلة.
يجب استطلاع رأي مجلس الخدمة المدنية في تعيين موظفي الفئة الاولى من خارج الملاك على ان يحمل المرشحون اجازات جامعية، على ان لا يحق التعيين من خارج الملاك الا بنسبة الثلث في الوظائف الشاغرة من الفئة الاولى.
وقد كرست المبادئ القانونية العامة للتوظيف مبادئ ثبتها القانون اللبناني لا سيما بالنسبة لاليات التعيين وضمان موضوعية السلطة في الاختيار وحقوق الناجحين في الامتحانات والمباريات، ونذكر على سبيل المثال:
1- ان الادارة ملزمة خلال سنتين بعدم تعيين اي موظف من خارج لائحة الناجحين في المباراة او الامتحان، فلهم افضلية على من يأتي من بعدهم وبالتالي لا مجال لتوظيف عشوائي ولا للقفز فوق القانون لتوظيف مستزلم او محسوب على اي زعيم او شخصية سياسية.
2- على الادارة احترام التسلسل في درجات النجاح في المباراة، فالادارة تختار من بين الناجحين الزاميا وليس من بين الراسبين لاي اعتبار كان، وذلك وفق مراتب نجاحهم بحيث يعين الاول ثم الثاني فالثالث … الخ.
وكل تعيين مخالف لهذا المبدأ يعتبر باطلا في الاساس وقابلا بالتالي للطعن به امام مجلس الشورى.
3- خضوع مرشحي الفئات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة لمبدأ الاختبار بالاستناد الى المواد (8-9-10-11) من المرسوم الاشتراعي رقم 112 لسنة 1959 وتعديلاته، وبالتالي لا مجال للتعيين من خارج الاليات القانونية والادارية المرعية والملزمة.
4- تراعى في تعيين الموظفين المادة (95) من الدستور ولا سيما عدم مراعاة التوزيع الطائفي للفئات الوظيفية كافة باستثناء الفئة الاولى لكن بالتقيد في نفس الوقت بالكفاءة والجدارة والاستحقاق اي بالمؤهلات والكفاءة.
5- سريان مفعول التعيين من تاريخ مباشرة العمل دون اي مفعول رجعي حول ذلك.
6- عدم تعيين اي كان في وظيفة شاغرة في الملاك الاداري الا ومرصد له اعتماد خاص في الموازنة العامة للدولة. فلا تعيين الا وفق الاصول القانونية والادارية من نجاح في الامتحان ثم مرسوم المرجع الصالح بالتعيين فبدء العمل. فاي تعيين خلاف ذلك باطل وليس له اي مفعول قانوني.
وفي الختام وفي ضوء وجود الاليات الدستورية والقانونية للتعيين نؤكد على ما يلي:
ان الوظيفة العامة يجب ان تخرج من نطاق المزايدات والمحاصصة والتجاذبات السياسية والفئوية، لانها تتعلق بخدمة المجتمع وتأمين سير المرافق الحيوية وبالتالي اذا احترم الجميع الاليات الموضوعة قانونا يكون الجميع مطمئنا الى حقوقه ومكتسباته والا فاننا قد نقع في ازمة وطنية جديدة عنوانها الخلاف حول التعيينات الادارية. فالبلاد لم تعد تتحمل استخفاف بعض المسؤولين بعقول الناس ولا تتحمل الدخول في اجواء تشنجات جديدة على قاعدة المحاصصة والطائفية والمذهبية، فقد ان الاوان ان نعود للنصوص الضامنة.
فارفعوا اياديكم السياسية عن التعيينات ودعوا عجلة المصلحة العامة تسير ولو لمرة واحدة… في تاريخكم.