#adsense

هل اشتعلت “الحرب الخفيـّة”؟

حجم الخط

مرحلة لا حرب ولا سلام في المنطقة تفرض سباقاً على حافة السكين بين الحل السياسي والانفجار
هل اشتعلت "الحرب الخفيـّة"؟

يرى أصحاب الرؤية البعيدة لأوضاع المنطقة ولبنان، ومنهم مَن هو في قلب الحركة الإسلامية الفاعلة "انّ الوضع في لبنان والمنطقة عموماً باق على حاله تحت هذا السقف من الهدوء الممسوك. المشكلة ان ما يجري هو في ظل أفق مسدود". أصعب المراحل هي مثل هذه المرحلة، حيث يكون "اللعب" ضمن دائرة "الوقت الضائع". أيضاً هذا الجمود يعود إلى انه في المستقبل المنظور "لا حرب ولا سلام في المنطقة. لا حرب إسرائيلية ضدّ لبنان ولا حرب أميركية إسرائيلية ضدّ إيران".

كسر "دائرة النار"

ماذا عن الضجيج المتصاعد حول خطر انفجار الحرب في أي وقت؟ لا تكفي التصريحات النارية لإشعال الحرب، حتى المناورات وعمليات التجييش لا تكفي لتترجَم بالنار. الحذر شديد من كل الأطراف، لأن تشكل القوى لم يكتمل من جهة، ومن جهة أخرى لأن عدم القدرة على ضبط دائرة الحرب هذه المرّة تكاد تكون غائبة. لا أحد يضمن عدم كسر "دائرة النار" حتى ولو كانت في غزة، فكيف إذا كانت في لبنان أو إيران؟

لا يعني الاطمئنان إلى غياب عامل الحرب انتشار التفاؤل. العاقلون الذين يقرأون الواقع بواقعية يشدّدون على ان الحالة تدفع إلى "التشاؤل" أي حالة بين حالتي التفاؤل والتشاؤم معاً. البقاء في هذا الوضع صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً. في منطقة مثل الشرق الأوسط حيث كل شيء متحرّك والمتغيّرات هي الثابت الوحيد، المفاجآت هي سيّدة الوضع. لذلك "يجب العمل على فتح ثغرات في الجدار القائم وتوسيع أي ثغرة تلوح في الأفق".

الحركة الجارية التي ستتكثف خلال الأسابيع المقبلة عربياً ودولياً، قد تفتح ثغرة في الوضع. الخطر يكمن في الفشل. لن يكون ذلك فشلاً عادياً أو طارئاً، سيكون استراتيجياً له مفاعيله الواسعة والشاملة. أخطر نتائجه الانتقال من حالة الاعتقاد إلى حالة اليقين بأن السلام غير ممكن، وأنّ المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية عاجز عن الفعل وصولاً إلى شيوع انحيازه الكامل ضدّ شعوب المنطقة من أجل إسرائيل. الخطر في حصول ذلك فتح "أبواب الجحيم" على المنطقة. اليأس يشكل أعلى درجات الحرارة لإنضاج "العنف الأسود" الموجود أصلاً.

حروب "القاعدة" وفروعها، تؤكد يومياً حجم العنف الكامن في المجتمعات الشرق أوسطية. في السبعينيات كان الفقراء وحدهم وقود الحروب والمواجهات. من قلب المخيمات والأرياف خرج الآلاف من الرجال والنساء المملوئين بالغضب ليطرقوا كل أبواب العالم، ليُسمِعوا أصواتهم في أحيان كثيرة بطرق ووسائل غير سليمة وغير مبرّرة. الإرادة بتغيير وجه العالم برّرت كل الوسائل. اليوم لم يعد الفقراء وحدهم مَن يندفع إلى المقدمة. أبناء الطبقة الوسطى وحتى أبناء الأغنياء المثقفين والعاديين منهم، يندفعون نحو الموت الانتحاري بدون دعوة غير الرغبة بالثأر والانتقام.

أخطر الحروب

بعض مَن عايشوا هذه الحالة في العقود الثلاثة الأخيرة يخشون حالياً من انفجار "الحرب الخفية" عاجلاً أم آجلاً. المنطقة مهيأة لذلك. هذه الحرب أرخص الحروب لكنها أخطرها لأنها تزرع الخوف والقلق وتقيم بدل الحدود سياجاً حول كل مدينة وحتى حول كل حي وفي داخل قلب كل مسؤول.
الحوادث الأخيرة تطرح سؤالاً كبيراً: هل اشتعلت "الحرب الخفية"؟

عملية الطائرة الأميركية تدخل في مسار حرب "القاعدة" المفتوحة، لكن تؤشر إلى تطوّر نوعي في مواجهة التطوّر التقني الآخر. عملية افغانستان تؤكد خطورة انخراط شريحة جديدة من المثقفين والمتعلمين في العمليات الانتحارية، طلباً للثأر. توسيع دائرة "الاخوة" بحيث لم تعد محصورة بفلسطين تؤكد ان كل الاحتمالات ممكنة. ما العمل عندما الطبيب الأردني "ينتحر ثأراً للباكستاني".

مقتل العالِم النووي الإيراني محمدي يطرح جملة أسئلة. هذه العملية خطيرة جداً من جميع جوانبها؛ إذا أُخذ بالاتهامات الإيرانية ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهما وراء الاغتيال المبرمج، معنى ذلك أنّ العجز الغربي في مواجهة المشروع النووي الإيراني سواء بالحرب العسكرية أو حرب العقوبات، دفع نحو التصعيد باتجاه مسار "الحرب الخفيّة" التي تقودها المخابرات. الإضافة الكبيرة إليها أنها ليست العملية الأولى، فقد سبقها تسميم عالِم إيراني قبل أشهر. أكثر ما يقلق طهران انّ "الحرب الناعمة" ضدّها ناشطة جداً في مقاطعاتها البلوشية والكردية والتركية. خطاب واحد يجمع هذه الأقليات، كما تنقل بعض الأوساط "الفرس في طهران يتقاتلون فيما بينهم على السلطة علينا".

الاحتمال الثاني وهو ما يقوله خصوم النظام الإيراني ان اغتيال العالِم النووي الإيراني محمدي، تم بأيدٍ من داخل النظام وبقرار من سلطاته، لأن محمدي معارض ملتزم مع مير حسين موسوي. هذا الاتهام خطير جداً لأنّ معنى ذلك ان النظام في طهران "مستعد لقطع أصابع يده لضرب المعارضة". لا شيء يؤشر حتى الآن إلى حراجة وضع السلطة للقيام بذلك.

في الحالتين يجب انتظار الردّ الإيراني. إذا انتفى الاحتمال الثاني، خصوصاً انّ الإجماع القومي حول المشروع النووي الإيراني ثابت، ذلك أنّ مير حسين موسوي أكثر تشدّداً في هذا الملف من المحافظين، فإنّ ثبوت الاحتمال الأول سيشعل "الحرب الخفيّة" في مختلف الدوائر وعلى كل المستويات. لا يمكن لطهران الوقوف مكتوفة الأيدي. معنى ذلك المزيد من ضرب "جسمها العلمي والتقني الذي تعمل على بنائه منذ عقدين من الزمن" وتعريض أمنها القومي في الأطراف الخطر المصيري.

اشتعال "الحرب الخفيّة" بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، يدفع برياح الخطر إلى داخل كل دائرة ومنها لبنان. في ظل هكذا ظروف تصبح كل الضربات مسموحة ومطلوبة، لذلك يجب الحذر بشدة، والتحسّب أمام التطورات بقوّة. عملية التفجير الإجرامية التي وقعت في كفرفيلا، جزء أساسي من هذه "الحرب الخفيّة". العجز الإسرائيلي في شنّ حرب شاملة ضدّ المقاومة يدفع باتجاه العمل بمثل هذه العمليات. من الصعب جداً تحمّل الخسائر البشرية والنفسية بسهولة، الهدف منها إبلاغ إسرائيل "المقاومة" بأن "يدها طويلة"، لفرض جو من القلق الدائم المشلّ للحركة.

سباق جدّي على "حافة السكين" بدأ بين الخروج من حالة الهدوء الممسوك إما إلى آفاق مفتوحة نحو بناء حل سياسي، أو باتجاه "حروب خفيّة مفتوحة" مجهولة النتائج والصياغات والمسارات.
"التشاؤل" سيّد الموقف!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل