إقتصاد وسياسة… وإسلام !
شكّل الإطار السياسي الذي برز خلال المؤتمر الصحافي المشترك بين سعد الحريري ورجب طيب اردوغان تتويجا لنتائج تلك الزيارة التي وضعتها انقرة في خانة متقدمة، ليس على صعيد العلاقات بين البلدين فحسب، بل في نطاق تأكيد اهمية لبنان واستقراره بالنسبة الى المنطقة عموما.
مجموعة الاتفاقات التي تم توقيعها بين البلدين ليست شيئا عابرا، على الاقل بالنسبة الى لبنان الذي يريد اعادة بناء منظومة من العلاقات التجارية والاقتصادية والتبادلية مع محيطه ودول العالم، بعد انقطاع طويل عن تطوير هذا النوع من العلاقات بسبب سلسلة الحروب والازمات التي اصابته.
وعندما يضع سعد الحريري المسألة الاقتصادية والاجتماعية في مقدم اهداف حكومته، فلا بد من ان تكون مسألة اعادة بناء شبكة التبادل وتشجيع التعاون مع دول كثيرة، مثل تركيا، من المهمات الضرورية التي يقوم بها.
❒ ❒ ❒
هذا في الاطار التبادلي. اما في الاطار السياسي، فليس قليلا ان يتحول المؤتمر الصحافي المشترك بين الحريري واردوغان محطة جديدة حامية ومتفجرة في العلاقات بين تركيا واسرائيل، تتجاوز "محطة دافوس" التي اطلقت التلاسن بين اردوغان وشمعون بيريس.
لم يكن الامر مفاجئا او مستغربا، اولا لأن العدوان الاسرائيلي على لبنان قائم ومفتوح، وثانيا لأن كل المآسي التي اصابتنا كانت نتيجة هذا الصلف الاسرائيلي المسكوت عنه حتى في تركيا، قبل وصول "حزب العدالة والتنمية" الى السلطة.
وهكذا عندما صحح الحريري "معايير التعبير" بالقول: "إن الدفاع عن الارض ليس ارهابا، بل العكس هو الصحيح، لأن الهجوم على لبنان هو الارهاب الحقيقي الذي لا يغتفر"، بدا وكأن المؤتمر تحول مناسبة لتوجيه ادانات شديدة للعدو الاسرائيلي، وهذا امر ضروري وطبيعي من بلد يتعرض للعدوان، وكذلك من بلد آخر في المنطقة يبحث عن دور اقليمي يحتاج بالضرورة الى احترام العدالة وسيادة الدول وحقوق الشعوب.
نعم، الارهاب هو ارهاب العدو الاسرائيلي. "اسرائيل دولة عدوة بالنسبة الينا في لبنان. نحن لم نهاجم اسرائيل. نحن معتدى علينا وارضنا مسلوبة"، كما قال الحريري. وهنا انطلق اردوغان داعيا الى ممارسة الضغوط على اسرائيل لانها تواصل انتهاك القرار 1701 "وهذا امر لا يمكن ان نقبله ابدا، ومن شأنه ان يلحق ضررا كبيرا بالسلام العالمي. وسوف نلفت اسرائيل الى هذا الامر(…)".
وتوسع اردوغان ليتحدث عن وحشية اسرائيل في غزة، وعن انها تحتقر الشرعية الدولية عندما تتمنع عن تنفيذ 100 قرار صدرت عن مجلس الامن، وهو ما يستدعي القيام باصلاح في الامم المتحدة لأن لا معنى او قيمة لقراراتها. كما ان على المجتمع الدولي ان يحذر اسرائيل بشأن ترسانتها النووية كما يفعل مع ايران.
مع انفجار عش الدبابير في تل أبيب، تحولت زيارة الحريري "دافوس سياسية ثانية". اسرائيل اتهمت اردوغان بـ"اللاسامية" وبـ"الانفلات غير المكبوح"، ورأت ان هناك امورا خطيرة تقال ضدها في تركيا بصورة مستمرة ومنهجية !
واذا كان من المهم ان تجد زيارة الحريري والوفد المرافق اطارا سياسيا ناجحا لنتائج تبادلية جيدة ومفيدة، فإن من المهم ايضا ان كل هذا يأتي عشية تحرك اقليمي ودولي قبل وصول السناتور جورج ميتشل الى المنطقة، في محاولة جديدة لدفع عملية السلام المنهارة بسبب التعنت الاسرائيلي. إن الاضاءة على قباحات العدو الاسرائيلي من انقرة مفيدة الآن في وقت يضاعف بنيامين نتنياهو هذه القباحات بافشال الرئيس اوباما، وتسخيف كل ما قاله عن استعداده لانجاح التسوية واقامة الدولة الفلسطينية.
❒ ❒ ❒
وتشاء المصادفة، على ما يبدو، ان تلعب ببراعة مثيرة، ليصبح المشهد من تركيا ثلاثي الأبعاد:
زيارة اقتصادية تجارية ناجحة تكتسب اطارا سياسيا جيدا، ثم تتوج الامرين جائزة "تعبيرية" ذات أبعاد ومؤشرات لافتة، ذلك انه بينما كان الحريري واردوغان في مؤتمرهما الصحافي، اعلن في الرياض ان اردوغان فاز بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الاسلام.
في حيثيات منح الجائزة ما يمثل رسالة من المملكة العربية السعودية الى الغرب والمجتمع الدولي عن حقيقة الاسلام وحضارته وصورته الصحيحة، خلافا لكل ما تبثه الصهيونية ويغذيه التطرف الاعمى من ان الاسلام يعني الانغلاق والارهاب.
فقد وصفت لجنة الجائزة اردوغان بأنه يمثل نموذجا للقيادة الواعية والحكيمة في العالم الاسلامي. وهو زعيم وطني اسلامي عالمي خدم قضايا الامة الاسلامية وفي طليعتها قضية فلسطين. وهو في مقدم المؤسسين المسلمين لتآلف الحضارات على اساس الحوار البناء والانفتاح انطلاقا من مبادئ التعاون والتفاهم الدوليين.
نعم، هذا هو الاسلام.