#adsense

بترايوس و “النقطة الحرجة”!

حجم الخط

 بترايوس و "النقطة الحرجة"!

تتسارع أحداث المنطقة،إلى حدّ تبدو كأنّها كلّها على وشك الاشتعال، ويبدو أنّ الصوت الأميركيّ المأذون له بالتحدّث لإرسال الرسائل وتحريك المؤشرات هو الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الاميركية في العراق والذي عُيّن مسؤولاً عن العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى خلفا للأميرال وليام فالون، في 23 نيسان العام 2008 .

فالحديث الذي أجرته محطة C.N.N مع بترايوس يُعتبر الأول من نوعه من حيث التلويح العسكري الأميركي بضربة للمنشآت النووية الإيرانية، وتزامن هذا الحديث مع كلامٍ إيراني "كسروي" متغطرس وردَ على لسان أحمدي نجاد الذي دعا في 10 كانون الثاني الجاري "إلى التعامل مع بلاده باعتبارها طرفاً رئيساً في المنطقة والعالم ، معتبراً في خطاب له أمام البرلمان إنه لا خيار للعالم سوى الاعتراف بعظمة الأمة الإيرانية، وإنه لا توجد سياسة قابلة للتنفيذ في منطقة الشرق الأوسط من دون بلاده"،أما أعجب و"أطرف" ما صرّح به نجاد فوصفه للظروف الداخلية في إيران بأنّها:"إن إيران تشهد اليوم "وحدة وطنية نادرة"!! ولم ينسَ نجاد أن يتوقّع متفائلاً:"أن إيران ستصبح في خلال الخمس والعشر السنوات المقبلة قوة مؤثرة في العالم" .

و"الطريف" في حديث نجاد عن الوحدة الوطنية النادرة التي تعيشها إيران في هذه الأيام أنه تزامن مع ما نشر في صحيفة "جمهوري إسلامي" التابعة لمرشد الجمهورية علي خامنئي، موصّفاً حال الأزمة الإيرانيّة بقولها:"إن الأزمة الداخلية تهدد بتفكيك عرى المجتمع الإيراني وانهيار النظام، ونشرت في افتتاحيتها مقترحات لحل الأزمة قالت إنها تتمركز في الالتفاف حول محورية مرشد البلاد علي خامنئي ودعت المعارضة إلى قبول الأمر برغم أنه صعب ويحتاج إلى شجاعة ونكران الذات"… فمن نصدّق؟!

هذا أولاً ؛ أما ثانياً فالكلام الصادر عن مرشد الجمهوريّة الإيرانية،وراعي وحامي نجاد الأول، علي الخامنئي الذي أدلى به أمام زائرين من مدينة قم :"لقد رأى مسؤولو السلطات الثلاث ما يريده الشعب ـ تظاهرات المحافظين التي طالبوا فيها بإعدام زعماء الإصلاح)، لذا عليهم العمل جيداً بمسؤولياتهم تجاه المفسدين ومثيري الشغب"، ويبدو أنّ الحلّ الأنسب الذي يراه مرشد الجمهورية لمواجهة الشعب الإيراني بإعدام رموزه السياسيّة الإصلاحيّة معتبراً كلامه "الإنذار الأخير" وهو كذلك فعلاً لأنه استدرك التكليف الشّرعي الصّادر عنه بإعدام القيادات الإصلاحيّة فحذّر "أنصاره من أنّ كلّ شيء لا بد أن يتم في إطار القانون وعلى الجميع تجنب اتخاذ مبادرات فردية"،وهذا تناقض من الصعب تفسير كيفيّة تطبيقه بالقانون متى كان مذيّلاً بتهمة "محاربة الله ورسوله"، فهذه تهمة تبطن "هدر دمٍ" بصياغة غير مباشرة.

على ضوء هذا الكلام الطالع من الداخل الإيراني، طبعاً المذيّل بردود إيرانية عن كلام "بترايوس" الطائش، وحديث المحللين الإيرانيين عن "المفاجآت" التي حضرتها إيران،وطبعاً بشائرها "هلّت" منذ بدأ إطلاق قذائف الجهاد الإسلامي ـ الذراع الإيرانية ـ الجاهزة لتلبية أي رغبة وحاجة لإشعال غزّة من جديد في حال ترددت حماس الداخل أو الخارج ، ولا نظنّ أبداً أن لبنان سيكون بمنأى عن مغامرة "المفاجآت" الإيرانية ، ولا نستثني العراق ولا اليمن أيضاً ، ولا بالطبع أن تتحرّك خلايا إيران "النّصف ـ نائمة" في الخليج العربي..

المفاجأة الحقيقيّة حتى الآن هي في تصريح ديفيد بترايوس الذي ترك القليل المتبقي من الوقت الإيراني قبل بلوغ "النقطة الحرجة"، فبحسب مقتطفات من مقابلته:"سيكون غير مسؤول تماماً ألا تفكر القيادة الأميركية الوسطى المسؤولة عن المنطقة في سيناريوهات عدة وأن تضع خططاً للرد على مجموعة متنوعة من الأوضاع"، وأجاب بترايوس بوضوح على أسئلة تتعلق بالمنشآت النووية الايرانية وإمكانية تعزيزها لحمايتها من الهجوم، لفت الجنرال الأميركي إلى أنها "يمكن أن تتعرض للقصف"، وأرجأ الموعد قليلاً لأنّه:"لا يزال بالإمكان حلّ الأزمة النووية الإيرانية عبر الطرق الدبلوماسية، معتبراً أنّه :"لا يزال هناك وقت قبل بلوغ نقطة حرجة"..

الذاكرة الإيرانية مثقوبة لم تسمح لها شماتة الحقد والتشفّي بصدّام حسين في عاصفة الصحراء عام 1991 ، هو أيضاً لم يصدّق وظلّ يناور ويحاور حتى فاجأته دول العالم ، هدّد وتوّعد إسرائيل ، فقصفها بصواريخ "سكود" فيما كانت تتوقّع صواريخ كيماوية وبيولوجية وصواريخ برؤوس نووية،أحرق آبار النفط في الكويت،هدّد بضرب المملكة العربيّة السعوديّة، مراهناً على كمّ هائل من "الخزعبلات" وعلى أبيات شعر "وهميّة" تم تسويقها على أنها للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي وتتحدّث الأبيات عن الرّجل الذي سيخرج من تكريت ويُقال له صادم يمهّد لمجيء المهدي المنتظر "السُنّي" متلاعباً بمشاعر الأمّة ، لم يكن اثنين يلتقيان إلا وثالثهما روايات تتناقل رؤى تُنسب لهذا العالم أو ذاك الشيخ الذي "رأى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم يعطي صدّام سيفاً" ، ما أشبه اليوم بالعام 1991 يومها كنّا نتهم بأننا خارج الإسلام إن قلنا ما يفعله صدّام سيعيد المسلمين والمنطقة مئات السنين إلى الوراء ، الآن جاء دور "الوهم الإيراني" ، وبراوية كاملة ، عن حربٍ عالمية ثالثة وحربٍ تخوضها إيران تمهّد لخروج المهدي المنتظر "الشيعي" من سرداب الغيبة الكبرى… كان الله في عون المنطقة العربية على "الهلوسة" عندما تصبح سياسة ، وعلى الشعوب عندما يمارس عليها أسوأ أنواع الابتزاز الديني في وجدانها، فهل هناك دين واحد من الأديان السماويّة لا منتظر فيه،حتى اليهود أنكروا على السيّد المسيح عليه السلام أنه المسيح،وهم أيضاً ينتظرون "مشيحهم!!

المنطقة على حافة بركان يغلي ، وأحمدي نجاد متفائل بـ "الوحدة الوطنية النادرة" في إيران هذه الأيام، وعلي خامنئي يحذّر من "تفكّك عرى المجتمع الإيراني وانهيار النظام"، وصحيفته تريده أن يكون "محور الجمهوريّة الإيرانيّة"،والتّكليف الشّرعي بإعدام قيادات الإصلاحيين قد صدر، وخطط بترايوس باتت جاهزة، والحركة الدبلوماسية في المنطقة العربية لا توحي مكوكيتها إلا بترقب حدث كبير والسعي لتجنيب المنطقة "مصائبه"،والوقت الإيراني سيبلغ النقطة الحرجة في شباط المقبل ما لم يستجدّ في الأمور، أمور.. أمّا في لبنان فلنتسلَّ بالحديث عن التعيينات الإدارية،والمصارحات والمصالحات الكبرى والصغرى والمتوسطة والـ "أبو جمبو" ، فالفراغ يقتل المنطقة في انتظار… "شيء ما غامض" لن يلبث أن يقع عليها..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل