#adsense

“مبادرة وصل” لم تحوّلها الثنائية الشيعية الى فرصة

حجم الخط

مع اختتام جنبلاط مشوار "المصالحات" وفي ضوء تعاطي "حزب الله" على نحو "انتصاريّ".. وعدم "إقدام" برّي
"مبادرة وصل" لم تحوّلها الثنائية الشيعية الى فرصة

عندما مضى زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط الى "سياسته الجديدة"، السياسة التي كان بدأ يؤشّر الى بعض عناوينها قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، ثم بلور إطارها العام في الثاني من آب الماضي قبل أن يضعها موضع التنفيذ العملي منذ ذلك التاريخ، وجدت 14 آذار نفسها في تلك الفترة "مصدومة"، بل قيل في كواليس الحركة الاستقلالية إذ ذاك أنها تواجه "صدمة وليد جنبلاط".

بطبيعة الحال، إن "الصدمة" كانت طبيعية من زاوية رئيسية، هي أن وليد جنبلاط الذي يخرج من 14 آذار كائتلاف سياسي ـ وطني ـ شعبي، لم يكن شخصية عادية في هذا الائتلاف بل كان رقماً أساسياً فيه وفي إنتفاضة الاستقلال. بيد أن جانباً رئيسياً من التعاطي "المتحفّظ" لـ14 آذار حيال "السياسة الجديدة" لجنبلاط حينها، نهض على إعتبار أن الهدف ـ النبيل والصحيح ـ الذي ينشده الزعيم الاشتراكي، أي صون السلم الأهلي وهو أولوية بالفعل، ما كان يستدعي للوصول إليه بالضرورة، إعتماد جنبلاط لـ"خارطة الطريق" التي إعتمدها.

"مبادرة وصل" للسلم الأهلي

ومع ذلك، فإن 14 آذار في سعيها الى تجاوز "الصدمة"، رأت أن تلك السياسة الجنبلاطية يمكنها أن تغدوَ في لحظة معيّنة "مبادرة وصل" مع الفريق الآخر. أي أن هذه السياسة التي أرادها وليد جنبلاط لـ"الانفتاح" و"الوصل" وهادفةً الى حماية السلم الأهلي، لا بد أن تكون على محكّ نوايا الفريق الآخر. بكلام آخر، فإن 14 آذار، ولأنها متّفقة مع رئيس "اللقاء الديموقراطي" على الهدف ولأنها ليست مقفلة على الحوار في الأصل، إرتأت أن تترك لـ"مبادرة وصل" فرصة أن يتم إختبارها، على أن تُستخلص نتائج الاختبار في وقت لاحق.

الآن، وبعد أن أنهى وليد جنبلاط آخر "المصالحات" أمس بزيارته الى الرابية التي تلت بيوم واحد "مصالحة الشويفات"، ماذا يُمكن أن يُقال في المحصّلة؟
بدايةً، لا مفرّ من الاعتراف بأن "المصالحات" وفّرت للبلاد خلال الشهور الماضية هدوءاً وأمناً "مقبولَين" تحتاج اليهما. لكن الذهاب الى العمق، هو ما سيتيح التعرّف على المحصّلة الإجمالية في مضمونها "السياسي" الرئيسي.

"حزب الله" .. والخلاصة المريرة

إهتم "حزب الله" بالسياسة الجنبلاطية الجديدة من زاوية إعتباره أن نتيجتها الأساسية هي شق تحالف 14 آذار، أي من زاوية إعتبار أنها قادت الى توازن قوى سياسي "مختلف"، توازن في صالحه.
بل أكثر من ذلك، تعامل "حزب الله" مع السياسة الجنبلاطية بوصفِها نتاجاً لـ"قوة" إختبرها الحزب ولـ"توازن قوة" جرى تكريسه.
أي أن "حزب الله" تعاطى مع تلك السياسة على نحو "إنتصاري".. بوصفها تأكيداً لـ"إنتصاره"، وبما يتيح له الاحتفاظ بخطابه السياسي بمضامينه نفسها.

باختصار، لم يتعامل مع السياسة الجنبلاطية الجديدة باعتبارها "مبادرة وصل"، لا بد أن يلاقيها.. مبادرة عليه أن يتلقّفها للتوصل الى تسوية سياسية ـ وطنية مع مختلف مكوّنات الاجتماع السياسي اللبناني. لا بل إن "حزب الله" لم يرَ فائدةً حتّى من تلقّف تموضع جنبلاط لـ"توسيطه" مع 14 آذار بأفق التسوية.
وهكذا، لم يتقدّم "حزب الله" خلال الشهور الماضية باتجاه تغليب "منطق التسوية" تحصيناً لـ"كل لبنان"، لا سيما في ظل تهديدات إسرائيلية متصاعدة، بل إعتبر أن الظروف تتيح له تنظيم هجمات على سائر مكوّنات 14 آذار، مستعيداً لغة التخوين حيناً ولغة "النصح" حيناً آخر.

إن تعامل "حزب الله" مثالاً، يقودُ الى خلاصة سياسية مريرة. فهو بدلاً من أن يتعاطى بجدية أعلى مع "مبادرة وصل"، وبدلاً من أن يغتنم الفرصة لتحقيق مصالحة فعلية مع سائر البيئات في لبنان، عزّز مخاوف سائر البيئات حياله، وأكد ما كانت أوساطٌ في 14 آذار تخشاه: إما سلم أهلي بشروط "حزب الله" السياسية و"العملية" وإما وضع أهلي هشّ، أي أن الهدوء والأمن السائدين حالياً، نسبيان جداً في إطارهما السياسي!.

بري وإمتناعُه عن تشكيل "أكس" تسووي

في هذه الأثناء، وبصرف النظر عن النوايا، فإن التعاطي السياسي للرئيس نبيه بري كرئيس لحركة "أمل"، لم يكن بحجم ملاقاة المبادرة الجنبلاطية.
كان الرئيس بري أول المشجعين لزعيم "التقدمي" على سياسته الجديدة. وكان أول المتحدثين عن "خلط الأوراق" وضرورته. وكان أول من حكى ـ خصوصاً بعد الانتخابات ـ عن "موالاة سابقة" وعن "معارضة سابقة". وكان أول من تبنى "نظرية س.س" على قاعدة أن التقارب السعودي ـ السوري "شرط لازم" لحل الأزمة اللبنانية من ناحية وأن هذا التقارب مهم لتشكّل مشهد سياسي لبناني جديد بعد حل الأزمة من ناحية ثانية. وكان أحد أوائل المنظّرين لقيام "كتلة وسطية" والمدافعين عن هذه الكتلة، وأوحى مراراً بأنه على خط هذا "الوسط"، إنطلاقاً من علاقته بجنبلاط.

إن المحصّلة، بري مثالاً، تفيدُ أيضاً أن رئيس "أمل" لم يلاقِ جنبلاط كما يجب. لم يتلقف مبادرته لتركيب "أكس" تسووي. بل بدا كأنه يعمل لأسباب ربّما يمكن تقديرها الآن بما يُبعد "الشبهات التسووية" عنه.
إذاً، إن محصّلة مبادرة جنبلاط مأخوذة على أنها "مبادرة وصل"، باتجاه الثنائية الشيعية تحديداً على إعتبار أن المصالحة مع الجنرال ميشال عون لزوم ما لا يلزم، تفيدُ أن التجربة مع الفريق الآخر لم تكن مشجعة.

"المحصّلة" تقويماً للتجربة

يُخطئ من يظن أن السطور السابقة تنتقد خيار السلم الأهلي والمصالحات لدى وليد جنبلاط وقد قام "تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري بمصالحات أيضاً في مرحلة لبنانية "ساخنة". ويخطئ من يظن أن السطور السابقة تقدم "جردة حساب" مع وليد جنبلاط. فتلك السطور هي للقول إن الفريق الآخر لا يزال بعيداً عن تقبّل التسوية السياسية ـ الوطنية العامة، بما تستوجبه من "تنازلات" للوطن والدولة. وللقول إن الفريق الآخر، لا سيّما "حزب الله"، يتحمّل مسؤولية عدم تحويل المبادرة الجنبلاطية نحوه الى فرصة لانفراج وطني عميق، ويتحمّل مسؤولية "عدم إغتباط" جزء مهم من جمهور 14 آذار بـ"المصالحات". وللقول أخيراً انه هو من يتحمّل مسؤولية عدم جعل "مبادرة وصل" مدخلاً الى إرتياح شعبي عميم.. و"حاسم".
وليد جنبلاط تاريخٌ وحاضرٌ.. ومستقبل. إقتنع بمبادرته السياسية فسار فيها. ولا شك أنه سيقوّم المحصّلة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل