#dfp #adsense

فؤاد افرام البستاني: تاريخ الحكواتي وحكواتي التاريخ

حجم الخط

كتبت صوفي شماس في “المسيرة” –  العدد 1624:

«لا يمكن أن يتم وصف لبنان إلا بلبنان. فهو ليس ذو وجه عربي ولا عربي. لبنان هو وطن المضطهدين. إنه لجميع الطوائف التي تعيش فيه متساوية في الحقوق والواجبات فكل طائفة تعيش حريتها ولكن هذه الحرية تقف عند حدود احترام حرية الطائفة الأخرى.»

وصمت الحكواتي عن الكلام المباح في العام 1994 لكن صدى كلامه لم يخبُ ولم ينطفئ، لتبقى صورة فؤاد افرام البستاني معلقة على جدار ذاكرة أجيال كثيرة رافقته راويًا للتاريخ وكأنه شربة ماء.

 

مؤلف، مؤرخ، شاعر، صحافي، سياسي، مدرّس، أكاديمي، وأحد أهم نقاد الأدب العربي. كثيرة هي ألقابه لكنها تكاد لا تفيه حقه. من مستمع يقظ منذ نعومة أظفاره إلى متحدث بارع وراو مدهش، يبهرك بسرعة بديهيته وذاكرته النقية، وبدقة تسلسل أفكاره وانسيابها فلا يسعك إلا أن تكون صامتا مصغيا.

ثروة فكرية، ومخزون ثقافي، وعلم من أعلام الفكر والأدب والتاريخ. متبحر ومتفان في سبيل العلم والمعرفة. تشعر وأنت تستمع إليه أن أقصى ما يتمناه هو أن يقص عليك روايات من التاريخ. يقول: «لا يتم التاريخ إلا بالحكايات التي تروى على هامش التاريخ» (1).

عبقري عملاق، عاش حرّا طوال حياته، وعالج تاريخ لبنان كما يعالج مسألة عائلية لمعرفته الوثيقة بكل ما هو لبناني، ولحنينه إلى عالم طويت صفحاته المشرقة ليحل محله زمن الحرب والاحتلال، ولأمل طالما أراد أن يبثّه في الأجيال الصاعدة  (2).

كان مدهشا في تذكر الأحداث، تكرج على لسانه المعلومات متدفقة منه ارتجالا. ففي العام 1980 قدّم برنامجا يوميا على إذاعة «لبنان الحر» أطلق عليه اسم «أيام لبنان»، قدّم فيه معلومات وأسماء وتواريخ وشهادات معارك ووقائع وإحصاءات لا يصدّق فيها المستمع أنه يرتجل بل يقرأ. كما سجّل في العام 1986 لدائرة البرامج في «المؤسسة اللبنانية للإرسال» برنامجه الأسبوعي «لبنان الدائم» قدّم فيه أكثر من 100 حلقة يرتجل في كل منها ستين دقيقة يروي فيها عن أمجاد لبنان، فيفتتح الحلقة الجديدة حيث توقف في ختام الحلقة السابقة، من دون أية قفزة في تاريخ أو اسم أو حادثة أو واقعة. كان كتابا مفتوحا من التاريخ والآداب والحضارة، جعلت لبنان على لسانه وبشخصه راويا، كشفا عظيما لطالبي المعرفة والثقافة (3).

كان لسلسلة الروائع التي أسس من خلالها فؤاد أفرام البستاني التعليم الكلاسيكي للأدب العربي بدءا من العام 1927 أهمية كبرى في الدراسات الأكاديمية الرصينة، وفي تاريخ الأدب العربي ونصوصه واعلامه. فكل جزء كان مخصصا لعلم من أعلام الأدب العربي، بدءا بالعصر الجاهلي، وانتهاء بعصر النهضة حتى منتصف القرن العشرين. وقد بلغت سلسلة الروائع خمسة وسبعين جزءا، وهي في الحقيقة روائع، لا من حيث أعمال أعلامها فقط، بل من حيث عمل فؤاد أفرام البستاني فيها. فهو عمل تأليفي منظّم، ودراسات مكثّفة، تضع في خمسين صفحة عن العلم ما يُغني عن مئات الصفحات (4).

وكما نشأت فكرة الروائع على مقاعد الدراسة الثانوية، كذلك ولدت فكرة دائرة المعارف: ففي أوائل الخمسينات، وبفضل تشجيع كل من إميل البستاني والرئيس كميل شمعون أكمل فؤاد أفرام البستاني ما بدأه المعلم بطرس البستاني. فبدأ في جمع كل ما شهر في العالم من «دوائر معارف»: من الدوائر الفرنسية السهلة المنال، إلى البريطانية والأميركية، فالإيطالية، والإسبانية، والألمانية، والسوفياتية، والأرجنتينية، والإيرانية، والتركية الناشئة إذ ذاك، والأفغانية. هذا بالإضافة إلى الموسوعات، أو المعاجم الكبرى المتخصصة الحديثة، كدائرة المعارف الإسلامية، والدوائر الخاصة بالمسيحية في عقائدها، وعلومها، وآدابها، كمعاجم «الكتاب المقدس»، وتاريخ الكنيسة، وجغرافيتها، والليتورجيا، والمذاهب، والفرق، والرسالات. ثم معاجم التاريخ العام، والجغرافيا، والفنون، والآثار، والميثولوجيات، والحضارات المختلفة، وموسوعات العلوم النظرية الخالصة والتطبيقية، حتى شؤون المنزل المتنوعة من الآثاث إلى الطبخ. ثم اختار مجموعة من الشبان المثقفين، ووجههم في خطة «تفييش» هذه الآثار، أي فهرستها على «فيش» أبجدية (5).

بالأسلوب الارتجالي نفسه ومستعينا بالذاكرة الحادة نفسها، يروي الدكتور حارث البستاني، الابن الأكبر لفؤاد أفرام البستاني، والاستاذ في علم الأثريات وتاريخ الحضارات في الجامعة اللبنانية قصة حياة والده:

ولد والدي في 15 آب 1904 في دير القمر وهو الابن البكر لستة أشقاء. بدأ دراسته في مدرسة راهبات مار يوسف الظهور في دير القمر، ثم انتقل إلى مدرسة الآباء المريميين . بحكم صداقة خاله مع داوود بيك عمون الذي كان رئيس مجلس إدارة المدرسة بدأ فؤاد أفرام البستاني يتردد إلى مكتبة الأخير ويطلع على الكتب الموجودة فيها.

بدأت الحرب العالمية الأولى وقد بلغ البستاني العاشرة من عمره وكانت تصدر صحيفة في دير القمر تحت اسم «جريدة دير القمر» وكانت تستقبل في مركزها جميع الأدباء من دير القمر والشوف.

منذ نعومة أظفاره كان فؤاد أفرام البستاني يرافق عمه الذي كان يتمتع بموهبة سرد القصص إلى السهرات حيث كان عمه يروي حكايات الأمير بشير. من هنا تولّد لديه شغف بشخصية الأمير بشير.

عند بداية الحرب طرد الأتراك الآباء المريميين من المدرسة فاستلم صاحب جريدة دير القمر، المعلم نعوم البستاني إدارتها وأنشأ فؤاد أفرام البستاني فيها جريدة طلابية أطلق عليها «علم الأدب»، كان يحررها بخط يده وينسخ عنها نسخة واحدة يوزعها على القراء والأدباء مجانا شرط أن يعيدوها له بعد قراءتها لأنه لم يكن يمتلك غيرها. أصدر من هذه الجريدة 19 عددا ولم يكن عمره حينذاك يتجاوز الرابعة عشرة.

عند نهاية الحرب عادت جريدة «دير القمر» إلى الصدور وبات فؤاد أفرام البستاني يلتقي في مقر الجريدة بالأدباء والصحافيين ويصغي إلى أحاديثهم.

في العام 1920 انتقل فؤاد أفرام البستاني إلى بيروت والتحق بمدرسة اليسوعية التي يطلق عليها اليوم اسم مدرسة الجمهور وكان متفوقا في مادة  الرياضيات. في أحد الأيام كان يتصفح كتابا غزليا ترفيهيا للشاعر أسعد رستم ودخل عليه داوود بيك عمون وأخذ منه الكتاب قائلا له: «هيدا مش إلك»، وسحب من المكتبة ديوان المتنبي قائلا: «هذا ما يجب أن تقرأه». منذ ذلك الحين تفتح فؤاد أفرام البستاني على الأدب والشعر.

بعد تقدمه لامتحانات البكالوريا الفرنسية ونجاحه بدرجة جيد جدا قدم له رئيس مدرسة اليسوعية منحة للدراسة في معهد الفنون التقنية المتعددة في باريس لكنه رفضها لأنه كان المعيل الوحيد لعائلته بعد وفاة والده في العام 1918 وقبل عرضا من رئيس المدرسة بتدريس الأدب العربي وتاريخ الفلسفة.

إلى جانب التدريس تابع فؤاد أفرام البستاني دراسته وحاز على شهادة جامعية في الحقوق تحت رعاية أستاذه الفرنسي الأب هنري لامانس وإرشاده، وكان لامانس يعد من أكبر المستشرقين الذي رافقه طيلة عشرة أعوام ما ساعده على الغوص في كتب المكتبة الشرقية والبحث عن الأدباء وعن طريقة تبسيطية لنقل الأدب العربي على غرار الكتب الكلاسيكية الفرنسية التي درس فيها في الصفوف التكميلية. ولدت من هذا البحث مجموعة «الروائع» ولاقت نجاحا كبيرا في لبنان وفي الدول العربية أسس من خلالها التعليم الكلاسيكي للأدب العربي، وفتح الباب لصدور مجموعات مماثلة لها مثل «البدائع والطرائف».

تعتبر «الروائع» من أفضل روايات الأدب العربي وقد طبع منها مليون وخمسمائة ألف نسخة بدءا من العام 1927 وحتى وفاته، وتم إدراجها في البرامج المدرسية اللبنانية.

سعى فؤاد أفرام البستاني مع المسؤولين في اليسوعية من أجل إنشاء شهادة للبكالوريا اللبنانية، وعمل مع المستشار الثقافي الفرنسي على تحضير برامج تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية والعربية والأدب الفرنسي والرياضيات وفي العام 1929 تم توقيع مرسوم إنشاء شهادة البكالوريا اللبنانية. إضافة إلى ذلك، سعى فؤاد أفرام البستاني مع مسؤولي اليسوعية لإنشاء جامعة للتعليم العالي، فكان معهد الآداب الشرقية بالتعاون مع مستشرقين فرنسيين وكانت الجامعة اليسوعية أول من يمنح شهادة في الآداب العربية.

في أوائل الأربعينات بدأ معهد الآداب الشرقية بتخريج أساتذة في الآداب فأسس فؤاد أفرام البستاني معهد المعلمين العالي  وهو معهد يعنى بتأهيل الأساتذة لتعليم الصفوف التكميلية وأطلق عليه في ما بعد اسم كلية التربية، وعيّن مديرا له لسنوات عدة، بينما بقي يزاول التعليم في المدارس في الوقت نفسه، إضافة إلى كتابته المقالات التربوية والثقافية.

في العام 1953 وقّع الرئيس كميل شمعون مرسوم إنشاء الجامعة اللبنانية وعيّن فؤاد أفرام البستاني رئيسا لها حتى العام 1970 حيث أحيل إلى التقاعد وتسلم وسام الأرز من الرئيس شارل حلو.

أصدر في العام 1956 الجزء الأول من «دائرة المعارف» بدعم مادي من الرئيس كميل شمعون والنائب إميل البستاني. كانت «دائرة المعارف» أول محاولة حديثة في اللغة العربية لإخراج دائرة معارف كبرى. تكمن أهميتها اليوم في قيمتها التاريخية، وهي مرتبة حسب الألفبائية ولقد وصل عدد مجلداتها إلى الـ15 ولقد نشرت العدد الأخير بعد وفاة والدي.

انتابه الحزن الشديد عند بداية الحرب اللبنانية، فبدأ بكتابة مقالات قاسية في جريدة العمل تحت أسماء مستعارة: «لبناني عتيق»، أبو نضارة»، «جنان الحارثي»، و»لقمان الفلسطيني»، هاجم فيها سياسات الدول والبترودولار، والكذب والنفاق، وانتقد بشدة الميثاق الوطني الذي أسماه «النفاق الوطني».

في العام 1993 أراد الرئيس الياس الهراوي أن يقلّده وسام الوشاح الأكبر لكنه رفض الأمر بسبب هيمنة الوصاية السورية على لبنان ووجود الرئيس الهراوي خارج قصر بعبدا. بعد إصرار من الرئيس الهراوي قبل فؤاد أفرام البستاني وجرى حفل تسلم الوشاح الأكبر في 18 كانون الأول 1993 حيث ألقى خطابه الأخير وهو في التاسعة والثمانين من العمر. توفي في 1 شباط 1994.

تعاطى فؤاد أفرام البستاني السياسة في مطلع شبابه، وبسبب إعجابه الشديد بشخصية الأمير بشير الشهابي واعتبارها نموذجا لشخصية الحاكم الصالح والعادل، أنشأ منظمة سرية هدفها إعادة الإمارة الشهابية إلى لبنان وعمل على تنمية شعور الشباب بالوطنية وحب حماية لبنان، لكن تم إيقاف عمل هذه المنظمة عند إعلان إنشاء الجمهورية اللبنانية في العام 1926.

برأي فؤاد أفرام البستاني لا يمكن أن يتم وصف لبنان إلا بلبنان. فهو ليس ذو وجه عربي ولا عربي. لبنان هو وطن المضطهدين. إنه لجميع الطوائف التي تعيش فيه متساوية في الحقوق والواجبات فكل طائفة تعيش حريتها ولكن هذه الحرية تقف عند حدود احترام حرية الطائفة الأخرى. لكنه يبقى في أساسه وطنا للموارنة ومن ثم للدروز. كما يعتبر أن منصبي رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش هما ضمانة لكيانية لبنان، كما أن الحياد الدولي هو الذي يضمن نهائيته، لأنه ليس من المهم إقفال الحدود البريّة بل الأهم هو إقفال الحدود الإيديولوجية، فلا شيء ينقذ لبنان إلا حياده كما كان حياده مضمونا أيام المتصرفية، حيث كانت دول كثيرة تحميه وتمنع أي جندي تركي من دخوله، فكانت أفضل فترة عاشها لبنان بين العام 1861 و1914 إذ شهد غنى ثقافيًا وماديًا واقتصاديًا كبيرًا بفضل هذه الحماية.

نشاطه السياسي

انضم فؤاد افرام البستاني  في العام 1976 إلى الجبهة اللبنانية، وكان مع الدكتور شارل مالك أحد أهم منظريها.

كان شخصا مثيرا للجدل يحترم أخصامه تفكيره لأنه كان ثابتا في قناعاته وراسخا في معتقده العلمي والتاريخي الأدبي، وتبقى كلماته، حتى ولو أثارت جدلا، مرجعا موثوقا به لأنه كان يعبد الحقيقة ويدافع عنها ببساطة ومن دون تشنّج ويقارع من يخالفونه الرأي بالطرفة والنوادر.

يقول: «يبرز لبنان من ضباب ما قبل التاريخ في ظل شعار مثلّث: الإيمان بما وراء المادة، الأخذ بروعة الجمال، السعي في تحقيق الذكاء. هذا هو ثالوث الوجود اللبناني». كما يشير إلى حقبتين مهمتين من تاريخنا: الحقبة القديمة وفيها نشر لبنان الفكر في العالم، والحقبة الحديثة وفيها أيقظ لبنان الشرق الأدنى بأسره وشقّ له طريق الحريّة والاستقلال. فيبرز تاريخ الشعب اللبناني منذ قبل ستة آلاف سنة حيث «كان أول من ينتقل من الكهوف والمغاور والسهول إلى البيوت المفردة. فيبني المنزل والقبر: بيت الكائن الحي ومستقر الميت، وينشئ المدينة والمقبرة، واضعا أسس الحضارة المستقرّة في المدينة، وهو معنى التمدّن». فنرى خصائص هذه الحضارة اللبنانية العريقة تتّصف بأشهر ميزات الحضارات العصرية: مادية، وعقلية، وروحية، ترافق اللبنانيين في جميع آثارهم على تتابع العصور منذ فجر الألف السادس وتخرجهم من اشتراكية السهل وشيوعية الكهف، إلى الانفراد بالبيت يبنيه أولا كوخا مستديرا على أرض مرصوفة مستديرة. ويرتقي اللبناني بالبناء، وينشره في رحلاته، حتى يعرف به في العصور القديمة، فيشيد المدن المفننة التخطيط، المنيعة الأسوار، المتناسبة التقاطيع، الحافلة بالهياكل الشامخة والصروح المتعددة الطبقات، ناشرا ناطحات السحاب في جميع حواضره شرقا وغربا من أرواد إلى صور إلى قرطاجة إلى صنعاء اليمن، ويقيم في ميناء صور مرفأ مرصوفا لا يزال طرفة المهندسين وعلماء الملاحة. فإذا شاء سليمان الحكيم، في القرن العاشر قبل المسيح، أن يرفع للعلي الهيكل العجيب، لجأ إلى المهندس اللبناني حيرام. وإذا أراد صاحب سفر «الأمثال» استعارة يمثل بها ثبات صرح الحكمة، لجأ إلى الأعمدة السبعة في بناء البيت اللبناني الأصيل» (6).

كما كان من أبرز المنادين بإقامة نظام فيدرالي في لبنان في إطار التعددية الحضارية وتحت مظلة القومية والخصوصية اللبنانية. ولطالما آمن وردّد ضرورة «أن يبقى لبنان سيد نفسه غير مندمج بغيره وغير منعوت إلا بذاته، وأن يحافظ على شخصيته المميزة وتراثه الأصيل بحيث لا يمتص ولا يتمثل بأي مجتمع آخر. يجب أن يبقى لبنان وطناً للحرية المسؤولة وأن يستمر مجتمع لبنان في تمكين العقل من مناشدة الحقيقة في كل حقل ومعرفتها وإعلانها».

طبعت أفكاره بيانات «الجبهة اللبنانية»، التي شددت في بيانها التأسيسي على تعددية المجتمع اللبناني بتراثه وحضاراته الأصيلة، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، خصوصًا ما يتعلق منها بالحرية والشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية والعدالة المجتمعية، وعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج، وفقا لخياراتها الخاصة.

أثاره اجتياح الجحافل الغريبة للبنان إبّان الحرب واستفزته الاعتداءات على مسيحييه «لبنان الذي يحيا اللبنانيون من أجله ومن أجله يموتون، لم يعتد ولم يتآمر على أحد، ولا هو واطأ أحدا على شر. إذ كان في التاريخ كله وبخاصة مجتمعه المسيحي، مصدر خير وخدمة وسلام لذاته، لمحيطه، وللعالم أجمع. فلبنان الذي كانت فيه المسيحية دائمًا حرة سيدة أمينة على قيمها وتراثها ومصيرها، تعتزم، اليوم، أكثر من أي يوم آخر، أن تبقى حرة – سيدة، أمينة على قيمها وتراثها وما تنشد لنفسها من مصير.

رفض الإملاءات والتخاذل، وانتقد الاتهامات التي كانت تساق ضد المسيحيين، وذكر في أكثر من مناسبة أن «المسيحية في لبنان تذكّر بأنها لم ترد لنفسها، يومًا في الماضي ولا تريد، الآن، لنفسها، وتعتزم ألا تريد في المستقبل ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكون منها الأسرة اللبنانية، على أنها لا تريد لنفسها، كذلك، أن تصبح في مطلق الأحوال، مسودة، أو أن تقبل لنفسها ما لم تقبل به لغيرها.

يعشق الصدق ويكره التزلف والكذب، لا يخاف المجاهرة بما يفكر، ويواجه كل من تسوّل له نفسه تمرير مشاريعه السلطوية على حساب لبنان ومسيحييه. وفي خضم المحنة التي كانت تعصف بلبنان في العام 1983، وردا على المبادرات الزائفة والتطاول على سيادة وكرامة الشعب اللبناني، كتب في مجلة «المسيرة»، في 30 تشرين الثاني 1983 مقالا قاسيا هاجم فيه جميع المبادرات الزائفة التي كانت تطلق من كل الجهات المحلية والخارجية:

« آن الاوان لنسقط الاقنعة، ونقصي النفاق والمنافقين، صارخين : الى أي وفاق تدعون؟ وأي حوار بين الفرقاء؟ وأي فرقاء؟ وليس في لبنان، أو على أرض لبنان، الا فريقان: لبنان المعتدى عليه، والغازي الغريب المعتدي.

فلنعالج الأزمة بجرأة، بين لبنانيين خلصاء أصفياء لا يرون وطناً ولا مبدأ ولا عقيدة فوق لبنان والعقيدة اللبنانية، ويرون في هذا اللبنان وطنهم الدائم النهائي الوحيد، غير القابل للتجزئة، الكامل غيرالقابل للنعت، ولا الاضافة. وعندئذ لا نبقى في حاجة الى تجمع، ولا الى حوار، ولا الى « تفهم وتفاهم» ولا الى طاولات… فقد شبعنا نفاقاً. وآن الوقت لاسقاط الاقنعة، وترك الباطنية، وطرح الازدواجية، ومجابهة الحقيقة بجرأة، ومنطق سليم (1).

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل