#adsense

مدى عثماني.. لمحور السلام الإقليمي

حجم الخط

همزة الوصل اللبنانية بين الاعتدالين التركي والعربي هي بنت نظرة إستراتيجية تاريخية
مدى عثماني.. لمحور السلام الإقليمي

مع النتائج الفاصلة التي حقّقتها زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى أنقرة يمكن القول إنّ "النموذج اللبنانيّ في الإعتدال" أوضح أكثر من أي وقت مضى سماته ومعالمه.
فقد برهن هذا النموذج عن امتلاكه النظرة الإستراتيجيّة التي تنظر إلى المستويين المحليّ والإقليميّ في آن، بعين حسّاسة لكل ما ينتاب المستوى الأول وعين ثاقبة لكل ما يعرض المستوى الثاني، على نحو الرؤية الشاملة.

فهذه النظرة الإستراتيجيّة التاريخية لا ترى خيراً في أن يختزل الشرق الأوسط بين "ممانعة" تقودها إيران وبين "إستعمار" تمثّل ذروته إسرائيل، وتدرك أنّه آن الأوان للإعتدال العربيّ أن يقوى بالإعتدال التركيّ، وللإعتدال التركيّ أن يقوى بالإعتدال العربيّ، وهذا شيء من إعادة الإعتبار لـ"المدى العثمانيّ".

فالإستقطاب الإيرانيّ الإسرائيليّ لا يكتفي بمصادرة الصراع العربيّ الإسرائيليّ. إنّه يجعل هذا الصراع مستعصياً على الحلّ، حيث إنّ الضعف العربيّ يُضحي ضعفين: ضعف أمام العدوّ (إسرائيل)، وضعف أمام من يكلّف نفسه قضية العرب (إيران). بالتالي، فإن دخول تركيا على خط الصراع كما التسوية بين العرب وإسرائيل من شأنه أن يبدّل هذه المعادلة. فتركيا ما عادت تكتفي بدور "الوسيط المحايد" في هذا الصراع، بل صار لها، وخصوصاً مع حكومة أردوغان، رؤية واضحة حول آليات وشروط وآفاق حلّ الصراع، ويتميّز الشجب التركيّ للسياسات الاسرائيلية عن مثيله العربيّ بأنّه قابل للشيوع والاقتباس على الصعيد الدوليّ.

لقد حكم الإستقطاب الإيرانيّ الإسرائيليّ بأن تبقى المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل في حدود "الحرب الباردة" الأيديولوجيّة والتسلّحية، في حين يفرض منطق "الحروب بالوكالة" على العرب، وتصير هذه "الحروب بالوكالة" مدخلاً للتفريق بين العرب، ولتخوين قسم منهم، ولإضعافهم جملة في إطار الإستقطاب الإيرانيّ الإسرائيليّ.

من هنا تأتي تركيا لتربك هذا الإستقطاب بحدّ ذاته، وتحديداً لأنّها ما زالت تشكّل المانع الأوّل دون تطوّر التهديدات الغربية والإسرائيليّة ضد إيران إلى احتمال حرب جديّة، ولأنّها ما زالت رائدة محاولات تعديل سلوكيّات النظام في سوريا، وقد جارتها في ذلك لاحقاً فرنسا وأوروبا والإعتدال العربيّ فإدارة الرئيس باراك أوباما.

وفي الوقت نفسه فإن تصريحات أردوغان وحكومته بشأن إسرائيل إنّما تؤذي الدولة العبرية أكثر من أي شيء آخر، ليس أبداً لأنّ تركيا تفكّر في خوض لعب "الممانعة"، إنّما لأنّها تبرز من خلال هذه التصريحات ما يمكن أن تؤسس عليه سياسات "الإعتدال" من تطويق سياسيّ وأخلاقيّ للصلف الإسرائيليّ وحتى من تعديل لميزان القوى الإقليميّ لغير صالح الدولة العبرية.

والإعتدال اللبنانيّ، ممثلاً برئيس الحكومة سعد الحريري، وعلى أساس ما بدأه الرئيس الشهيد رفيق الحريري على صعيد العلاقة مع أنقرة إنّما يلاقي في هذا المجال تطوّر تجربة الإعتدال التركيّ في ظلّ حكومة "الإعتدال والتنمية"، والإعتدال اللبناني يؤدي إذاً وبنجاح دور همزة الوصل بين كل من الإعتدال التركي والإعتدال العربيّ. ذلك على أسس واضحة هي:

1 إدراك كل من الإعتدالين العربيّ والتركيّ لأنّ مصلحتهما الإستراتيجية تكمن في الحؤول دون السياسات التي تفيد عملية تغذية التطرّف للتطرّف نفسه.
2 الإيضاح بأنّ الإعتدال، عربياً كان أم تركياً، هو إعتدال على طول الخط، أي أنّه "إعتدال" حتى في العلاقة مع "منظومة الممانعة"، ورغبة في إيجاد "كلمة سواء" مع هذه المنظومة، بما يفيد إستقرار كيانات المنطقة ووقف حمّامات الدمّ أو تفادي احتمالاتها.
3 التأكيد أن الإعتدال ليس موقفاً "رخواً" أو "استسلامياً" لا حيال اسرائيل ولا حتى حيال الغرب، بل أنّه الموقف الوحيد الذي يمكن أن يبنى عليه لتجنيب المنطقة منزلق الوقوع في أسر التطرّف بعامة، وأسر العدميّة الغيبية بجميع أشكالها.

وفي هذا الإطار، فإن "همزة الوصل اللبنانية" بين الإعتدالين التركيّ والعربيّ من شأنها أن تتحوّل إلى ضامن لمزيد من الإصلاح في العلاقات اللبنانية السورية، ليس فقط نظراً لمثول هذه العلاقات تحت المجهر التركيّ، بل أيضاً لأنّ مزاوجة الإعتدال التركي بالإعتدال العربيّ تعطي مجالاً حيوياً لسوريا للإفلات من قيد "الإستقطاب الإقليميّ غير العربيّ" الذي لا يمكن بالنهاية إلا أن يتعارض مع المصلحة القوميّة العربيّة، وبالتالي مع المصلحة الوطنية لأي دولة عربيّة.

لقد استقبلت النقلة النوعية في العلاقات اللبنانية التركية بترحاب واحتضان شعبيين كبيرين، وهذا بحدّ ذاته مؤشّر إلى حجم "الإنتظارات العربية"، النخبوية منها والجماهيرية، لما يمكن أن تقوم به تركيا، بعقلانيتها ووزنها، وبأربعة قرون من "المدى العثمانيّ" التركيّ العربيّ المشترك. ثم أنّ العامّة والخاصة تتفق على أنّ تركيا هي الدولة التي استطاعت، في منطقتنا، أن تفرض نفسها بجديّة وثبات، كقوّة إقتصادية وسياسية وعسكرية وكدولة حديثة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل